اللواء أحمد بدر
مصر.. حين تنتصر الإرادة على الضغوط
لم تكن مصر يومًا دولة عابرة فى التاريخ، ولا لاعبًا هامشيًا فى معادلات المنطقة. فمنذ آلاف السنين، تقف على مفترق طرق الحضارات، حاملةً مسئولية الجغرافيا وعبء التاريخ معًا. ولهذا، كلما اشتدت الأزمات وتعاظمت التحديات، كانت الأنظار تتجه نحو القاهرة انتظارًا للموقف الذى يعيد التوازن ويمنع انزلاق المنطقة نحو المجهول.
وفى واحدة من أكثر اللحظات حساسية فى تاريخ الصراع بالشرق الأوسط، وجدت مصر نفسها أمام ضغوط دولية وإقليمية غير مسبوقة، سعت إلى فرض واقع جديد يقوم على تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، تحت عناوين إنسانية ظاهرها الرحمة وباطنها تصفية قضية عمرها أكثر من سبعين عامًا. لم يكن الأمر مجرد فتح معبر أو إجراء طارئ، بل مشروعًا يحمل فى طياته إعادة رسم خريطة سياسية وديموغرافية تهدد الأمن القومى المصرى قبل أن تمس القضية الفلسطينية ذاتها.
كانت المغريات كبيرة، والضغوط أكبر؛ وعود بالاستثمارات، وتسهيلات اقتصادية، ودعم سياسى وعسكري. غير أن الدول الكبرى تُختبر فى لحظات القرار المصيري، حين يتقدم المبدأ على المصلحة المؤقتة، وتنتصر العقيدة الوطنية على حسابات الربح والخسارة.
هنا برز الموقف المصرى واضحًا وصلبًا، مؤكدًا أن سيناء ليست أرضًا قابلة للمساومة، وأن تهجير الفلسطينيين خارج وطنهم ليس حلًا إنسانيًا بل خطرًا استراتيجيًا يهدد هوية شعب ويقوّض استقرار منطقة بأكملها. فقد أدركت القيادة المصرية أن تفريغ غزة من سكانها يعنى عمليًا إنهاء جوهر القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية شعب يسعى إلى دولته المستقلة إلى أزمة لاجئين بلا أرض ولا حق.
وفى هذا السياق، جاء موقف الرئيس عبد الفتاح السيسى معبرًا عن رؤية دولة لا تبحث عن مكاسب آنية، بل عن حماية المستقبل. موقف يستند إلى ثوابت مصرية راسخة: لا تفريط فى السيادة الوطنية، ولا قبول بحلول تنتقص من الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، ولا مساومة على أمن مصر القومى مهما بلغت الضغوط.
لقد حمل هذا الموقف أبعادًا تتجاوز السياسة إلى الأخلاق والمسئولية التاريخية. فمصر لم تدافع فقط عن حدودها، بل عن فكرة العدالة ذاتها، وعن حق الشعوب فى البقاء على أرضها، وعن رفض تحويل المأساة الإنسانية إلى أداة لإعادة هندسة الصراع.
وهكذا، أثبتت مصر مرة أخرى أنها ليست مجرد دولة فى الإقليم، بل ركيزة استقرار ومحور توازن. فعندما تتعقد الحسابات الدولية وتختلط المصالح، يبقى صوت الدولة الوطنية الواعية قادرًا على رسم خط واضح بين الحل الحقيقى والحل الزائف.
التاريخ كثيرًا ما يدوّن الانتصارات العسكرية والسياسية، لكنه يحتفظ باحترام خاص للمواقف التى حمت القيم قبل الحدود. وفى هذه اللحظة الفارقة، سجّلت مصر موقفًا جديدًا يؤكد أن القضية الفلسطينية ستظل حية ما دام هناك من يرفض تصفيتها، وأن الأمن القومى لا يُشترى بالوعود ولا يُقايض بالمكاسب.
ستبقى مصر، كما كانت دائمًا، دولة القرار الصعب والموقف الصلب؛ دولة تدرك أن قوة الأمم لا تُقاس بما تحصل عليه، بل بما ترفض التفريط فيه.
وهكذا تظل مصر، فى زمن العواصف، ثابتة الجذور… لا تُترك إلا لله.






