السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
مركز التوازن فى الإقليم

مركز التوازن فى الإقليم

التاريخ المصرى القديم والحديث، يكشف أن مصر كانت دائمًا دولة ذات وزن استراتيجى بالغ الأهمية فى محيطها الإقليمى والدولي، وهو ما جعلها محل اهتمام متواصل عبر مختلف العصور، بدءًا من الحضارات القديمة وصولًا إلى العصر الحديث.



استقرار الدولة المصرية وتعاظم قوة مؤسساتها، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية «الجيش والشرطة»، يرتبط عادةً بزيادة حضورها وتأثيرها فى محيطها العربى والإسلامى والإفريقى والإقليمي، وتتحول دولتنا إلى أحد أهم مراكز التوازن والاستقرار فى المنطقة.

مصر دائما بكل صغيرة وكبيرة تحدث فيها، محل دراسة ضوء لأكبر مراكز الأبحاث الاستراتيجية الأوروبية فى السنوات الأخيرة، ويتضح من ذلك تنامٍ فى إدراك أهمية مصر باعتبارها ركيزة أساسية للاستقرار فى شرق المتوسط، وشريكًا محوريًا فى ملفات الأمن الإقليمى والهجرة والطاقة.

هذا التوجه يعكس تصورًا متزايدًا لدورنا  باعتبارنا إحدى الدول التى لا يمكن تجاوزها فى أى صياغة مستقبلية للنظام الإقليمى والدولي.

 معلوماتى المؤثقة تؤكد أن الأعوام الأخيرة، وتحديدًا ما بين 2024 و2026، شهدت النظرة الأوروبية تجاه مصر تحولًا نوعيًا يتجاوز حدود الاهتمام التقليدى إلى إدراك أعمق لدورها ركيزة من ركائز الاستقرار الإقليمي. 

القاهرة لم تعد تُقرأ فى الخطاب الأوروبى كفاعل إقليمى عادي، بل كـ«نقطة ارتكاز جيوسياسية» تتقاطع عندها اعتبارات أمن المتوسط، وضبط تدفقات الهجرة، وتوازنات الطاقة، وامتدادات النفوذ بين إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب أوروبا. 

ولذلك تتبلور قناعة متزايدة داخل دوائر صنع القرار والتحليل فى أوروبا بأن استقرار مصر لم يعد شأنًا منفصلًا عن أمن القارة نفسها، بل جزء من معادلة الاستقرار الأوروبى الأوسع. 

الخطاب الأوروبى فى هذا التوقيت اتجه تدريجيًا نحو إعادة تعريف العلاقة مع القاهرة باعتبارها شراكة استراتيجية طويلة المدى، تقوم على إدراك عملى لدور الدولة المصرية بوصفها عنصر توازن فى محيط إقليمى شديد الاضطراب، وأيضا كقوة قادرة على إدارة الأزمات ومنع تمددها نحو الشمال، وهذه القناعات من قلب الداخل الأوروبى لم تأت من فراغ، وإنما جاءت بعد تحركات القيادة السياسية التى أدركت منذ تولى المسئولية بداية 2014، أهمية التحرك على كل المستويات، فى المحيط العربى، وفى العمق الإفريقى الذى فقدنا التواصل معه لمدة طويلة بعد حادثة أديس أبابا الشهيرة، وللأسف انتهزت القوى المعادية لنا الفرصة، وأسست علاقات متينة، هددت مصالحنا، وصنعت كل ما يمكن من الأضرار التى تهدد الأمن القومى المصرى.

خلال العقد الأخير، سقطت أو اهتزت نماذج سياسية كانت تبدو راسخة، دول انتهت، وأخرى استنزفتها الحروب، وثالثة فقدت قدرتها على اتخاذ القرار، وفى قلب هذا المشهد المضطرب، بقيت مصر الدولة التى نجحت فى عبور العاصفة دون أن تفقد شعرة من رأسها، وهذا فضل الله على بلادنا، هذه الحقيقة قد تبدو بديهية الآن، لكنها لم تكن كذلك قبل سنوات قليلة، فالدولة المصرية لم تواجه تحديًا سياسيًا فقط، بل واجهت اختبار الوجود ذاته: هل تبقى الدولة أم تتحول إلى ساحة صراع مفتوح كما حدث فى تجارب قريبة من حدودها؟

الواضح وضوح الشمس أن مصر اليوم أصبحت أقرب إلى «صمام أمان» إقليمى أكثر منها قوة تبحث عن استعراض النفوذ، فبينما اندفعت قوى عديدة نحو مغامرات سياسية وعسكرية مكلفة، اختارت القاهرة طريقًا أكثر صعوبة، إدارة الأزمات بدلًا من استثمارها.

 والدليل ما رأيناه مؤخرا على صعيد الملفات الأكثر حساسية فى المنطقة، تحركت مصر وفق منطق مختلف، لا تصنع الصراع ولا تنسحب منه، بل تبقيه داخل حدود يمكن السيطرة عليها، وبمعنى آخر أصبحت مصر رجل « الإطفاء العنيد» الذى يمسك بخرطوم مياه بكل ما أوتى من قوة لكى يطفئ النيران التى تريد حرق الأخضر واليابس، وهذا الدور موثق فى العديد من الأزمات التى طالت المنطقة مؤخرا.

 وقد شاهد الجميع أن الجرأة الحقيقية فى التجربة المصرية لم تكن فى استخدام القوة، بل فى ضبط استخدامها، فالدولة التى تعرف متى لا تتحرك تملك أحيانًا نفوذًا أكبر من دولة تتحرك بلا حساب.

غير أن التحول الأهم يكمن فى إدراك مصر أن معركة النفوذ فى القرن الحادى والعشرين لم تعد عسكرية فقط، فشبكات الطاقة، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد العالمية، أصبحت أدوات تأثير لا تقل أهمية عن الجيوش، من هنا جاء الرهان المصرى على البنية التحتية والاقتصاد بوصفهما امتدادًا للأمن القومى لا مجرد مشروع تنموى، رغم الضغوط الاقتصادية العالمية القاسية، اختارت الدولة المصرية السير فى مسار طويل المدى، مدركة أن الدول لا تُقاس بسنوات الأزمات بل بقدرتها على بناء المستقبل.

لكن السؤال الأكثر حساسية يظل حاضرًا.. لماذا تبدو مصر ضرورية لتوازن المنطقة؟

الإجابة ليست فى الحجم السكانى أو الموقع الجغرافى العبقرى أو المؤسسة العسكرية القوية التى تحمى وتصون حدود هذا الوطن فقط، بل فى طبيعة الدور ذاته الذى نقش على جدران المعابد، قبل أن تعرف الإنسانية معنى الحرب أو السلام.

 الشرق الأوسط اليوم يفتقر إلى ما يمكن تسميته «الدولة المرجعية».. نعم نحن الدولة المرجعية فى هذه المنطقة التى تستطيع التحدث مع الجميع دون أن تصبح أسيرة لأى محور، ولا تقبل أن يمارس عليها ضغوط من أحد، وهنا تحديدًا تكمن خصوصية القاهرة، بأنها ليست دولة مواجهة دائمة، ولا دولة حياد سلبي، بل دولة توازن، تحافظ على خيوط الاتصال فى زمن تتقطع فيه خطوط الحوار، وتمارس سياسة نظيفة وسط الآئام.

القوة المصرية الراهنة ليست صاخبة، لكنها عميقة، ليست اندفاعًا نحو الزعامة، بل رفض لترك المنطقة بلا عقل سياسى يدير تناقضاتها.

لذلك لم يعد السؤال المطروح الآن ما هو ما حجم الدور المصري؟

بل السؤال ألاكثر واقعية وربما الأكثر قلقًا.. ماذا يحدث للإقليم إذا غابت مصر عن معادلة التوازن؟

التاريخ يقدم إجابة واضحة لمن يريد أن يقرأه جيدًا:

مؤلفات الراحل العظيم المفكر الكبير الدكتور جمال حمدان شاهدة عيان، وقد خلصت إلى نتيجة حتمية واحدة..وهى حين تضعف القاهرة، تدخل المنطقة زمن الاضطراب، وحين تستعيد مصر عافيتها يبدأ الشرق الأوسط فى استعادة توازنه..

 تحيا مصر.