اشرف ابو الريش
«الطريق الإقليمى».. إنجاز يكتمل بتخفيف معاناة الناس
قبل عدة سنوات كتبت عن شبكة مشروعات الطرق القومية فى مصر لا من باب الترف، بل من باب الإيمان العميق بأن الطرق ليست مجرد أسفلتٍ يمتد بين المدن، بل شرايين حياة تختصر المسافات، وتُغيِّر مصائر الناس.
ولقد كان لى نصيبٌ من معاناة السفر عبر سنوات طويلة، رأيت فيها كيف تتحول المسافة القصيرة إلى رحلة شاقة، تمتد إلى ما يقرب من 6 ساعات يوميًا.
من هنا كان شعورى صادقًا فى الكتابة تجاه كل مشروع طريق جديد يُعلن أن مصر تمضى نحو زمنٍ مختلف ورؤية مستقبلية للجمهورية الجديدة، كتبت عن محور روض الفرج، ومحور شبرا ـ بنها، وعن الطريق الإقليمى «الحلم» الذى شاهدناه وهو يشق الدلتا من شرقها إلى غربها، رابطًا بين السويس والإسماعيلية والشرقية والقليوبية والمنوفية والجيزة امتدادًا حتى طريق الإسكندرية الصحراوى، كأنه عقدٌ يربط أطراف الوطن ببعضه.
هذا الطريق لم يكن مجرد إنجاز هندسى بل كان تحولًا حقيقيًا فى حياة ملايين المواطنين خاصة فى المنوفية، وفر وقتًا وجهدًا وقرّب البعيد، وفتح أبوابًا جديدة للحركة والعمل، غير أن لكل إنجازٍ كلفته، فقد اقتُطع من الأراضى الزراعية مساحات واسعة، مئات الأفدنة، ليولد هذا المشروع القومى الكبير فى معادلة صعبة بين التنمية والحفاظ على الأرض الزراعية.
من هذا المنطلق يبقى التحدى الحقيقى ليس فى إنشاء الطريق فقط، بل فى إدارته وحماية مستخدميه، فقد شهد الطريق خلال العامين الماضيين عددًا من الحوادث المؤلمة كشفت عن خطورة التهور والسرعات الجنونية، وأكدت أن البنية التحتية مهما بلغت كفاءتها، تحتاج إلى وعى بشرى موازٍ يحميها ويحمى الأرواح.
فى قلب هذا الواقع، تقف ثلاث قرى كبيرة، يقطنها ما يقرب من مائة ألف نسمة، لا يخدمها من الطريق الإقليمى سوى نزلة واحدة هى نزلة “شما”، وهو ما يفرض أعباء يومية ثقيلة على الأهالى فى التنقل، ويجعل الوصول إلى الطريق أو الخروج منه رحلة إضافية من المعاناة.
اقتراب الانتهاء من أعمال الصيانة وافتتاح الطريق الإقليمى مجددًا خلال الشهر المقبل بإذن الله، فإننا نضع هذا النداء أمام دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى، والفريق كامل الوزير وزير النقل، للنظر فى فتح نزلة صغيرة رسمية من حاجز الطريق ـ الخرسانيةـ بجوار كارتة الخطاطبة، تخدم قرى الوحدة المحلية «بطهواى» ودلهمو وكفر الطراينة وعشرات العزب والتوابع وما يحيط بها من تجمعات سكانية.
نزلة «كارتة الخطاطبة» ليست مجرد نزلة على الطريق الإقليمى، بل هى نافذة عدالة فى توزيع الخدمة، وخطوة بسيطة فى شكلها، عظيمة فى أثرها، تعيد الاعتبار لفكرة أن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا حين تقترب من الناس الذين ضحوا بأراضيهم من أجل الطريق.
رحلة المواطن المصرى على الطرق الجديدة التى تشهدها البلاد فى ظل “الجمهورية الجديدة” لم تكن مجرد مشروعات بنية تحتية عابرة، بل كانت ثمرة رؤية انطلقت بفكرة طموحة، ودُفعت بإرادة صلبة، وسُقيت بعرق الجهد والمتابعة المستمرة من الدولة، وعلى رأسها القيادة السياسية، حتى تحولت إلى واقع ممتد على الأرض.
ولولا هذا الإصرار والعزيمة، لما استطاعت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة والشركات المنفذة أن تنجز هذا الحجم الهائل من الأعمال، الذى تجسّد فى آلاف من الكيلومترات والمحاور العرضية الممتدة عبر النيل وداخل المحافظات، لتعيد رسم خريطة الحركة والتنمية فى مصر.
هذا الإنجاز تحقق بسواعد رجالٍ آمنوا بالعمل، من مهندسين وفنيين وعمال، أخلصوا فى أداء رسالتهم، وأبدعوا فى ميادين البناء والعمران، وهم بحق أبناء هذا الوطن، الذين صنعوا بإتقانهم ملامح مرحلة جديدة من التطوير، وستكشف السنوات القادمة عن القيمة الحقيقية لهذه الشبكة من الطرق، ليس فقط فى تسهيل حركة المواطنين، بل فى انعكاسها العميق على الاقتصاد الوطنى، وتنشيط السياحة، وربط مصر بشبكة طرق عالمية موحدة، تنهض بالدولة وتساعد مشروعاتها فى إطار مسيرة التنمية الشاملة، والحقيقة التى أريد أن أقولها للدولة: إن الناس عرفت بحق قيمة «الطريق الإقليمى» الذى أغلق لمدة عامين، وأصبحوا يقطعون من المنوفية إلى القاهرة ما يقرب من ثلاث ساعات ونصف الساعة، وأصبحنا الآن نقطع هذه المسافة فى ساعة واحدة على الطريق الإقليمى.
تحيا مصر






