السبت 10 ديسمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
احمد باشا
«الملوثون الكبار» وحقوق الإنسان!

أى إنسان يتحدثون عنه وعن حقوقه وهم من أبادوه وشوهوه وحرموه من الحياة فى كوكب نظيف

«الملوثون الكبار» وحقوق الإنسان!

هنا فى شرم الشيخ وعلى أرضها تواصل الدولة المصرية تنظيم مؤتمر المناخ27 POC بعزيمة ونكهة الجمهورية الجديدة، حيث استجابت لدعوة الدولة أعداد غفيرة من قيادات العالم والممثلين الدوليين للعديد من الهيئات والمؤسسات الدولية.



بعد اليوم الأول من المؤتمر ظهرت بعض التجمعات التى بدت وكأنها قد جاءت بنية مبيتة سابقًا، من أجل تقديم استعراض حقوقى على مسرح مصر.. راحت تلك المجموعات تنشطر بفعل موجه إلى حلقات نقاشية وموائد مستديرة لتفتح ملفات مستهلكة لقضية حقوق الإنسان.. تحديدًا «استخدام حقوق الإنسان» سياسيًا من أجل خلق ضغوط تحقق مصالح أجهزة استخباراتية ودول ترعى لصالح جماعات وأفراد نشأوا وتدربوا فى أروقة الأجهزة التى لا تكف عن الرعاية الجيدة والمستديمة لعملائها، وذلك استمرارًا فى تقديم خدمات ما بعد التجنيد التى تضمن ثبات الولاء الاستخباراتى!

 يبدو أن الأزمة المالية العالمية قد أثرت على التدفقات المالية لأجهزة التشغيل فقررت ضغط النفقات واستغلال المؤتمر للقاء قواعدها المجندة هنا بدلاً من تحمل نفقات استدعائها للخارج من أجل عملية تلقين جديدة لمرحلة جديدة، تعاد فيها الاستخدامات غير الإنسانية للملفات الإنسانية.. لكن يبدو أن المشغلين المحترفين قد غفلوا عن إزاحة أثار الأتربة والغبار الكربونى والنووى التى علقت بنواياهم وقلوبهم وهم قادمون من صفوف «الملوثين الكبار»، الذين سحقت طموحاتهم ورغبات التطور الجامحة لديهم ملايين البشر ودمرت حياتهم حربًا وسلمًا، ثم جاءوا اليوم يتباكون على حقوق الإنسان الذى قتلوه من قبل، ولا تزال جينات التاريخ لم تبرأ من قصف نووى أو كيماوى لجرائم هؤلاء الكبار!

■ ■ ■

من ينادون اليوم بحقوق الإنسان هم من استحق عليهم وصفًا علميًا باعتبارهم «الملوثين الكبار»، الذين دمرت نظرياتهم وثوراتهم الصناعية حياة ملايين البشر، بل إنها قضت على ثروات طبيعية وأدت لانقراضها، ليس ذلك فحسب بل خاض هؤلاء «الملوثون» حروبًا وصراعات دامية راح ضحيتها ملايين البشر من أجل السيطرة على أماكن النفوذ البترولى، ثم استخدام مشتقاته بلا رحمة لإحداث ثورة تلوث عالمية دفع ثمنها أجيال متعاقبة صحيا وتنمويًا.

ليس بغريب أن يجاهر هؤلاء «الملوثون» بتعمدهم نقل الصناعات كثيفة التلوث إلى خارج بلادهم، وخاصة إلى الدول النامية، نقول ليس بغريب لأن ذلك ما كان ليحدث إلا بعد أن سيطرت على مدمرى البشرية نظرة دونية لتلك الشعوب التى يدعون اليوم اهتمامًا بحقوقها!!

■ ■ ■

 فى دولة البراندات العالمية لأجود منتجات حقوق الإنسان.. فى الولايات المتحدة الأمريكية لا نملك ألا نعود بالزمن إلى الوراء حيث قامت الدولة الأمريكية على جماجم جنس بشرى عُرف بالهنود الحمر.. إنها فلسفة إبادة الآخر.. ثم نتقدم قليلًا فى مسار التاريخ لنجد هولًا نوويًا فى مدينتى نجازاكى وهيروشيما، كل ذلك يدفعنا نحو فهم حقيقى لمعنى أمريكى فريد لقيمة حقوق الإنسان!

واتصالًا بالغبار النووى الذى لا يزال عالقًا فى ذاكرة التاريخ السوداء نجد أن الولايات المتحدة قد وضعت فى الغلاف الجوى أكثر من 334 مليار طن من ثانى أكسيد الكربون أى نحو 21٫5٪ من الإجمالى العالمى، وهذا داخل حدودها الوطنية فقط.. كل هذا لا يمنع من إعجاب مزعوم بالنموذج الأمريكى الكربونى لحقوق الإنسان!

■ ■ ■

نستكمل المسار التاريخى فى الاتجاه نحو بريطانيا صاحبة التاريخ الاستعمارى الأعرض فى التاريخ الذى لم يدخر جهداً من أجل تلويث العقول بالتعتيم والإظلام المتعمد والمنع من التعليم والإغلاق القسرى للمدارس فى كل مناطق نفوذها الاستعمارية، لكننا سرعان ما نعود إلى الواقع لنعيد التذكير بالقضية التى فجرتها مؤسسة دويتش فيله DW الإعلامية الألمانية حول وفاة طفلة بسبب تلوث الهواء فى لندن، والذى تسبب فى إصابتها بنوع جسيم من الربو، ولا تزال القضية منظورة أمام القضاء البريطانى.. إلا أن الملوث الإنجليزى يبدو أنه أكثر انشغالاً بقضايا حقوق الإنسان الخاصة بالمصريين الذين استعمر بلادهم لنحو 70 عامًا من السلب والنهب والقتل فى دنشواى وغيرها.

■ ■ ■

لقد جاء الملوثون الكبار إلى شرم الشيخ وبرغم تجاور مقاعدهم مع ممثلى الدول النامية إلا أن خطابهم الظاهر لم يبد أى نوايا لتقديم الاعتذار للإنسانية، أو حتى لدفع ثمن ما اقترفوه من جرائم بيئية وصحية فى حق البشرية.

■ ■ ■

كبار الملوثين راحوا يُشغلون الحاضرين بخواطرهم وأحلامهم عن حقوق الإنسان فى القرية الكونية الفاضلة، بينما آثار غبارهم النووى وأدخنة مصانعهم لا تزال تهدد حياة هذا الإنسان الذى يتباكون من أجل حقوقه، والذى يبدو أنه قد يتحصل عليها بعد موته من جراء آثار التلوث وأمراضه.

المسكوت عنه هنا هو سؤال محورى صادم، هل جاءت تلك القوى من أجل إنقاذ البشرية حقًا وحق الإنسان فى الحياة؟، أم أنها جاءت من أجل وضع قواعد تضمن احتكار استخدامات مصادر الطاقة لها فقط دون غيرها، وحرمان الشعوب النامية والفقيرة من ثمرة ذلك الاستخدام دون حرمانها من النصيب الأكبر لآثار التلوث وأمراضه وتشوهاته.

■ ■ ■

 استضافة مصر للمؤتمر عبرت عن قدرة فائقة على التنظيم وتحمل المسئولية الدولية، إلا أن التفاصيل كشفت عن حقائق مروعة بعنوان عريض «الكبار لا يهتمون بالإنسان فلا معنى للحديث عن حقوقه»!!