الموازنة الجديدة
رهان على التوازن بين الانضباط المالى والحماية الاجتماعية
إسلام عبد الرسول
فى ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تواصل الدولة إعادة صياغة سياستها المالية بما يحقق معادلة دقيقة بين الحفاظ على الاستقرار الاقتصادى وتعزيز مظلة الحماية الاجتماعية، وهو ما تعكسه ملامح مشروع موازنة العام المالى 2026/2027 التى تستهدف تحقيق نمو مستدام دون تحميل المواطنين أعباء إضافية.
وتكشف التوجهات الجديدة، عن تبنى سياسة مالية متوازنة تراعى تحفيز النشاط الاقتصادى من جهة، والحفاظ على الانضباط المالى من جهة أخرى، حيث تستهدف الحكومة تحقيق معدل نمو يصل إلى 5.4%، بالتوازى مع العمل على احتواء الضغوط التضخمية، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لضرورة الحفاظ على استقرار الأسعار كإحدى أهم أدوات الحماية الاجتماعية غير المباشرة.
كما تستهدف الموازنة تحقيق فائض أولى ضخم يصل إلى 1.2تريليون جنيه بقيمة 4% من الناتج المحلى فى خطوة تعكس استمرار الالتزام بخفض الدين العام وتحسين مؤشرات الاستدامة المالية، خاصة فى ظل ارتفاع تكلفة خدمة الدين عالميًا.
الحماية الاجتماعية
وشدد الرئيس عبدالفتاح السيسى فى لقائه مع الحكومة لمناقشة مستهدفات الموازنة الجديدة على دعم جهود الدولة للحماية الاجتماعية أولويات الإنفاق العام، حيث تسعى الحكومة إلى توسيع نطاق الدعم الموجه للفئات الأكثر احتياجًا، ليس فقط من خلال برامج الدعم النقدى، ولكن أيضًا عبر تحسين جودة الخدمات الأساسية.
قال المُتحدث الرسمى باِسم رئاسة الجمهورية: إن الاجتماع استعرض أولويات ومحددات السياسة المالية على المدى القصير والمتوسط لموازنة العام المالى 2027/2026، التى تشمل إقامة شراكة جديدة مع مجتمع الأعمال لتعزيز الثقة وتحسين الخدمات ووضوح الرؤية، وتطبيق التسهيلات الضريبية والجمركية المستهدفة، وتوسيع القاعدة الضريبية من خلال زيادة الامتثال الضريبى وبدون خلق أعباء إضافية جديدة مؤثرة على المواطنين أو مجتمع الأعمال.
وأشار وزير المالية أحمد كوجك، إلى أن أولويات ومحددات السياسة المالية تشمل أيضا تطبيق سياسة مالية متوازنة بين دفع النمو وتنافسية الاقتصاد المصرى والحفاظ على الانضباط المالى، وتستهدف الوصول إلى معدل نمو يبلغ 5،4٪، واستقرار التضخم وتخصيص 90 مليار جنيه لبرامج مساندة النشاط الاقتصادى والمرتبطة بتحقيق نتائج ملموسة، واستمرار المساندة المالية للطاقة، وتحقيق فائض أولى بقيمة 1،2 تريليون جنيه.
وأضاف وزير المالية، أنه سيكون هناك تحسن كبير لكل مؤشرات خدمة الدين مع استمرار خفض نسبة الدين مقابل الناتج القومى، مضيفًا أن أولويات ومحددات السياسة المالية تشمل كذلك تحقيق زيادات مؤثرة فى موازنات الصحة والتعليم، وفى أجور المعلمين، وزيادة حقيقية فى أجور العاملين بالدولة ترتبط بجدارة الأداء وتفوق وتزيد عن معدلات التضخم.
وقالت مصادر مسئولة لـ«روزاليوسف»، إن مخصصات الأجور ستشهد نموا غير مسبوق إذ ستتجاوز 750مليار جنيه، فيما سيصل حجم الإنفاق العام إلى 5 تريليونات جنيه للمرة الأولى، فيما يتوقع زيادة الإيرادات العامة إلى 4 تريليونات جنيه مقابل 3.1 تريليون جنيه مدعومة بتوقعات نمو الإيرادات الضريبية دون أعباء إضافية، مشيرة إلى أنه من المتوقع أن يتباطأ نمو الإنفاق مع مضى الحكومة قدما فى تطبيق إجراءات التقشف وخفض دعم الطاقة مع وضع سقف للإنفاق على الاستثمارات والضمانات الحكومية وسقف للاقتراض.
تبحث الحكومة زيادة جديدة فى الحد الأدنى للأجور بما يتراوح بين 8 و10 آلاف جنيه شهريا مع وضع حد أدنى للقطاع الخاص بقيمة 8 آلاف جنيه لمراعاة ظروف الشركات وذلك وفقا للمصادر، مؤكدة أن الموازنة سيتم إحالتها فى صورتها النهائية لمجلس النواب فى موعدها الدستورى الأسبوع المقبل.
وتتضمن الموازنة زيادة مخصصات قطاعى الصحة والتعليم بشكل ملحوظ، بما يعزز الاستثمار فى رأس المال البشرى، كما سيتم رفع أجور المعلمين فى إطار خطة شاملة لتحسين جودة العملية التعليمية.
90 مليار جنيه لدعم النشاط الاقتصادى
وبتوجيه رئاسى، خصصت الحكومة نحو 90 مليار جنيه لبرامج دعم النشاط الاقتصادى، على أن تكون هذه البرامج مرتبطة بتحقيق نتائج ملموسة، وهو ما يشير إلى توجه جديد نحو كفاءة الإنفاق العام وربطه بالعائد الاقتصادى، وتشمل دعم القطاعات الإنتاجية وتحفيز الصناعة والتصدير وتشجيع الاستثمار الخاص مع مساندة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، حيث يُتوقع أن تسهم هذه الحزمة فى خلق فرص عمل جديدة، بما يعزز من شبكات الحماية الاجتماعية بصورة غير مباشرة عبر التشغيل.
توسيع القاعدة الضريبية
وأوضحت المصادر، أن أحد أبرز ملامح الموازنة هو التوسع فى القاعدة الضريبية من خلال رفع كفاءة التحصيل وزيادة الامتثال، دون فرض ضرائب جديدة، إذ يعكس هذا التوجه محاولة تحقيق معادلة صعبة بين زيادة الإيرادات وتخفيف الضغوط على المواطنين ومجتمع الأعمال.
وأوضح السفير محمد الشناوى، المُتحدث الرسمى، أن الاجتماع تناول كذلك المُعدلات المُستهدفة للنمو والفائض الأولى والمصروفات الأولية والإيرادات بأنواعها المُختلفة، وكذا جهود الحكومة لتحقيق التوازن المالى، بما يُسهم فى تحسين أداء الاقتصاد الوطنى، لاسيما فى ضوء التحديات الإقليمية الُمتزايدة بما لها من تداعيات اقتصادية.
وكلف الرئيس السيسى الحكومة بوضع مقترحات زيادة الأجور، وأهم السياسات المستهدفة بشأن خفض دين أجهزة الموازنة وخفض فاتورة الدين، بالإضافة إلى أهم السياسات والإجراءات المستهدفة والتى تشمل تحقيق معدلات نمو مرتفعة، ودعم القطاع الخاص، والاعتماد على الصادرات السلعية والخدمية كمحرك أساسى للنمو، والعمل على زيادة الإنتاجية والتوسع فى الإنفاق على البحث والتطوير وتحفيز الاستثمار الخاص.
وأكد وزير المالية، أن نتائج أول 8 أشهر من العام كانت إيجابية مدعومة بزيادة إيرادات الضرائب 31% دون أعباء فعلية على المواطنين، لافتًا لمواصلة الحكومة على تطبيق التسهيلات الضريبية والجمركية والعقارية، بما يسهم فى تحسين بيئة الاستثمار وتعزيز الثقة بين الدولة والقطاع الخاص.
خفض الدين.. أولوية مستمرة
وتضع الحكومة ملف الدين العام على رأس أولوياتها، حيث تستهدف خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلى الإجمالى وتقليل فاتورة خدمة الدين وتحسين هيكل الدين وإطالة آجاله.
وترتكز الموازنة الجديدة على فكر يمثل تحولًا واضحًا نحو تعزيز دور القطاع الخاص باعتباره المحرك الرئيسى للنمو الاقتصادى، مع التركيز على زيادة مساهمة الصادرات السلعية والخدمية ودعم التصنيع المحلى والصادرات.
وقال “كوجك”: إن مصر لديها فرص تصدير ضخمة فى صناعة التعهيد والصادرات الزراعية والصناعية وهو ما يتماشى مع رؤية الدولة للتحول إلى اقتصاد أكثر تنافسية وقدرة على التكيف مع المتغيرات العالمية.
الإصلاح مستمر
ووجه الرئيس عبدالفتاح السيسى الحكومة نحو استمرار الإصلاح الاقتصادى وضبط كل المؤشرات إلا أن الحكومة تراهن على الإصلاحات الهيكلية والاستمرار فى ضبط الإنفاق كوسيلة لعبور هذه المرحلة.
وتعكس موازنة 2026/2027 محاولة جادة لإعادة التوازن بين متطلبات الاستقرار المالى واحتياجات الحماية الاجتماعية، من خلال مزيج من السياسات التى تستهدف دعم النمو، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وتعزيز دور القطاع الخاص.
وعلى الرغم من الظروف الراهنة التى تؤثر على الاقتصاد العالمى إلا أن الحكومة تضع المواطنين تحت مظلتها وتحسين الأجور، حيث كشفت بيانات حصلت عليها “روز اليوسف” لارتفاع تكلفة دعم البترول لتصل إلى 46مليار جنيه رغم الزيادات الأخيرة للحفاظ على دعم السولار والبوتاجاز، كما تحملت الموازنة 44مليار جنيه دعما للكهرباء مقابل صفر لعدم زيادة الأسعار على المواطنين منذ سبتمير 2024، وتحمل فارق التكلفة لدعم المواطنين، وقفز إجمالى دعم السلع التموينية إلى 70 مليار جنيه فى 6 أشهر نتيجة التوسع فى صرف السلع للمواطنين بأسعار مدعمة.
وقالت مصادر مسئولة لـ«روزاليوسف»، إن دعم الخبز مستمر ولا مساس به رغم ارتفاع تكلفة الإنتاج وتوقعات ارتفاع أسعار وتكلفة شحن القمح المستورد، بالإضافة الى التوسع فى صرف السلع التموينية.
زيادة كبيرة لبرنامج تكافل وكرامة
وتستهدف الحكومة تحديد زيادة ضخمة فى مخصصات برنامجى «تكافل وكرامة» و«الضمان الاجتماعى»، والمبادرات الخاصة بالرائدات الريفيات، ومعاش الطفل، والعديد من المبادرات الأخرى التى تسهم فى تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين من خلال العديد من القطاعات
بدء المرحلة الثانية لـ«حياة كريمة»
وتتضمن الموازنة مخصصات لبدء المرحلة الثانية من برنامج حياة كريمة وتوفير مخصصات لها مع زيادة عدد الخاضعين لمنظومة التأمين الصحى الشامل وتحمل تكلفة غير القادرين.






