الدبلوماسية المصرية.. 200 عام من استقلال القرار الوطنى وحماية السيادة
محمد سعيد هاشم ونهى عابدين
«تمهيد الأرض لمتخذ القرار لعبور أصعب مراحل التفاوض، وصياغة مواقف دبلوماسية تتسق مع مصالح الدولة العليا، وبناء جسور اتصال مع مختلف الأطراف بما يتيح مرونة الحركة فى لحظات تبدو فيها التفاهمات مستحيلة».. تلك هى بعض العناوين الكبرى التى تلخص جوهر المدرسة الدبلوماسية المصرية التى نحتفى بتاريخها الممتد على صفحات «روزاليوسف». فالدبلوماسية المصرية لم تكن يومًا مجرد أداة تمثيل خارجى، بل كانت على الدوام أحد أعمدة حماية الدولة وصياغة توازناتها الإقليمية والدولية.
لا يكتمل الحديث عن عيد الدبلوماسية المصرية دون العودة إلى الجذور التاريخية العميقة التى تمتد إلى قرنين مضيا، حين اتخذ محمد على باشا عام 1826 خطوة مفصلية بتأسيس «ديوان الأمور الإفرنجية»، وهو الكيان الذى شكّل النواة الأولى لوزارة الخارجية المصرية الحديثة، وقد مثل هذا الديوان نقلة نوعية فى إدارة علاقات الدولة مع القوى الدولية، إذ لم يعد التعامل مع الأجانب محصورًا فى الجوانب التجارية أو القنصلية، بل أصبح ملفًا سياسيًا تديره مؤسسة مركزية متخصصة، واليوم، وبعد مرور مائتى عام على تلك الخطوة، تبدو الدبلوماسية المصرية واحدة من أقدم المدارس الدبلوماسية وأكثرها خبرة فى العالم.
فى الخامس عشر من مارس كل عام، تحيى مصر يوم الدبلوماسية، وهو تاريخ يحمل دلالة سياسية عميقة؛ إذ يعود إلى عام 1922 عندما استعادت مصر حقها فى إدارة شئونها الخارجية عقب صدور تصريح 28 فبراير وإنهاء الحماية البريطانية رسميًا. ومع ذلك التحول التاريخى، أُعيد العمل بمنصب وزير الخارجية، ليتولى عبدالخالق ثروت باشا قيادة الوزارة فى مرحلة تأسيسية جديدة، بدأت خلالها مصر فى بناء شبكة علاقاتها الدولية بوصفها دولة ذات سيادة كاملة.
ومنذ ذلك التاريخ، تحولت وزارة الخارجية إلى أحد أبرز أدوات الدولة المصرية فى الدفاع عن مصالحها وحماية أمنها القومى عبر أدوات التفاوض والقانون الدولي. ولم يكن طريق الدبلوماسية المصرية مفروشًا بالورود، بل كان مليئًا بالتحديات والاختبارات الكبرى التى فرضت على الدبلوماسى المصرى أن يجمع بين الحنكة السياسية والصلابة الوطنية.
ففى معركة الجلاء عام 1954، خاض المفاوض المصرى مفاوضات شاقة مع بريطانيا لإنهاء الوجود العسكرى البريطانى فى منطقة قناة السويس، وهو ما انتهى بتوقيع اتفاقية الجلاء ورحيل آخر جندى بريطانى عن الأراضى المصرية. أما فى أزمة تأميم قناة السويس عام 1956 والعدوان الثلاثى، فقد نجحت الدبلوماسية المصرية فى حشد التأييد الدولى عبر الأمم المتحدة والرأى العام العالمى، لتحويل الأزمة إلى انتصار سياسى أجبر القوى المعتدية على الانسحاب.
وعقب نكسة 1967، واجهت الخارجية المصرية واحدة من أصعب مراحلها، حيث عملت على إعادة بناء صورة مصر الدولية، وإقناع المجتمع الدولى بعدالة قضيتها فى استعادة الأراضى المحتلة، وهى الجهود التى مهدت لصدور القرار 242 عن مجلس الأمن، والذى أصبح لاحقًا مرجعًا قانونيًا أساسيًا فى عملية استعادة الأرض.
من أبرز المحطات الفارقة فى تاريخ الدبلوماسية المصرية كذلك معركة طابا القانونية بين عامى 1982 و1989، التى تعد واحدة من أهم المعارك القانونية فى التاريخ الحديث. فقد خاضت مصر معركة تحكيم دولى دقيقة استندت فيها إلى وثائق وخرائط تاريخية لإثبات حقها الكامل فى أرض طابا، لتنتهى القضية بانتصار دبلوماسى وقانونى أكد سيادة مصر على كامل أراضيها.
ومع مطلع الألفية الجديدة، انتقلت الدبلوماسية المصرية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، اتسمت بإدارة التوازنات الجيوسياسية فى منطقة تعج بالأزمات. ولم يعد دور الدبلوماسى المصرى مقتصرًا على التمثيل الرسمى، بل أصبح شريكًا فى صياغة منظومة الأمن الإقليمى وتعزيز فرص التنمية الدولية.
شهدت السنوات الأخيرة تحركًا دبلوماسيًا مكثفًا لإعادة بناء الحضور المصرى فى القارة الإفريقية، حيث نجحت القاهرة فى استعادة دورها داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقى، وتوجت تلك الجهود بتولى مصر رئاسة الاتحاد عام 2019. كما لعبت الدبلوماسية المصرية دورًا مهمًا فى دفع اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، بما يعزز التكامل الاقتصادى بين دول القارة.
فى ملف مياه النيل وسد النهضة، خاضت مصر معركة دبلوماسية معقدة سعت من خلالها إلى حماية حقوقها التاريخية فى مياه النيل عبر التفاوض وتدويل القضية فى المحافل الدولية، مع التأكيد فى الوقت ذاته على دعم جهود التنمية فى دول الحوض بما لا يضر بالمصالح المصرية.
وعلى صعيد الأزمات الإقليمية، تبنت القاهرة رؤية تقوم على دعم مفهوم الدولة الوطنية ومنع انهيار مؤسسات الدول. وقد تجلى ذلك فى الملف الليبى، حيث لعبت مصر دورًا محوريًا فى تثبيت وقف إطلاق النار ودعم المسار السياسى، إلى جانب جهودها المستمرة فى التعامل مع الأزمة السودانية وفتح قنوات للحوار الإقليمى.
أما القضية الفلسطينية، فقد ظلت أحد الملفات المركزية للدبلوماسية المصرية، إذ لعبت القاهرة دور الوسيط الرئيسى فى جهود التهدئة بين الفلسطينيين وإسرائيل، كما قادت تحركات دبلوماسية واسعة لرفض أى مخططات لتهجير سكان قطاع غزة، والعمل على دعم جهود إعادة الإعمار والحفاظ على خيار حل الدولتين باعتباره المسار الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار فى المنطقة.
فى إطار سياسة تنويع الشراكات الدولية، اتجهت مصر خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع علاقاتها مع القوى الصاعدة فى النظام الدولى، وكان من أبرز هذه الخطوات انضمامها إلى تجمع «بريكس»، بما يعكس نجاح الدبلوماسية المصرية فى تعزيز موقع الدولة داخل النظام الاقتصادى العالمى الجديد. كما لعبت مصر دورًا بارزًا فى قضايا المناخ والتنمية المستدامة، خاصة خلال استضافتها مؤتمر المناخ «COP27» فى شرم الشيخ، حيث قادت صوت الدول النامية للمطالبة بإنشاء صندوق «الخسائر والأضرار» لدعم الدول الأكثر تضررًا من تغير المناخ.
كما شهدت وزارة الخارجية تطورًا ملحوظًا فى أدوات عملها، من خلال تعزيز مفهوم «دبلوماسية المواطن» لحماية مصالح المصريين فى الخارج، وتحديث الخدمات القنصلية عبر التحول الرقمى بما يسهم فى سرعة الاستجابة للأزمات وتسهيل التواصل مع المواطنين.
وتتميز المدرسة الدبلوماسية المصرية بأنها متوازنة تجمع بين الهدوء فى الأداء والحسم فى الدفاع عن المصالح الوطنية وفى هذا السياق، أكد السفير محمد العرابى، وزير الخارجية الأسبق، أن يوم الدبلوماسية المصرية يمثل مناسبة للاعتزاز بتاريخ طويل من العمل الوطنى، مشيرًا إلى أن الدبلوماسية المصرية كانت دائمًا خط الدفاع الأول عن الدولة، من خلال تحركاتها الخارجية لحماية الأمن القومى وتعزيز المصالح المصرية فى مختلف المحافل الدولية. وأضاف أن الأجيال المتعاقبة من الدبلوماسيين حملت الراية جيلاً بعد جيل، ما أسهم فى ترسيخ مدرسة دبلوماسية عريقة تقوم على الخبرة والتراكم المهني.
من جانبه، أكد السفير نبيل فهمى، وزير الخارجية الأسبق، أن تاريخ الدبلوماسية المصرية يعكس مكانة الدولة وثقلها على الساحة الدولية، موضحًا أن وزارة الخارجية لعبت دورًا محوريًا فى حماية المصالح الوطنية وتعزيز الحضور المصرى فى مختلف القضايا الإقليمية والدولية. وأضاف أن الدبلوماسية المصرية ستظل أحد الأعمدة الرئيسية لاستقرار المنطقة، مستندة إلى تاريخ طويل من التوازن والقدرة على إدارة العلاقات الدولية بحكمة ومسئولية. وهكذا، وبعد مرور قرنين على تأسيس أول نواة للعمل الدبلوماسى المصرى، تواصل وزارة الخارجية أداء دورها كأحد أهم أدوات الدولة فى الدفاع عن السيادة الوطنية وصياغة علاقات مصر مع العالم، مؤكدة أن «فن الممكن» الذى قامت عليه الدبلوماسية سيظل ركيزة أساسية لحماية مصالح الوطن وترسيخ مكانته فى عالم سريع التغير.
أكد السفير جمال بيومى مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن هذا التاريخ يعنى الكثير لمصر ونقطة فاصلة تشير إلى الاستقلال المصرى فى إدارة شئونها وعلاقاتها الخارجية، بعدما سيطر عليها البريطانيون فى الماضى، وفى هذا التاريخ تمكنت مصر من نيل حقها فى التمثيل الخارجى الدولى وتعيين أبنائها كسفراء فى شتى أنحاء العالم، وهذا ما يخص العصر الحديث.. وأشار مساعد وزير الخارجية الأسبق أن الدبلوماسية المصرية نشأت منذ 1300 سنة قبل الميلاد، عندما قام الجيش المصرى بتحرير مدينة اللاذقية فى الشمال السورى من غزو الهكسوس، ووقع آنذاك الملك المصرى رمسيس الثانى أول معاهدة سلام فى التاريخ التى سميت معاهدة «قادش».










