الخميس 18 أبريل 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
«نيران غير صديقة»  على الحدود الشرقية!

تصفية القضية الفلسطينية لن تكون على حساب السيادة المصرية:

«نيران غير صديقة» على الحدود الشرقية!

عام ٢٠٠٨ ليس ببعيد، وعملية تصنيع «الزهايمر السياسى القومى» لم تتوقف لحظة، تذكر تلك السنة عندما خرج علينا رأس الحربة الإخوانية محمد أبوتريكة ليفاجئ الجميع كاشفا قميصه الرياضى ليظهر للرأى العام ما دوّنه على قميص داخلى حمل عبارة «تعاطفا مع غزة»، ليلقى بذلك شحنة عاطفية فى الشارع المصرى نجحت فى تخدير الجمهور واستدراجه قسرا لمساحة من غيبوبة وطنية عطّلت وقتها إدراكا لمفاهيم فطرية وغريزية لفكرة الأمن القومى المصرى التى لا يمكن بأى حال أن تخضع لحسابات المساومة أو خيارات المقايضة.



لم يكن الأمر تصرفًا عاطفيا أو فرديا من محمد أبوتريكة بل كان تنفيذا لتكليف تنظيمى صدّق عليه وقتها مكتب الإرشاد، من أجل إيجاد غطاء شعبى لعملية اعتداء منظم واقتحام للشريط الحدودى مع مصر، قامت بها عناصر تنتسب تنظيميا لجناح عسكرى إخوانى مسلح ليس من بين مفردات أدبياته أى اعتراف بقيمة ومفهوم «الدولة الوطنية».

وقتها خرج السيد أحمد أبوالغيط من منطلق مسئوليته كوزير للخارجية آنذاك ومن دافع شعوره الوطنى محذرا من كسر ساق من يعتدى على الحدود المصرية وسيادتها، لكن الرجل قوبل بحملة هجوم ولعنات ممن انتحلوا صفة النخبة، لا لشيء سوى أنه دافع دفاعا منطقيا عن سيادة بلاده، فتحولت تلك الحملة التى نالت من شخصه إلى ذريعة إخوانية لتنفيذ حملة ناجحة فى احتلال ذهنية ووجدان الرأى العام المصرى، لينسحب الجميع من صفوف الدفاع عن السيادة المصرية تحت ضغوط الحملة الإخوانية التى مهدت الطريق لذراعها المسلح نحو أعماق الحدود الغربية بالداخل المصرى، بلا مواربة لقد كانت «بروفة جنرال» لما حدث عشية ٢٨ يناير من العام ٢٠١١.

 

 

■ ■ ■

 

 إذا كانت الصدمة قد فاجأتك مما سبق واستطعت خيانة عقلك وقلبك فلا تكمل القراءة، أما إذا كنت مستعدا لأن تخضع لفطرتك الوطنية السليمة فيمكنك أن تستكمل القراءة مرتكزا على قواعد ثابتة نسوقها إليك فيما يلى:

- إن السيادة المصرية ليست محلا للابتزاز السياسى أو للمساومة.

- إن أرض سيناء لن تكون فناءً خلفيًا لتصفية القضية الفلسطينية.

- إن أى بقعة أرض فى مصر ليست مكانا للنزوح.

- إن صفقة القرن التى أفشلتها ٣٠ يونيو لن يتم فرضها بالقوة أبدا.

- إن مصر التى تحتضن ٩ ملايين لاجئ لن تسمح أبدا أن تكون معسكرات الإيواء بديلا عن الوطن الأصيل للشعب الفلسطينى. 

- إن أحلام التوسع الإسرائيلى المتصلة بأوهام دولة إسرائيل الكبرى لا يمكن أن تقوم أبدا على مساحة شبر واحد من أرض مصر المخضبة بدماء شهدائها.

- إن الأرض المصرية التى استردت بالقوة عام ٧٣ لا يمكن أن تسلب بالخداع أو باستخدام إخوانى لمشاعر إنسانية تجاه فلسطين وشعبها.

- إن الثوابت المصرية تجاه مفهوم الدولة الوطنية وحدودها القطرية لا يمكن أن تعترف بمغامرات تنظيمية أو أجندات إقليمية تحاول إقحام مصر فى صراعات تقوم أساسا على مفاهيم أيديولوجية تمثل خطرا داهما على قيمة الدولة الوطنية.

- إن مصر لن تكون أبدًا رقعة شطرنج تمارس على تقاطعاتها ألعاب إقليمية لأطراف خارجية.

 

■ ■ ■

 

عقب استعراض تلك الثوابت التى تمثل إطارا حتميًا للأمن القومى المصرى، عليك أن تنتبه لعملية «التعويم السياسى» التى تحاول أطراف متعددة فرضها على مصر، من أجل خفض قيمتها الإقليمية، ليس بهدف تحييدها لكون ذلك مستحيلا، بل من أجل حصارها ودفعها لقبول خيارات لا يسمح بها أبدا تاريخها النضالى أو نخوتها الشعبية، أو شرف عسكريتها.

تزامنا مع تلك الضغوط التى تُمارس على الدولة المصرية استغلالا لآلام أزمة اقتصادية فرضتها ظروف خارجية، وبالتوازى مع استحقاق رئاسى وشيك تكثف أطراف متربصة حملاتها المستعرة وتزيد من ألاعيب ابتزازها للدولة، ويصاحب كل ذلك محاولات تسلل إخوانية باستغلال مهين  للقيمة الإنسانية للشعب الفلسطينى وحقوقه. 

 

■ ■ ■

 

 ما أشبه الليلة بالبارحة التى مورست فى ظلامها أشد حملات الابتزاز والمزايدة على الدور الوطنى لمصر قبيل عام ٢٠١١، حتى سطعت الأنوار المصرية فى ٣٠ يونيو لتبدد ظلمات ذلك المخطط، لكن أباطرة الشر وبارونات مافيا المنطقة عاودوا الظهور مرة أخرى ظنا منهم أن حالة من الوهن قد أصابت عزيمة ٣٠ يونيو التى اعترتها بعض شوائب الزمن وتقلبات الاقتصاد. 

هذا بيان للمصريين.. لا تستبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو حق.

 

 

■ ■ ■

 

اتصالاً بكل ما سبق وربما ليس من قبيل المصادفة فقد جادت علينا مواقع التواصل الاجتماعى بتسريب صوتى للرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك كشف خلاله عن عرض إسرائيلى خبيث اقترحه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قدم خلاله تصورا وهميا للدفع بسكان غزة نحو أرض سيناء كوسيلة لإنهاء الأزمة، إلا أن مبارك وفى نفس التسجيل رفض مجرد الحديث عن ذلك مؤكدا أنه ليس هناك أى رئيس مصرى يملك مثل ذلك، قائلا له: «إنسى»!

بعد هذا العرض الاستيطانى بوقت قصير رحل مبارك عن الحكم، إلا أن جهودا وتمويلات دولية وإقليمية كانت قد انطلقت بسخاء لدعم التنظيم الإخوانى من أجل وصول مندوبهم إلى حكم مصر، إلى حد وجود الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر داخل غرفة عمليات إدارة الانتخابات بمقر مكتب الإرشاد الإخوانى بالمقطم ويجلس بجواره أمير الإرهاب الإخوانى خيرت الشاطر.

 لقد نجحت وقتها عملية الخداع المدعومة بآلة إعلامية هائلة، وماكينة صرف إقليمية ودولية فى إيصال المندوب الإخوانى محمد مرسى العياط إلى المنصب الرئاسى الرفيع لم يكن الدعم الهائل على خلفية سياسية فقط، بل استنادا لعقيدة إخوانية أممية لا تعرف ولا تعترف بالدولة الوطنية بل تعتبرها عقبة فى طريق المشروع الإسلامى المزعوم، وبالتالى ستكون محاولات تنفيذ «صفقة الخيانة» أكثر سهولة خاصة إذا كانت الذراع التنفيذية لها هى مكون تنظيمى رئيسى داخل «الهيكل» الإخوانى المراد بناؤه على أرض سيناء، تحت تهديد البنادق لجناح مسلح ارتبط اسمه وتوظيفه وتشغيله بأجندات إقليمية لا تدخر جهدا فى تفكيك إقليمى ممنهج.

لم تمر شهور قليلة حتى بدأت تتكشف الحقيقة أمام الشعب المصرى، بعدما تحولت المؤامرة التى صنعت سرا داخل أروقة الأجهزة إلى مخطط معلن، شرع التنظيم الإخوانى فى تنفيذه مدعوما بأجنحته المسلحة التى حضر أحد قادتها لمكتب الإرشاد بالمقطم لتقديم البيعة لمرشده، بينما كان محمد مرسى قد وجه خطابا إلى الرئيس الإسرائيلى آنذاك شيمون بيريز مذيّلا بعبارة «صديقى العزيز».

على مرأى ومسمع من مصر والمصريين بدأت التواصلات الإخوانية مع المجموعات الجهادية على أرض سيناء واستبيحت السيادة بفعل إخوانى آثم امتدت بصماته ذهابا وإيابا عبر الأنفاق، تأكدت إسرائيل حينها أن الإخوان كنزها الاستراتيجى من أجل تحقيق حلم إسرائيل الكبرى، تحت غطاء أيديولوجى إخوانى فاسد، سرعان ما استعاد المصريون وعيهم فخرجوا إلى الميادين وتدفقت الملايين التى أبطلت المخطط بفعل ثورة إنقاذ الدولة المصرية فى ٣٠ يونيو.

 

 

■ ■ ■

 

ما لم يتم تمريره بالخداع وقتها، تحاول الآن نفس أطراف المخطط فرضه بالقوة، دون أن تعبأ بالدماء الفلسطينية البريئة، ظنا أن أرض سيناء يمكن أن تكون قاعدة لنزوح قسرى من أجل تصفية القضية الفلسطينية، بل وإعفاء إسرائيل من مسئولياتها التاريخية، فإذا واجهت مصر ذلك المخطط قوبلت بهجوم ضارٍ يفوق ما تتعرض له إسرائيل نفسها.

تخيل لو أن مصر قد سمحت بتصفية القضية الفلسطينية على حساب جزء من سيادتها، فبماذا يمكن أن توصف هذه الجريمة؟!

 لا تتوهم أن الأمر سينتهى عند هذا الحد إذا ما تم توريط مصر فى براثن هذا المخطط، بل ستسعى أطراف مؤدلجة إخوانيا إلى استخدام أراض مصرية كمنصة عدوان على إسرائيل، لتمنح بذلك مبررا للكيان الصهيونى لرد العدوان واستدراج مصر إلى حرب طويلة هى جزء من مخطط إسرائيل الكبرى.

حيث يخضع العقل الجمعى المصرى لقصف إعلامى عبر وسائل إعلام تقليدية وغير تقليدية هدفها خلق حالة تعاطف إنسانى تعمى القلوب والعقول عن محددات الأمن القومى المصرى، بهدف دفع الجبهة الداخلية لتكون أداة ضغط على القيادة السياسية تعيق حركتها عن الدفاع عن مصالح الوطن العليا، واتخاذ ما يلزم من حفظ سيادة الدولة على كامل أراضيها.

مدهش أن نرى الآن أطرافا مصرية وعربية يفترض أنها ذات هوية وطنية مسئولة انطلقت عبر وسائل الإعلام، لتقوم بتشبيه العملية النوعية الجارية الآن فى إسرائيل من مجموعات مسلحة عرفت أيديولوجيتها سلفا، بالعبور العظيم للجيش المصرى الوطنى!!

تلك الحالة من الخلط لا تكشف إلا عن غيبوبة فكرية، أو تورط فى انفعالات عاطفية، أو إعجابا مؤقتا بحالة من «الأكشن» السياسى الذى يجب ألا يكتمل سيناريو أحداثه التمثيلية على أرض مصرية.

 

 

■ ■ ■

 

صفقة القرن التى لا يمكن أن تتم إلا بعزيمة صهيونية وتنفيذ إخوانى قد أفشلتها ثورة الدولة المصرية فى الثلاثين من يونيو، لكن أحلام التوسع الصهيونى لم تتوقف يوما، وليس من المنطق الوطنى أن يعاد تدوير ذلك المخطط وتمدده فى مساحات تصحر الوعى لدى العقل المصرى الجمعى.

عملية الاحتلال الصهيونى المادى لأى مساحة من الأرض لا يمكن أن تنجح إلا إذا كانت مسبوقة بعملية احتلال فكرى لمساحات من العقل والوجدان والضمير.

لا تخن عقلك أو ضميرك واستمع لصوت قلبك، ولا تصم أذنيك عن سماع الحقيقة، ولا تغمض عينيك عن الحق، ولا تمارس ابتزازاً ذاتيا لنفسك ووطنك، فلا يلدغ المصرى من الإخوان مرتين.