أيمن عبد المجيد
الأرض الميتة أحييناها
«وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلً وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ *لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ * أَفَلَا يَشْكُرُون».. صدق الله العظيم.
الحمد والشكر لله، على نعمه التى لا تحصى، وفى القلب منها حفظه لمصر وشعبها، وتوفيقه لقائدها وجنودها فى ميادين الأمن والتطهير من الإرهاب، والبناء والتعمير.
بهذه الآيات البينات من القرآن الكريم، بدأ حفل افتتاح مشروع «الدلتا الجديدة»، وما أدراك ما الدلتا الجديدة؛ وما بذل من جهود لإنجازها، وأثرها على الحاضر والمُستقبل؟
هى ثورة تنموية حقيقية، قهرت التحديات، لرسم خريطة جديدة لمصر، وإن شئت الدقة، هى جزء من خريطة تنموية جديدة لمصر، تُرسم خطوطها وتفاصيلها على مدار عقد بالدماء والعرق والتضحيات والتخطيط العلمى، لعلاج أمراض عقود من الخمول التنموى.
على بعد نحو ساعة وربع من وسط القاهرة، تقع بوابة الدلتا الجديدة، وفى الطريق إلى خيمة الاحتفال طريق معبد يشق رمال الصحراء التى كانت قبل عام 2021 جرداء لا زرع فيها ولا ماء.
وعلى جانبى الطريق، كان الاصطفاف التنموى ينطق برسائل بليغة، لم تكن دبابات ولا مدرعات، بل اصطفاف آلات تنمية زراعية.. محاريث ومعدات زراعة وحصاد، وأعلام مصر وجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، ولافتات تلخص الواقع: «مستقبل مصر العمرانى»، «مستقبل مصر الزراعى»، «مستقبل مصر الصناعى»، «رؤية تحقق الإنجاز».
نعم رؤية، فالدلتا الجديدة ليست مجرد مشروع تنموى ضخم، بل إعادة رسم خارطة العمران والامتداد التنموى، مشروع القرن، وإنجازه شهادة تماهى قدرة الدولة الشاملة، وثمرة تنمية شاملة سبقت تنفيذه بسنوات فى كل القطاعات الحيوية فى الدولة المصرية.
مشروع نتاج رؤية عميقة للقيادة السياسية، التى أجادت فى رصد العرض وتشخيص أمراض مصر بدقة، والبدء فى تنفيذ علاجاتها الجذرية.
إنجاز يدعم مستقبل مصر التنموى، ويخلق فرصا استثمارية غير مسبوقة، تعزز معدلات الأمن الغذائى، تلاحق النمو السكانى المتزايد، وتضع ركيزة اقتصادية تنموية فى قطاعات الزراعة والإنتاج الحيوانى والتصنيع الزراعى، بما يحققه من قيمة مضافة للمنتجات، ومنطقة تجارة حرة، نواة لنهضة استثمارية، تخلق مليونى فرصة عمل.
خلال الحفل دعا الرئيس عبدالفتاح السيسى المصريين لأن يفرحوا بإنجازاتهم، مؤكدًا أنه لولا فضل الله وجهود الشعب المصرى لما تحقق هذا الإنجاز.
الرئيس تحدث بكل صراحة ووضوح: الحكومة لا تقدم ما يتحقق من إنجازات بالشكل الذى تستحقه وما بذل من جهد، مؤكدًا أنه من الصعب تحقيق اكتفاء ذاتى من كل المحاصيل، وهو أمر صعب المنال فى معظم دول العالم، ضاربًا مثالا باستيراد مصر للأعلاف الذى يتراوح بين 13 و17 مليون طن سنويًا، وهذا يتطلب إنتاجه مساحات واسعة من الأرض وكميات من مياه الرى غير المتوفرة.
فماذا يريد الرئيس من الحكومة والإعلام، وماذا تعنى الدلتا الجديدة؟
الإجابة تكمن فى أن الرئيس عبدالفتاح السيسى، يريد تنمية كفاءة الحكومة والإعلام فى تعريف الرأى العام بالأبعاد الحقيقية للمشروعات التنموية، ليس بهدف الإشادة بأداء النظام السياسى، بل بهدف بناء وعى حقيقى بتفاصيل ما يبذل من جهود، للوصول إلى ما يفتتح من إنجازات، الأهداف والتحديات والفرص.
لا يريد الرئيس خطبا إنشائية، ولا دعاية تقليدية، بل بناء وعى بالأهداف والفرص والتحديات، لتحفيز الاستثمار الخاص، على مزيد من المشاركة المحققة للهدف الرئيسى، تعظيم الإنتاج وفرص العمل، وبناء الأمل فى مستقبل أفضل.
وهنا دعونا نتحدث بالأرقام التى لا تكذب، من خلال مقارنات سريعة كيف كانت مصر وأين هى الآن؟
أولًا: مصر ورفعتها التنموية تاريخيًا:
على مدار أكثر من سبعة آلاف عام، من الحضارة والعطاء والبناء، وبجهد متراكم من الأجيال المتعاقبة، نجح المصريون فى تعمير 78٫990 كيلو مترا مربعا فقط من إجمالى مساحة مصر البالغة 1٫002٫00 كيلو متر مربع، بما يعادل 7٫8% فقط من إجمالى مساحة الوطن التى تجاوزت مليون كم٢.
تتوزع مساحة مصر الشاسعة، بين حدودها المترامية على أربعة أقاليم، الوادى والدلتا، اللذان يُشكلان 40 ألف كيلو متر مربع من إجمالى مساحة مصر بنسبة 4%، وصحراء مصر الشرقية التى تشكل 22% من مساحة الوطن الكلية، والصحراء الغربية، التى تشكل 68% وشبه جزيرة سيناء 60 ألف كيلو متر مربع بنسبة 6%.
بنظرة سريعة على خريطة مصر الجغرافية، والعمرانية التاريخية، المتراكمة، وتوزيعاتها السكانية، نستخلص قاعدة معلوماتية ضرورية ننطلق منها لتحليل علمى يشخص تحديات الوطن، لقياس حجم ما تحقق من إنجازات.
الخريطة التاريخية، تشغل المساحات التنموية المأهولة بالسكان فيها 7٫8% فقط من مساحة مصر الإجمالية، يقطنها أكثر من 109 ملايين مواطن، بزيادة سنوية 2٫2 مليون مواطن، ومعهم 10 ملايين ضيف.
هؤلاء الملايين من البشر، يعانون خللًا فى التوزيع السكانى، جعل من الدلتا التى تعد أخصب الأراضى المصرية، أكثر الأقاليم كثافة سكانية، وبمقارنة بسيطة بين محافظة القاهرة الأكبر من حيث عدد السكان البالغ 10٫4 مليون، بما يمثل 10% من سكان مصر، رغم كون مساحة العاصمة القاهرة المأهولة بالسكان فقط 188 كم٢، من إجمالى مساحتها الكلية 2837٫0 كيلومترًا، بمتوسط كثافة سكانية يفوق 3700 مواطن فى الكيلو متر المربع الواحد.
فى المقابل، فإن عدد سكان محافظة جنوب سيناء 120 ألف مواطن، على 33٫140 كيلو مترا مربعا، بكثافة تقارب 3 مواطنين للكيلو متر المربع، وإذا جمعنا عدد سكان شمال سيناء 478 ألف مواطن على جنوبها فإن إجمالى سكان شبه جزيرة سيناء يصل إلى 598 ألف نسمة على سدس مساحة مصر، بكثافة سكانية لا تتجاوز 15 فردا فقط على كل كيلو متر مربع.
من تكدس 3700 مواطن فى الكيلو متر المُربع، إلى 15 فردا فقط فى المساحة ذاتها، هذا التباين الضخم، ينعكس بشكل مباشر على جودة الحياة، والقدرة الاستيعابية للمناطق المكتظة فى وادى النيل والدلتا بملايين البشر، تتهالك البنية التحتية، وتزيد الاختناقات المرورية، وتضيق سُبل العيش، ويزداد الطلب على أراضى البناء لاستيعاب الزيادة السكانية، فتظهر العشوائيات وتلتهم التعديات الأرض الزراعية.
كارثة حقيقية عاشتها مصر، فى السنوات الثلاثين السابقة على العام 2011، حالة اختناق جماهيرى، ولّدت الانفجار، فاستغل الآلاف حالة الفوضى فى العامين التاليين، للتوسع فى عشوائية البناء، والتهام المزيد من المساحات الخصبة، التى تكونت على مدار آلاف السنين فى الوادى الخصيب، والتى كانت تثمر غذاء وكساء ملايين الأسر، وتوفر لهم عشرات الآلاف من فرص العمل.
والأرقام لا تكذب، فقد التهمت التعديات على الأرض الزراعية منذ العام 2011 وحتى بداية 2022، نحو 91 ألف فدان من أخصب الأراضى الزراعية، والأعلى إنتاجية، بما يقترب من 10 أضعاف القدرة الإنتاجية للفدان، قبل أن يتم التصدى لتلك التعديات بحزم قضى عليها بشكل شبه نهائى.
والحال كذلك، فإن مضاعفة رقعة العمران فى مصر، لتفريغ الكتل السكانية المكتظة، وإعادة توزيع السكان على رقعة تنموية أوسع، هو الحل الجذرى، لمضاعفة الإنتاج المستدام بما يلاحق متطلبات النمو السكانى، وتحسين جودة الحياة.
فكان العلاج في الخطة الاستراتيجية، لتأسيس جمهورية جديدة مساحتها المعمورة تصل إلى 15% من مساحة مصر الإجمالية، عبر 14 مدينة ذكية على رأسها العاصمة الإدارية الجديدة تستهدف استيعاب 30 مليون مواطن، أى نحو 25% من إجمالى سكان مصر مواطنين وضيوف.
وكان لا مفر فى ضوء المستهدف من تنمية زراعية وصناعية، ومدن إنتاجية، بمضاعفة الرقعة الزراعية التاريخية، لملاحقة متطلبات الأمن الغذائى لملايين المصريين، الذين تضاعف عددهم فى العقود الأخيرة.
وهنا تأتى أهمية الدلتا الجديدة، عبقرية مشروع القرن الحديث، وحتميته، وقدرة الدولة بتوفيق من الله لقهر التحديات التى واجهت تعمير تلك البقعة من الصحراء الميتة التى أحياها الله سبحانه وتعالى بسواعد وعرق المصريين ودماء شهداء استعادة هوية الوطن وأمنه واستقراره.
ثانيًا: الرقعة الزراعية ونسبة الوحدة الإنتاجية لعدد السكان تاريخيًا
الأمن الغذائى، أحد أهم مقومات الأمن القومى للدول الوطنية، ولكن الفلاح المصرى القديم، كان يعلم ذلك وأخرجه أحفاده فى موروث شعبى يحمل عصارة تجربة الحضارة: “من يأكل من فأسه قراره من رأسه”.
ومع تنامى عدد سكان مصر، ليبلغ فى أول تعداد رسمى 1846 فى عهد محمد على باشا، مؤسس مصر الحديثة، ما بين 4 - 4٫5 مليون نسمة، ليصل تعداد السكان فى عهد الخديو توفيق فى 1882 إلى 6٫7 مليون نسمة بحسب الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، ليصل عدد السكان فى أول تعداد رسمى فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر 1966 إلى 29 مليون نسمة، مع ثبات نسبى لمساحة الرقعة الزراعية، دون إغفال بعض مشروعات الاستصلاح الزراعى.
ومع بلوغ عدد السكان ما نحن عليه الآن، بات من الضرورى، تعزيز القدرة الإنتاجية من الإنتاج الزراعى والحيوانى والصناعات ذات الصلة، فكل إنسان يولد فى احتياج إلى غذاء، ودواء وتعليم، وإلا تراجعت قوة القدرة البشرية، وانعكست سلبًا على القدرة الشاملة.
وفى العقود الأخيرة، التهمت الزيادة السكانية قدرة الدولة على التنمية، فانشغلت حكومات بدعم السلع والخدمات واستيراد السلع الغذائية لسد الفجوة المتزايدة بين الإنتاج المحلى والاستهلاك، دون حلول جذرية.
وهنا تأتى أهمية مضاعفة الرقعة الزراعية فى كل ربوع مصر، وفى القلب منها الدلتا الجديدة، التى تربط بأربع محافظات وتقع فى موقع استراتيجى بالقرب من القاهرة، والموانى والمطارات لتسهيل التصدير، ونقل الإنتاج ومستلزماته، وما تنتجه المصانع والمزارع.
وللإيضاح سنبحث تحولات الخريطة الزراعية على مراحل زمنية مدة المرحلة 20 عامًا:
-1 مساحة مصر عام 1970 بلغت مساحة الرقعة الزراعية المصرية، 5٫7 مليون فدان، فيما كان عدد السكان فى ذلك الوقت 35 مليون نسمة تقريبًا، بما يعنى أن كل 6 ملايين مواطن تقريبًا ينتج لهم مليون فدان احتياجاتهم من الغذاء.
-2 عام 1990 أى بعد 20 عامًا من الإحصاء السابق، بلغ إجمالى مساحة الرقعة الزراعية المصرية 6٫918 مليون فدان، بزيادة 1٫162 مليون فدان، تم إضافتها للرقعة الزراعية على مدار 20 عامًا بواقع 58 ألف فدان سنويًا، فيما تجاوز عدد السكان الـ50 مليونًا، لتصبح حصة كل 7٫1مليون مواطن، قرابة مليون فدان أرض زراعية.
وهنا نلاحظ زيادة عدد المواطنين 1٫1 مليون عن ذى قبل، مما يعنى زيادة الطلب على إنتاج الوحدة الواحدة الإنتاجية من المساحة الزراعية، فضلًا عن التهام الزيادة السكانية لمساحات من الأراضى الخصبة بما شهدته من عدوان سكنى على الأخصب منها بالوادى والدلتا.
-3 عام 2010، بلغ إجمالى مساحة الأرض الزراعية 8٫741 مليون فدان، بينما فى العام 2009 بلغ عدد سكان مصر 76٫1 مليون نسمة، بزيادة فى ذلك الوقت تقترب من 1٫9 مليون سنويًا أى قرابة 78 مليونا فى عام 2010، بما يعنى أن وحدة المليون فدان أرض زراعية بات مطلوبا منها تلبية احتياجات 8.9 مليون مواطن.
وهنا نلاحظ أنه رغم زيادة مساحة الرقعة الزراعية 1٫823 مليون فدان، فى العشرين عامًا ما بين 1990 - 2010، إلا أن تلك الزيادة لا تلبى احتياجات معدلات الزيادة السكانية، فتزايد الطلب فى مقابل المعروض، وتزايدت الأزمات والاعتماد على استيراد النسبة الأكبر من السلع الرئيسية كالقمح والزيوت حتى الفول لسد فجوة العجز.
فيكفى للدلالة على ذلك أن معدلات الاكتفاء الذاتى من القمح المصرى عام 2008 كان 54٫8%، ليشهد ذلك المعدل انخفاضا حادا عام 2010 ليصل إلى 40٫5% فقط، معنى ذلك أن مصر فى هذا العام اضطرت لتخصيص مليارات الدولارات من الميزانية لسد فجوة العجز باستيراد قرابة 60% من احتياجات المصريين من رغيف الخبز السلعة الاستراتيجية الأولى وغيره من المنتجات التى يدخل دقيق القمح مكونا رئيسيا بها.
دون إغفال تأثر ذلك بالمساحات المنزرعة بالقمح، والقدرة الإنتاجية للفدان التى تحكمها جودة البذور والسلالات وعوامل الإنتاج المختلفة، لكن المؤكد هنا أن الوحدة الإنتاجية تتضاءل فى مواجهة الأفواه المتضاعفة بفعل نمو سكانى يسبق بآلاف الأميال نموا زراعيا واقتصاديا.
وكان لذلك الأثر الأكبر فى تدمير البنية التحتية المصرية وجودة الحياة، وتزايد سخط المواطن المصرى حتى باتت التربة مهيأة للاشتعال فى عام 2011، مع أول عود ثقاب يلقى عليها.
ثالثًا: المناطق التنموية التى شكلت مستجدات الخريطة المصرية:
1- الدلتا الجديدة:
مشروع تنموى متكامل عملاق، يضاعف مساحة العمران فى الخارطة المصرية، تلك التى انحسر فيها العمران منذ عهد الأجداد الفراعنة فى الدلتا القديمة والوادى، بما لم يتجاوز 7٫8% عمران، من مساحة مصر الإجمالية حتى بداية عصرنا الحديث لتضيف الدلتا الجديدة 2٫2 مليون فدان لمساحة المعمور المصرى باكتمالها، تمثل زيادة تعادل 30% من مساحة دلتا مصر التاريخية.
تلك الطفرة التعميرية، تحقق زيادة فعلية فى الرقعة الزراعية مليون فدان، صالحة لزراعة كل المحاصيل، وقد شاهدنا على أرض الواقع بشائر ذلك فى محاصيل بنجر السكر والقمح والشعير، ومع زراعة أكثر من محصول فى العام الواحد، تصل المساحة المحصولية إلى 1٫7 مليون فدان.
وتزداد الكفاءة الإنتاجية، للوحدة مع اتباع سياسات زراعية، يحرص عليها جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة فى تعاقداته مع الشركات الخاصة، وهو ما أشار إليه الرئيس عبدالفتاح السيسى فى مداخلته بالافتتاح، عندما أوضح أن محصولا مثل بنجر السكر يعطى إنتاجية فى الأرض الرملية أعلى من الأرض الطينية، عكس القمح الذى يزداد إنتاجه فى الأرض الطينية بالدلتا التاريخية، وهنا تضع السياسات الزراعية فى اعتبارها تخصيص مساحات أوسع للقمح بالأرض الطينية، والبنجر فى الرملية.
2- أهداف المشروع:
هذا المشروع العملاق لا يقتصر دوره على تعزيز الأمن الغذائى، أحد أهم مقومات الأمن القومى المصرى، فى ظل تحول الغذاء إلى سلاح سياسى عالمى، وسلاح عندما تقرع طبول الحرب، بالسيطرة على الموانى والطرق البحرية وسلاسل الإمداد كما حدث فى الحرب الروسية الأوكرانية، ومضيق هرمز مؤخرًا وقبل ذلك الكوارث الطبيعية مثل كورونا.
بل يستهدف المشروع أيضًا، استيعاب الزيادة السكانية وخفض معدلات التكدس السكانى فى الدلتا القديمة، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لنحو 5 ملايين مواطن مصرى، بافتراض أن إتاحة فرص عمل لعدد مليونى فرد، تستفيد منه أسرهم، مع تحقيق هدف تغطية العجز الناجم عن تآكل الرقعة الزراعية التاريخية، بفعل العدوان الجائر عليها.
رابعًا: عظمة المشروع فى قهره للتحديات وتعظيم الفرص
1- تحدى التمويل
فى ظل تحديات داخلية وأزمات اقتصادية عالمية، وتوترات فى الإقليم، نجحت مصر فى ضخ استثمارات بلغت 800 مليار جنيه كلفة إنجاز المشروع بمتوسط يتراوح بين 350 و400 ألف تكلفة استصلاح الفدان من إجمالى استثمارات البنية التحتية.
2- البنية التحتية
مشروع عملاق بهذا الحجم، يتطلب بنية تحتية ضخمة تفوق البنية التحتية لدول صغيرة، بما يعكس تنامى القدرة المصرية، واتباع الاستراتيجيات العلمية، بجهود خرافية، بدأت بتحديد المساحات القابلة للزراعة عبر دراسات مسحية، وتحليل لطبيعة التربة.
ثم بحث مدى توافر مصادر المياه الجوفية، وإنشاء محطات إعادة التدوير الثلاثى لمياه الصرف الزراعى للدلتا القديمة، والتى كانت تذهب إلى البحر المتوسط، بتدرج انخفاض طبيعى.
وهنا عبقرية الإنسان المصرى، الذى حول مياه الصرف من ملوث للبحر، إلى ثروة بإعادة تدويرها وتنقيتها، والأهم كيفية السير بها فى خطوط أنابيب وقنوات مبطنة عكس الجاذبية، عبر مستويات تدرج المرتفعات بمضخات محطات رفع عملاقة.
ولقد أشار العقيد الدكتور بهاء غنام المدير التنفيذى لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة القائم على تنفيذ المشروع بشراكة ودعم المؤسسات والوزارات المعنية، وجهود 1500 شركة خاصة إلى أن خطوط نقل المياه تبلغ أطوالها 9٫1 ألف كيلو متر، تستوعب إنتاج 17٫5 مليون متر مكعب مياه رى يوميًا.
فيما تنتج محطات إعادة تدوير مياه الصرف 7٫6 مليون متر مكعب مياه يوميًا.
3- الكهرباء:
لكن هل يمكن التنمية بلا طاقة، فالمعدات تعمل بالطاقة ومحطات الرفع تحتاج الكهرباء، إذا نظرنا لخريطة الطاقة قبل العام 2014، فإن حالها يرثى له، ليست أفضل حالًا من الرقعة العمرانية، ولا خلل الكثافة السكانية، ولا البنية التحتية التى لا تغطى خدمات الصرف الصحى بها أكثر من 10% من ريف مصر.
فالطاقة الكهربية، عانت منذ العام 2008 وحتى العام 2014، من تقادم 30% من وحدات إنتاج الطاقة الكهربية، واختناق فى شبكات النقل الكهربى، وعجز فى إمداد محطات التوليد بالوقود، ما أسفر عن فصل اضطرارى متكرر للتيار الكهربى لتخفيف الأحمال، ليصل إجمالى العجز بين الإنتاج والاستهلاك ما بين 2000 و3000 ميجاوات يوميًا، عام 2008، ليصل أقصى عجز 6050 ميجا وات صيف العام 2014.
تخيل هذا العجز تحول بإنجازات تاريخيّة إلى اكتفاء ذاتى وتحقيق فائض، يلبى احتياجات تنمية الدلتا الجديدة و14 مدينة ذكية، وتوشكى وغيرها من المشروعات فى كل ربوع مصر.
تغذى محطات توليد الكهرباء، الدلتا الجديدة بـ«2000 ميجاوات»، تنقلها شبكة طولها 19 ألف كيلو متر عبر 121 ألف عمود وبرج.
إذن اصلاحات منظومة الطاقة ومضاعفة قدراتها الإنتاجية كانت مقدمة لتعزيز قدرة مصر الزراعية والصناعية والتنموية وقبل كل ذلك تلبية احتياجات المواطن المنظومة الإنتاجية.
فالكهرباء للتنمية بمثابة الروح فى جسد الإنسان لا نراها لكن نلمس أثرها، عندما تغادره يتحول إلى جثة هامدة.
4- الطرق
كان المتربصون دائمًا ما يطرحون تساؤلات هدفها الإثارة حول أولوية المشروعات وجدوى الطرق، بينما الواقع يؤكد أنها شرايين التنمية، ومصر أنجزت شبكة طرق حديثة ورفعت كفاءة القديم.
شهدت خريطة شبكة الطرق والنقل فى العشر سنوات الأخيرة إنجازات غير مسبوقة، القطارات إضافة 12 ألف كيلو متر سككك حديدية،،والقطار الكهربائى والمونوريل، والموانى، وصولًا إلى الطريق القارى القاهرة كيب تاون.
كانت تلك المشروعات وفق مخطط استراتيجى يستهدف شق محاور تنمية، وتوفير طرق لنقل مستلزمات الإنتاج والمنتجات للداخل والتصدير للخارج.
الدلتا الجديدة وحدها تحوى شبكة طرق يبلغ طولها 12 ألف كم طول شبكة الطرق بما يعادل طريقا مستقيما يربط قارة إفريقيا من شرقها لغربها.
إذن ما تحقق ويتحقق على أرض الواقع معجزة حقيقية، تتطلب تسويقها بقدر ومقدار ما تتيحه من فرص استثمار حقيقى، يوفر تنمية وفرص عمل مستدامة.
وربما لذلك قال الرئيس للشعب المصري: افخروا بإنجازكم.. ولولا فضل الله وجهودكم لما تحقق هذا الإنجاز.
ما تم على الأرض معجزة تنموية، تفتح ذراعيها للترحاب بمستثمرى القطاع الخاص للاستفادة من تلك البنية التحتية العملاقة لتخرج تلك الأرض التى أحياها الله بسواعد المصريين وتوفيقه لمساعيهم المخلصة الخير لمصر وشعبها والإنسانية.






