«قارئ الأوليــاء».. الشيخ عبدالعاطى ناصف
نتحدث اليوم عن أحد أعلام دولة التلاوة فى مصر، وركنٍ من أركان مدرسة التلاوة المصرية، وهو فضيلة القارئ الشيخ عبدالعاطى ناصف رضى الله عنه, وتحضرنى فى هذا المقام ذكريات شخصية مع فضيلة الشيخ، بدأت منذ سنواتى الأولى فى جامعة الأزهر الشريف مطلع تسعينيات القرن الماضى، وامتدت بعد تخرجى فى الجامعة أثناء عملى بجريدة صوت الأزهر.
كانت تلك العلاقة من خلال حضورى، على فترات متباعدة، إلى مقرأة مسجد مولانا الإمام الحسين رضى الله عنه بالقاهرة، والتى كانت تقام يوميًا بعد صلاة الفجر, وكان فضيلة الشيخ عبد العاطى ناصف يحضرها بنفسه، فيصحح تلاوة الحاضرين، ويلاطف بعضهم بكلمات طيبة تعكس تواضعه الجم وأدبه الرفيع, وقد عُرف الشيخ رحمه الله بتواضعه الشديد مع الناس، وحرصه الكبير على تعليم كتاب الله لكل من يقصده.
النشأة والبدايات
وُلد الشيخ عبد العاطى ناصف بحارة سيدى العريان المتفرعة من شارع وسط البلد بمركز ومدينة شبين القناطر بمحافظة القليوبية فى 13 يناير عام 1933م, وفى عام 1944 تُوفى والده، فتولى جده رعايته والاهتمام بتعليمه وتحفيظه القرآن الكريم.
وذات مرة استمع إليه ناظر المدرسة، الأستاذ عبد الخالق، وهو يقرأ قول الله تعالى: «والسماء والطارق»، فأُعجب بصوته وأدائه، وطلب مقابلة ولى أمره، مؤكدًا ضرورة مواصلة الطالب عبد العاطى حفظ القرآن الكريم ورعايته.
حفظ القرآن وبداية الشهرة
أتم الشيخ عبد العاطى ناصف حفظ القرآن الكريم وتعلم أحكام التجويد قبل أن يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، ثم تلقى علم القراءات على يد الشيخ على أبو أحمد بقرية الأحراز دون مقابل، إعجابًا بموهبته وقدرته الفائقة على التلاوة.
وفى إحدى المناسبات، ذهب مع جده لأداء واجب العزاء فى أحد أهالى شبين القناطر، فقرأ القرآن هناك فأسَر القلوب بصوته الخاشع, وخلال وجوده بالمسجد الكبير لأداء صلاة الجمعة، طُلب منه قراءة قرآن الجمعة، فأُعجب به الدكتورهلال عبد الوهاب مدير مستشفى القناطر آنذاك، وطلب منه قراءة القرآن فى منزله طوال شهر رمضان.
ومع مرور الوقت، ذاعت شهرة الشيخ فى مختلف محافظات مصر، حتى تم اعتماده قارئًا للقرآن الكريم بالإذاعة المصرية فى 9 أبريل عام 1969، حيث سجل لها العديد من التلاوات التى ما زالت تُبث حتى اليوم.
الحياة الأسرية
قبل أن يتم عامه الخامس والعشرين، تزوج الشيخ عبد العاطى ناصف، ورزقه الله عددًا من الأبناء، هم: عبد الخالق، حسن، أحمد، حسين، مصطفى، زينب، هدى، وفاطمة, وقد سار نجله حسين على دربه فى تلاوة القرآن الكريم بعد حصوله على بكالوريوس التجارة، وانضم إلى نقابة القراء، وقرأ القرآن فى مستهل برنامج «العلم والإيمان» الذى كان يقدمه بالتليفزيون الدكتور مرزوق هلال، وذلك منذ عام 1979 وحتى منتصف تسعينيات القرن الماضى.
وفى عام 1988 فاز حسين بالمركز الأول فى مسابقة حفظ القرآن الكريم، وقرأ فى احتفال ليلة القدر، حيث كرّمه الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك بأداء فريضة الحج، كما اختير قارئًا لبعثة الأوقاف، وقرأ كذلك فى احتفالات رسمية عدة، منها احتفال المولد النبوى الشريف، واحتفال يوم الدعاة، إضافة إلى احتفال ليلة الإسراء والمعراج عام 1999 بدعوة من رئاسة الجمهورية.
ميله إلى التصوف
بعد وفاة نجله حسن عام 1982 أثناء دراسته بالفرقة الثالثة بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، اتجه الشيخ عبد العاطى ناصف إلى طريق التصوف، واشتهر بحبه الشديد لأولياء الله الصالحين, وكان كثير التردد على مساجدهم ومقاماتهم، مثل مساجد السيدة زينب والسيدة نفيسة والإمام الحسين والإمام الشافعى رضى الله عنهم جميعًا, واستقر الشيخ لفترة طويلة فى مسجد سيدى الشبراوى، وكان لا يغادره إلا مرتين فى الشهر لزيارة أسرته، واستمر على هذه الحال حتى عام 2012.
فى رحاب الأزهر والإذاعة
عُيّن الشيخ عبد العاطى ناصف قارئًا للسورة بالجامع الأزهر الشريف، مزاملةً للقارئ الشيخ محمد محمود الطبلاوى، حيث كانا يتبادلان التلاوة أسبوعيًا داخل المسجد. ويروى أنه فى إحدى المرات، وأثناء الإذاعة الخارجية لشعائر صلاة الفجر، لم يحضر المبتهل المكلف، فاضطر الشيخ عبد العاطى ناصف إلى القيام بدور المبتهل والقارئ معًا، فى موقف يعكس سعة خبرته وتمكنه الكبير, وظل الشيخ حاضرًا بقوة فى تلاوات قرآن الفجر والجمعة عبر الإذاعة والتليفزيون المصرى، وكان من أكثر القراء التزامًا بالحضور والأداء رغم تقدمه فى السن.
رحيله وفى الثامن من يونيو عام 2014، رحل الشيخ عبد العاطى ناصف إلى رحمة الله تعالى عن عمر ناهز الثمانين عامًا، بعد حياة حافلة بالعطاء فى خدمة القرآن الكريم، تاركًا وراءه مدرسة فى التلاوة وسيرة طيبة فى قلوب محبيه المصريين.






