مارتينا بينفلد الرئيس التنفيذى لمجلس سياحة زغرب لـ«روزاليوسف»: القاهرة حاضنة التراث الإنسانى..ونرحب بالتعاون السياحى مع مصر
حوار ـ محمد زكريا
بين القاهرة وزغرب تتشابه العواصم وتتلاقى الأهداف والخطط والمساعى، ففى ظل إرادة سياسية ورؤى اقتصادية مشتركة تشهد العلاقات الثنائية بين مصر وكرواتيا مرحلة جديدة من التطور الملموس تنعكس فى حوارات رفيعة المستوى وزيارات عمل مكثفة تضع السياحة فى صدارة أولويات الشراكة المستقبلية، خاصة أن العاصمتين تتمتعان بثراء تاريخى وحضارى فريد، فالقاهرة حاضنة التراث الإنسانى، بينما زغرب جوهرة أوروبا وقلب كرواتيا النابض، الأمر الذى عزز من تقارب فى الرؤى والاستراتيجيات لتعزيز التبادل السياحى وبناء جسور التعاون المستدام.
فى هذا الإطار التقت جريدة «روزاليوسف» الدكتورة مارتينا بينفلد، الرئيس التنفيذى لمجلس سياحة زغرب، لتسلط الضوء على الخطوات العملية لكيفية زيادة الحركة السياحية بين البلدين، وذلك من خلال تشغيل رحلات طيران مباشرة وبرامج سياحية مشتركة، فضلًا عن التطرق لمناقشة العديد من القضايا السياحية المهمة، وإلى تفاصيل الحوار..
■ بداية.. تحولت زغرب إلى وجهة سياحية رائدة على مدار العام.. ما الركائز الأساسية للاستراتيجية التى حققت هذا التحول والتوازن بين جاذبية المدينة للسياح والحفاظ على هويتها ورفاهية سكانها؟
- ترتكز استراتيجيتنا على 4 ركائز: «الجاذبية على مدار العام ـ الاستدامة ـ التجارب الأصيلة ـ الشراكات القوية»، وهدفنا كان الكشف عن طبقات زغرب الثقافية والطبيعية والإبداعية لجماهير مختلفة على مدار العام، كما أن تحقيق التوازن بين السياحة ونوعية الحياة أمر أساسى، فنحن نعمل بشكل وثيق مع المدينة والمجتمعات المحلية والقطاع الخاص لضمان أن تدعم السياحة الحياة الحضرية بدلًا من طغيانها عليها، إذ إن هوية زغرب أحد أهم أصولها، ودورنا حمايتها، مع دعوة الزوار لتجربة المدينة.
■ هناك إمكانات كبيرة لتعزيز الحركة السياحية بين العاصمتين التاريخيتين القاهرة وزغرب.. ما نقاط التشابه والتكامل بين الوجهتين التى يمكن البناء عليها لخلق مسارات سياحية مشتركة أو برامج ترويجية متكاملة؟
- القاهرة وزغرب عاصمتان نابضتان بالثقافة لكل منهما تراثها وإيقاعها الخاص ومعًا تخلقان قصة مزدوجة كوجهة سياحية رائعة، حيث تقدم القاهرة عظمة الحضارة القديمة، بينما تدمج زغرب أناقة وسط أوروبا مع روح إبداعية معاصرة، إلى جانب امتلاكها مومياء خاصة بها وهى مفضلة لدى الزوار فى المتحف الأثرى مكتملة بكتان زغرب الشهير أطول نص إتروسكى محفوظ، لذا فإن هذا المزيج من التباينات والعمق الثقافى المشترك مثالى للمسارات ذات الطابع الواحد والشراكات بين المتاحف وتبادل التجارب والبرامج التعليمية والحملات المشتركة.
■ حدثينا عن الخطوات الضرورية لزيادة عدد السياح الكرواتيين والأوروبيين المسافرين إلى القاهرة والعكس صحيح؟
- إن تعزيز الربط الجوى أمر أساسى، فلا بد من وجود خط طيران مباشر بين القاهرة وزغرب، بالإضافة إلى عمل برامج سفر متكاملة مصممة خصيصًا لكلا السوقين، ونرحب بالتعاون مع القطاع السياحى المصرى وشركات الطيران، ويمكن للشركات السياحية المصرية التعاون مع منظمى الرحلات السياحية والهيئات السياحية الوطنية، ومما لا شك فيه أن هذا التحرك سيكون له تأثير إيجابى ومردود فعال فى زيادة الحركة السياحية بين البلدين.
■ كيف يمكن لسياحة الحوافز والمؤتمرات والمعارض أن تكون محفزًا قويًا للتبادل السياحى بين زغرب والقاهرة؟
- سياحة المؤتمرات تعزز بشكل طبيعى التنقل وتبادل المعرفة والزيارات المتكررة، فكلا المدينتين مركزان إقليميان يتمتعان بقطاعات أكاديمية ودبلوماسية وتجارية قوية، ما يجعلهما منصات مثالية للمؤتمرات والاجتماعات وبرامج الحوافز، ويمكن لهما جذب المنظمين الدوليين الذين يبحثون عن التنوع وسهولة الوصول والإعدادات الحضرية الأصيلة، الأمر الذى يخلق تعاونًا طويل الأمد عبر الصناعات والمجتمعات.
■ فازت زغرب بجائزة الأفضل فى الاستدامة.. ما أكثر الممارسات الملموسة التى تنفذونها لجعل السياحة لديكم أكثر استدامة بيئيًا واجتماعيًا؟
- لطالما واجهتنا الاستدامة فى تطويرنا لسنوات، حتى قبل أن تصبح كلمة رائجة عالميا منذ عام 2019 قمنا بترسيخ جهودنا الترويجية والتطويرية مع مبادئ European Green Deal، ما يضمن أن ينمو نمونا بطريقة مسئولة وموجهة نحو المستقبل، ناهيك عن أن زغرب لا تواجه ضغوطًا فى السياحة الجماعية، ما يسمح لنا بالتركيز على الجودة ورفاهية المجتمع والحفاظ على البيئة، ومبادرتنا الرائدة Green BUZZG تسلط الضوء على الإيقاع الطبيعى للمدينة حدائقها وغاباتها وبحيراتها ونهر سافا وبشكل خاص جبل ميدفيدنيكا رئتينا الحضرية، وتم تأكيد هذا التعايش المتوازن فى زغرب بين الطبيعة والحياة الحضرية من قبل الوكالة الأوروبية للبيئة التى صنفت زغرب فى المركز الثانى بين 37 عاصمة أوروبية من حيث البنية التحتية الخضراء والغطاء الشجرى، لذا نواصل دعم المشاريع التى تقلل الأثر البيئى وتمكن المجتمعات المحلية وتعزز التنقل المستدام، ما يضمن للزوار الاستمتاع بوجهة خضراء يسهل الوصول إليها.
■ بصفتك عضوًا فى اللجنة العالمية لأخلاقيات السياحة التابعة للأمم المتحدة.. كيف تنعكس مبادئ السياحة المسئولة فى السياسات والخطط العملية لمجلس زيارة زغرب؟
- أخلاقيات السياحة ليست مفهومًا مجردًا، إنها ممارسة يومية، فنحن نطبق مبادئ المدونة العالمية لأخلاقيات السياحة من خلال إعطاء الأولوية للشمولية والشفافية وفائدة المجتمع والمسئولية البيئية، ومن خلال البرامج الثقافية المتاحة للجميع ودعم الأعمال المحلية الصغيرة والحرفيين نستهدف توزيع القيمة السياحية بشكل عادل فى جميع أنحاء المدينة، ويتم تقييم كل مشروع ننفذه من خلال عدسة المسئولية تجاه السكان والزوار والتراث الذى نحافظ عليه للأجيال القادمة.
■ ما الدروس المستفادة من التحديات التى واجهت السياحة العالمية خلال السنوات الأخيرة؟
- أهم درس هو أن المرونة تأتى من التنويع والقدرة على التكيف، خاصة أن قوة زغرب تكمن فى تنوع عروضها الثقافية والسياحة العلاجية والأنشطة الخارجية بالإضافة إلى هوية قوية فى سياحة المؤتمرات والسياحة الحضرية القصيرة.
■ فازت زغرب بجوائز عالمية مرموقة مثل أفضل سوق كريسماس أوروبى.. إلى أى درجة ساهمت هذه الجوائز فى صعود المدينة على الخريطة السياحية؟
- تلعب الجوائز دورًا حاسمًا، فهى تضخم الظهور وتبنى الثقة وتثير الفضول، وأصبح Advent Zagreb نقطة تحول لأنه ليس عرضًا فقط، بل حدث فريد وأجواء حضرية مميزة أحدثت صدى عالميًا، وللحفاظ على الزخم نحاول كل عام تقديم بعض المفاهيم الجديدة والتعاونات الفنية ورفع الجودة العامة الابتكار والأصالة ومشاركة المجتمع تحافظ على نضارة ومدلول فعالياتنا ما يضمن تحويل التكريم إلى جاذبية طويلة الأمد بدلا من كونه مجرد ضوء مؤقت.
■ زغرب اكتسبت اعترافًا دوليًا كواحدة من الوجهات السياحية الرائدة فى أوروبا.. هل يمكنك تسليط الضوء على العوامل التى تعزز هذا الوضع والنموذج المميز الذى تقدمه المدينة لزوارها؟
- تكمن جاذبية زغرب فى نطاقها البشرى وثرائها الثقافى ومحيطها الأخضر، كل ذلك مغلف بهوية حضرية دافئة وعريقة، ونموذجنا السياحى يعطى الأولوية للجودة والتوازن والاستدامة على الحجم، وفى العام الماضى سجلنا 2.7 مليون ليلة مبيت مع نتائج تتجاوز باستمرار العام السابق، وبجانب الأرقام هناك مؤشراتنا الرئيسية ومنها رضا السكان وتواجد السياحة على مدار العام وكلها عوامل حاسمة للمنافسة طويلة الأمد.
■ بصفتك المديرة التنفيذية.. ما التحدى الأكثر أهمية الذى واجهك وكيف تغلبت عليه؟
- جاء التحدى الأكثر أهمية فى منتصف جائحة كوفيد 19 وكان بمثابة زلزال ضرب زغرب فى تلك اللحظة بدت المدينة وكأنها مشهد من فيلم عالمى ضخم شوارع فارغة واليأس والإحباط هيمن فى كل مكان، كانت لحظة عصيبة واجهتها بالحفاظ على الهدوء على الرغم من أن كل شىء حولك يبدو هشًا.
ومع ذلك كانت هذه أيضًا اللحظة التى كشفت فيها السياحة عن وجهها الأكثر مرونة وزملائى فعلوا ذلك أيضا ببساطة ورفضنا الاستسلام، وجمعنا قوانا وركزنا على ما يمكننا فعله، عبر تسريع منصاتنا الرقمية وصنع حلول مبتكرة والحفاظ على الاتصال مع جمهورنا ودعم شركائنا عبر القطاع، وأصبحت تلك الأشهر تذكيرًا قويًا بأن المرونة ليست مجرد مفهوم إنها القدرة على التكيف والعمل الجماعى وتحويل الأزمة إلى أساس لقوة مستقبلية، لتظهر حينها زغرب أكثر ترابطًا وأكثر ابتكارًا ووعيًا بقدرتها على التعافى.
■ السياحة الثقافية والطبية.. أى منهما أكثر جاذبية؟
- بالنسبة للزوار المصريين، تقدم زغرب جاذبية قوية فى السياحة الثقافية والسياحة الصحية وتجارب قائمة على الطبيعة ضمن إطار حضرى مدمج، أما بالنسبة للمسافرين الكرواتيين والأوروبيين تكمن نقاط قوة مصر فى سياحة التراث والسفر التعليمى وتجارب المنتجعات.
■ كيف ترين دور التقنيات الذكية ومفهوم المدينة الذكية فى تشكيل التجربة السياحية بالمستقبل القريب؟
- تسمح لنا التقنيات الذكية بتعزيز التجارب مع إدارة المدينة بشكل أكثر استدامة، وكجزء من مجموعة عمل زغرب الذكية نقوم بدمج حلول تعمل على تحسين التنقل والحركة وسهولة الوصول والمعلومات فى الوقت الفعلى للزوار، ويتيح التفسير الثقافى التفاعلى من خلال مفاهيم الواقع المعزز ومنصات البيانات المختلفة سفرُا سلسًا وبديهيًا يشكل التجربة السياحية بطريقة ذات معنى وعالية الجودة.
■ التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعى تعيد تشكيل صناعة السياحة وإدارة الوجهات.. ما رأيك؟
- من المؤكد أن الذكاء الاصطناعى يحول الطريقة التى تتواصل بها الوجهات وتعمل وتتفاعل مع الزوار، ففى مجلس زيارة زغرب نتابع التطورات التكنولوجية بنشاط ونستكشف كيف يمكن للأدوات الرقمية المبتكرة تعزيز تجربة الزوار ودعم إدارة الوجهات المستدامة، لذا فإنه فى عام 2020 أصبحنا أول من فى كرواتيا يقدم الواقع المعزز من خلال عدة مشاريع، ما أثرى تفاعل الزوار مع المعالم الثقافية والتاريخية فى زغرب، وفى الأونة الأخيرة يدمج مشروعنا المخصص لجبل ميدفيدنيكا عناصر الذكاء الاصطناعى التى تحلل المسارات والأنشطة المختارة والظروف الجوية وتفضيلات المستخدم لاقتراح أفضل المسارات والتجارب.
ونحن نطور حاليًا تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى فعالياتنا الكبرى، مثل: مهرجان أضواء زغرب وزغرب كلاسيك لتحسين التنظيم العام ومشاركة الزوار والاتصال بشكل أكبر، وأعتقد أن التكنولوجيا يجب أن تُكمل لا أن تحل محل النهج الشخصى والأصيل الذى يعطى ضيافة زغرب هويتها والرابط الحقيقى الذى يقدره زوارنا أكثر من أى شىء.
■ أخيرًا.. رسالتك إلى صانعى القرار والعاملين بالقطاع السياحى فى قطاع السياحة عالميًا؟
- أقول إن مستقبل السياحة يعتمد على المسئولية والتعاون والالتزام المشترك، بالجودة يجب أن نصمم وجهات، حيث إن الثقافة والمجتمع والطبيعة ليست موارد يتم استهلاكها، لكن أصول يجب حمايتها، والسياحة المرنة تبنى على القيمة والأصالة والشمولية والابتكار، وإذا استثمرنا فى الناس والإبداع والاستدامة فإن وجهاتنا لن تنمو فحسب بل ستزدهر، ما يقدم تجارب ذات معنى اليوم ويحفظها للأجيال المقبلة.






