الثلاثاء 16 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
عندما يجوع التراب.. قراءة هادئة فى السياسة السمادية المصرية

عندما يجوع التراب.. قراءة هادئة فى السياسة السمادية المصرية

لا زراعة بلا غذاء.. ولا أرض تعطى إن لم تُعطَ..



تنطلق هذه الرؤية من منطلق وطنى خالص، غايته حماية الأرض المصرية، وصون مقدراتها، وتعظيم قدرتها على الإنتاج المستدام، بما يحقق الأمن الغذائى باعتباره أحد أعمدة الأمن القومى.

فالحقيقة العلمية المستقرة تؤكد أن الأرض الزراعية كائن حى، تتأثر بما يُقدَّم لها من غذاء ورعاية، وتستجيب إيجابًا أو سلبًا وفقًا لسياسات الإدارة الزراعية المتبعة, وحين تُغذّى الأرض بوعى، تعطى بسخاء، وحين تُرهق دون تعويض، تتراجع قدرتها الإنتاجية تدريجيًا وهجرت، وإن أُهملت ماتت إنتاجيًا ولو بقيت خضراء فى ظاهرها.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن السياسة السمادية هو مشاركة علمية وطنية فى نقاش ضرورى، هدفه دعم توجه الدولة المصرية - بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسى - نحو تحقيق أمن غذائى حقيقى ومستدام، يوازن بين متطلبات الاقتصاد وحقوق الأرض والمزارع.

أولًا: كيف كانت الأرض المصرية تُغذّى قبل السد العالى؟

عاشت الزراعة المصرية لآلاف السنين فى إطار منظومة طبيعية متكاملة، كان نهر النيل عمودها الفقرى، والفيضان أداتها الأساسية لتجديد الخصوبة, حيث كان الطمى القادم مع الفيضان يمد الأراضى الزراعية سنويًا بعناصر غذائية طبيعية، فى مقدمتها: المادة العضوية - النيتروجين- الفوسفور- عدد من العناصر الصغرى وإلى جانب ذلك، كان التسميد البلدى عنصرًا أساسيًا فى المنظومة الزراعية، نتيجة انتشار الحظائر داخل الريف، وتدوير المخلفات الزراعية والحيوانية، فى إطار ثقافة زراعية تقوم على الاستدامة لا الاستنزاف, وبناءً على هذا النظام كان الاعتماد على الأسمدة الكيماوية محدودًا. وتميزت المنتجات الزراعية بجودة عالية وطعم مميز, وكانت معدلات التلوث منخفضة نسبيًا.. واقتربت الزراعة المصرية من المفهوم الحديث للزراعة العضوية دون أن تُسمى كذلك..

ثانيًا: ما الذى تغيّر بعد السد العالى؟

مع بناء السد العالى، توقفت دورة الفيضان الطبيعية، وانحسار الطمى, دخلت الزراعة المصرية مرحلة جديدة تتطلب إدارة مختلفة للخصوبة.

فقد شهدنا: التحول من رى الحياض إلى الرى الدائم وزراعة الأرض أكثر من مرة سنويًا (تكثيف زراعى) فى الوقت الذى تراجع فيه التسميد البلدى نتيجة تغير نمط البناء الريفى واختفاء الحظائرمع ضعف منظومة تدوير المخلفات الزراعية.

فكانت النتيجة العلمية المباشرة: زيادة الاحتياج السنوى للأرض من الأسمدة, وتم تعويض ذلك من خلال الأسمدة الكيماوية, وأصبح ارتباط وثيق لإنتاجية الفدان بتوفر السماد, وأصبح هناك أهمية الالتزام بالتوصيات البحثية بالمقننات السمادية والتوقيتات المناسبة للإضافة, وإلا انعكس ذلك مباشرة على إنتاج المحصول.

ثالثًا: التوسع الأفقى.. وأراضٍ جديدة بلا مخزون غذائى.

مع التوسع القومى الطموح فى استصلاح الأراضى الصحراوية، دخلت الزراعة المصرية مرحلة أكثر حساسية وتعقيدًا. فهذه الأراضى - بطبيعتها - تعانى من: انخفاض شديد فى المادة العضوية (أقل من %0.1) فقر واضح فى النيتروجين والفوسفور, بالإضافة إلى نقص العناصر الصغرى مع غياب أى مخزون غذائى تاريخى. وبالتالى أصبح السماد - بمختلف أنواعه - هو العامل المحدد للإنتاج فى هذه المناطق، وهو ما استدعى توجه الدولة، مشكورة، إلى التوسع فى إنشاء مصانع الأسمدة الأزوتية والفوسفاتية، بهدف: تأمين احتياجات الزراعة المصرية ودعم خطط التوسع الزراعى وتصدير الفائض لدعم الاقتصاد القومى.

رابعًا: أين موضع القلق؟

رغم سلامة التوجه الاستراتيجى، شهدت السوق المحلية فى فترات متقاربة بعض التحديات فى توفر الأسمدة، لأسباب متعددة، من بينها:

توقف بعض خطوط الإنتاج لأعمال صيانة أو تحديات متعلقة بالطاقة ومشكلات فى منظومة التوزيع وتفاوت بين السعر الرسمى والسوق الحرة...وهى أمور قابلة للإدارة والمعالجة، لكنها تحتاج إلى تنسيق أعلى وتدخل أسرع، حتى لا تنعكس آثارها على المزارع أو الإنتاج.

خامسًا: تصحيح بعض المفاهيم الشائعة..

من المهم التأكيد على بعض الحقائق العلمية، أبرزها:

١- الأراضى المصرية ليست غنية بالنيتروجين بطبيعتها, بل الأرض المصرية أرض صحراوية فى الأساس وهذا يعرفه حتى غير المتخصص.

٢- إن النيتروجين عنصر سريع الفقد ولا يُخزن طويلًا فى التربة وسريع الاستنزاف مع كل محصول.

٣- إن الاستخدام غير الرشيد أو المفرط يؤدى إلى مشاكل بيئية وصحية, ويؤدى إلى رفض بعض الشحنات التصديرية.. من بعض المنتجات الزراعية.

٤- إن المشكلة ليست فى السماد، بل فى سوء استخدامه, ومن هنا فإن رفع كفاءة الاستخدام هو الحل، وليس تقليل الإتاحة دون بدائل واضحة.

سادسًا: التسميد… من قضية فنية إلى بُعد اجتماعى..

عدم توفر الأسمدة فى التوقيت المناسب أو بالكميات الموصى بها يؤدى إلى: انخفاض الإنتاجية وتراجع دخل المزارع وضعف الحافز على الاستمرار فى الزراعة.. بالإضافة إلى ضغوط اجتماعية واقتصادية فى الريف.. وهو ما يجعل السياسة السمادية قضية تنموية واجتماعية بقدر ما هى قضية فنية.

سابعًا: التوازن بين التصدير والاكتفاء..

لا أحد ينكر أهمية التصدير ودوره فى دعم الاقتصاد الوطنى، لكن التوازن يظل هو الأساس. فانخفاض الإنتاج المحلى يؤدى حتمًا إلى زيادة الاستيراد، بما يحمله من أعباء مالية مضاعفة، ويقوض أهداف الاكتفاء الذاتى التى تسعى إليها الدولة.

ثامنًا: السياسة السمادية.. وأهمية تعديل منظومة توزيع الأسمدة.. 

وذلك باعتبار السماد مدخل إنتاج استراتيجى لا سلعة تجارية وهو ما يتسق تمامًا مع رؤية القيادة السياسية التى تضع الأمن الغذائى فى صدارة الاهتمامات الوطنية.

ومن المهم ضبط منظومة توزيع الأسمدة المدعومة من الدولة، ونقترح بأن يكون معيار توزيع الأسمدة يتعدل من «نوع المحصول» إلى «المساحة المزروعة»، أى أن يُصرف لكل مزارع مقدار من السماد المدعوم بناءً على مساحة أرضه، وفق متوسط استهلاك عام للمحاصيل الصيفية والشتوية. 

ويتُرك للمزارع حرية إدارة هذه الحصة حسب احتياجات محصوله الفعلية, وفى حال احتياج المزارع إلى كميات إضافية لمحاصيل تتطلب تسميدًا أعلى مثل الخضر، تُتاح له أسمدة حرة بسعر اقتصادى حسب التكلفة وبربح معقول داخل الجمعيات، بعيدًا عن السوق السوداء.

وهنا نؤكد أنه لايمكن إهمال مساحات الحدائق والفاكهة لأنها تقارب مليونى فدان وهى التى تعتمد عليها الدولة المصرية فى التصدير للخارج وتوفيرعملة صعبة لأن إغفالها وعدم توزيع حصص سمادية لها سوف يؤثر على الكميات المصدرة للخارج لانخفاض الإنتاجية منها..

تاسعًا: نعم للترشيد.. نعم للكفاءة ..

الترشيد لا يعنى الحرمان، بل يعنى: الاستخدام الأمثل, وتعظيم كفاءة الوحدة السمادية, وتطبيق الزراعة الذكية, واستنباط أصناف عالية الإنتاج قليلة الاحتياج, وكلها توجهات تدعمها الدولة والبحث العلمى معًا.

عاشرًا: البديل المتدرج… لا الصدمة المفاجئة..

الحل المستدام يكمن فى: التوسع المدروس فى الأسمدة العضوية والحيوية, مع تشديد الرقابة على جودتها, وبناء ثقة المزارع فيها, وربطها ببرامج دعم حقيقية.. تقليل الاعتماد على الكيماوى تدريجيًا لا إلغاؤه فجأة.

ختامًا.. 

الأرض أمانة.. وحمايتها مسئولية وطنية مشتركة, وقد أثبتت الدولة المصرية، بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسى، أن الأمن الغذائى خيار استراتيجى لا يخضع للمساومة، وأن مصلحة الوطن تأتى دائمًا قبل أى عائد آنى.

وهذه الكلمات ليست سوى مساهمة علمية وطنية، نابعة من الحرص على الأرض والمزارع والدولة، وثقة فى أن الحوار القائم على العلم والموضوعية هو الطريق الأمثل لدعم القرار الرشيد.