الثلاثاء 23 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
من نهر النيل.. إلى بلاد الحرمين

من نهر النيل.. إلى بلاد الحرمين

مع دخول العشر الأوائل من شهر ذى الحجة المبارك، تعود إلى الذاكرة أجمل اللحظات وأكثرها صفاءً وروحانية تتجدد فيها النفحات الإيمانية، وتفيض القلوب شوقًا إلى بيت الله الحرام، حيث تتضاعف الطاعات وتسمو الأرواح، ولا تزال ذاكرتى تحتفظ بتلك الليلة الأولى فى مكة المكرمة، ليلة لا تُنسى من ليالى العمر، حين أكرمنى الله بأداء فريضة الحج، فكانت اللحظة الأولى لرؤية البيت الحرام مهيبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، رهبةٌ وسكينةٌ وعظمةٌ تسللت إلى القلوب بلا استئذان، 



تباينت فيها مشاعر الحجاج فى تلك اللحظات المباركة، فهناك من انهمرت دموعه كالمطر شوقًا وخشوعًا، وآخرون علت وجوههم ابتسامة الفرح والامتنان وهم يشاهدون الكعبة المشرفة شامخةً فى جلالها، مرتدية كسوتها السوداء المهيبة المطرزة بخيوط الذهب والفضة، فى مشهدٍ يعجز اللسان عن وصفه.

ولكسوة الكعبة المشرفة تاريخ طويل وعريق، ارتبط فى وجدان المصريين بذكريات المحمل الشريف، ذلك الموكب التاريخى الذى كان يخرج من القاهرة متجهًا إلى أرض الحجاز حاملاً كسوة الكعبة وسط احتفالات ومشاعر دينية عامرة بالفخر والإجلال.

وفى هذا المقال، نقترب من تاريخ كسوة الكعبة المشرفة، ونستعيد معًا صفحاتٍ مضيئة من تراثٍ خالد ظل شاهدًا على ارتباط هذا الوطن بالمملكة العربية السعودية الشقيقة، عبر قرون من المحبة امتدت من نهر النيل إلى بلاد الحرمين الشريفين وملوكها وأمراءها وشعبها الكريم.

 هنا فى القاهرة.. لم يكن ارتباطنا بالمملكة مجرد علاقة تاريخية عابرة، بل كان عهدًا ممتدًا من المحبة، تجسد فى صناعة كسوة الكعبة المشرفة وخروج المحمل الشريف من مصر كل عام، حاملاً قلوب كل المصريين إلى بيت الله العتيق، وروضة النبى الكريم.

 الحكاية بدأت فى العصر المملوكى عندما أُنشئت دار خاصة لصناعة كسوة الكعبة، ضمت أمهر النساجين والخطاطين والحرفيين.

 كان الحرير الأسود يُنسج بعناية، وتُطرز الآيات القرآنية بخيوط الذهب والفضة فى عمل يجمع بين الدقة الفنية والروح التعبدية، حتى أصبحت الكسوة المصرية علامة مميزة ارتبطت بخدمة الكعبة لأكثر من سبعة قرون متصلة.

فى مطلع القرن التاسع عشر تجدد هذا الإرث مع إنشاء دار الكسوة بالخرنفش فى قلب حى الجمالية التاريخى، ازدهرت الصناعة وبلغت ذروة إتقانها، وتوارث الحرفيون سر المهنة جيلاً بعد جيل، مؤمنين بأن ما تصنعه أيديهم ليس قماشًا فحسب، بل عبادة تُرفع إلى السماء، ويسعد فى الدنيا من نال شرف وضع يده فى هذه الكسوة المباركة.

بعد انتهاء عمل الكسوة المباركة، تبدأ الصفحة الأكثر مهابة فى المشهد المصرى وهى خروج المحمل الشريف من القلعة حيث تنطلق الاحتفالات الرسمية، ثم يجوب الموكب شوارع القاهرة وسط الأناشيد والابتهالات، بينما يحتشد الناس لتوديع القافلة التى تحمل رداء الكعبة إلى مكة المكرمة.

يسير الجمل الحامل للكسوة تتبعه قوافل الجمال المحملة بالماء والزاد وأمتعة الحجاج، وتحف به الحراسة العسكرية، بينما ترافقه الطرق الصوفية بالدفوف والرايات، فيتحول الطريق إلى ذكرٍ جماعى يمزج بين الفرح والخشوع، يمر المحمل بالأحياء التاريخية حتى مسجد سيدنا الإمام الحسين، حيث تُجمع أجزاء الكسوة قبل أن يبدأ طريقه عبر السويس وسيناء وصولًا إلى الحجاز، وسط استقبال شعبى حافل فى المدن والقرى التى كانت ترى فى مرور المحمل بركةً وحضورًا روحيًا نادرًا.

مصر كلها كانت فى حالة من السعادة والفرح.

الأطفال يسيرون خلف الموكب، والأناشيد الدينية تملأ الشوارع، ورسومات الكعبة تزين البيوت، بينما تتحول المدن إلى محطات وداع ودعاء للحجيج.

هكذا أصبحت كسوة الكعبة والمحمل الشريف جزءًا من الوجدان الشعبى المصرى، ورمزًا لوحدة الإيمان بين الشعب والدولة فى خدمة أقدس بقاع الأرض.

استمرت مصر فى صناعة الكسوة وإرسال المحمل الشريف حتى منتصف القرن العشرين، حين انتقلت صناعة الكسوة إلى المملكة العربية السعودية الشقيقة، لتنتهى مرحلة تاريخية طويلة بقيت خلالها القاهرة مركزًا روحيًا لخدمة البيت الحرام.

ورغم توقف المحمل، ما زالت ذكراه حاضرة فى قلوب المصريين، كل مدينة كانت تُودّع قطعة من قلبها فى طريقها إلى مكة، مؤمنة بأن خدمة الكعبة شرفٌ يتجاوز الزمن ويبقى أثره فى الروح قبل أن يكتب بمداد من ذهب.

تحيا مصر