اشرف ابو الريش
الحج.. رحلة القلوب والأرواح
كانت المدينة المنورة ولا تزال موطن الرحمة وقبلة المحبة منذ أن هاجر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حطت عجلات الطائرة أرض المدينة قبيل الغروب، أشعر أننى فى بقعة من الجنة على الأرض، هنا سار النبى وأسس دولة الرحمة والإنسانية، ووضع القواعد الأولى للدولة الإسلامية.. وهنا تنفس الصحابة هواء هذه الأرض.. وهنا بكى المحبون، وهنا دُفنت أعظم الذكريات بين المهاجرين والأنصار، فى المدينة شىء لا تستطيع الكلمات أن تفسره، نسيمها ليس كأى نسيم، وليلها ليس كأى ليل كأن الله أودع فيها سرًا من السكينة لا يوجد فى مكان آخر على وجه الأرض.
اخترت الإقامة بالقرب من مسجد بلال بن رباح رضى الله عنه، فى المنطقة التى طالما طوّفت فيها بخيالى وأنا أقرأ كتب السيرة والتاريخ، كنت كلما خرجت من الفندق أشعر أننى لا أمشى فوق أرض عادية، بل فوق صفحات مضيئة من التاريخ الأول لعصر صدر الإسلام.
وفى الليلة الأولى سرت نحو المسجد النبوى لكى ألحق بصلاة الفجر، كانت خطواتى تتباطأ كلما اقتربت من المسجد النبوى كأن قلبى يخشى أن تنتهى لحظة الانتظار التى امتدت سنوات طويلة.
ثم رأيتها..
القبة الخضراء.
رأيتها فارتجفت روحى قبل جسدى.
توقفت قدماى، وتوقفت الكلمات، وتوقفت الدنيا كلها، فى تلك اللحظة أدركت أن الشوق الحقيقى ليس ما نقرؤه فى الكتب، بل ما يعصف بالقلب عندما يقف أخيرًا أمام من أحبه عمرًا كاملًا ولم يره.
لم أشعر بمن حولى، ولم أعد أسمع الأصوات، كان بينى وبين السماء حديث طويل من الحزن والفرح والحمد والشكر أحسست أن كل تعب العمر وكل أوجاع السنين وكل انكسارات الأيام تذوب فى تلك اللحظة كما يذوب السكر فى الماء، دخلت إلى المسجد وكلما اقتربت من الروضة الشريفة ازداد قلبى خفقانًا، كنت أشعر أننى أقترب من التاريخ من النور.. من القصة التى غيرت وجه البشرية إلى الأبد، من المحبة والاحترام والأخوة بين أهل المدينة والمهاجرين.. هذا أبو بكرٍ الصِّديق رضى الله عنه، وقد تآخى مع خارجة بن زهيرٍ. وعمر بن الخطَّاب، مع عتبان بن مالكٍ، وأبو عبيدة بن الجرَّاح، وسعد بن معاذ وعبد الرَّحمن بن عوفٍ، وسعد بن الرَّبيع. والزُّبير بن العوام، وسلامة بن سلامة بن وَقْشٍ. وطلحة ابن عُبيد الله، وكعب بن مالكٍ. وسعيد بن زيدٍ، وأُبيُّ بن كعبٍ، ومصعب بن عميرٍ، وأبو أيوبٍ خالد بن زيد ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعبَّاد بن بشر بن وَقْش، وعمَّار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وأبو ذرٍّ الغفاريُّ، والمنذر بن عمرو، وحاطب بن أبى بلتعة، وعُوَيم بن ساعدة، وسلمان الفارسي، وأبو الدَّرداء، وبلال مؤذِّن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو رُوَيْحة عبد الله بن عبد الرَّحمن الخَثْعميُّ.
هنا على هذه الأرض الطيبة مشى صاحب رسول الله سيدنا أبو بكر الصديق، والفاروق عمر، وسيدنا عثمان رضى الله عنه، والإمام على رضى عنه، أشتم ريح طيب يشبه رائحة الجنة.. إنه أسد الله سيدنا حمزة رضى الله عنه.
جلست طويلًا أقف على مسافة بعيدة، قبل أن أدخل المسجد حتى فقدت الإحساس بالزمن، ولأول مرة فى حياتى شعرت أن الروح يمكن أن تبكى من الفرح، كانت الدموع تنزل بلا استئذان، فى تلك اللحظات لم أطلب شيئًا من الدنيا، ولم أتذكر منصبًا ولا مالًا ولا شهرةً ولا نجاحًا، كل ما كنت أريده أن يطول الوقت..أن يتوقف الزمن..أن أبقى هناك إلى الأبد، فبعض الأماكن لا تزورها الأقدام فقط، بل تزورها الأرواح، وبعض اللحظات لا تُقاس بالدقائق، بل بما تتركه من أثر فى القلوب.
انتقلت الى مكة المكرمة محرمًا من ميقات المدينة وما إن وقع بصرى على البيت الحرام حتى شعرت أننى أقف أمام مركز العالم الروحى، بيت الله العتيق عظيم فى حضوره وهيبته، تهفو إليه القلوب قبل الأجساد.
فى طواف القدوم كان المشهد أبعد من أن يوصف بالكلمات، مئات آلاف من البشر من شتى الأجناس والألوان واللغات يدورون حول مركز الأرض وبوصلة الوصول الى البيت المعمور، حيث يجلس الخليل إبراهيم، يستعيد ذكريات القصة الأولى لبناء هذا البيت العتيق، رأيت قلوبًا جاءت من أقاصى الأرض، أعمار وألوان ولهجات مختلفة، تحمل الشوق ذاته وتتضرع إلى الله الواحد الأحد أن يغفر الذنوب وأن يستر العيوب وأن ترجع الأجساد كيوم ولدتها أمهاتها.. الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا.. وكل عام وأنتم بخير.. تحيا مصر.






