الصك إلى المستحق
أشرف أبو الريش
«بقالى ثلاث أيام بشتغل فى المجزر عشان بعمل حاجة بحبها، وعشان كل إخواتى من الأطفال ياكلوا لحمة فى العيد، وأنا عارف إن دى لحوم بتتوزع على الناس الغلابة فى الفيوم ومحافظات الجمهورية»، هكذا تحدث كريم، الذى يطلق عليه زملاؤه فى مجمع مجازر يوسف الصديق بالفيوم لقب «أصغر جزار فى مصر».
فى هذا التحقيق تتبعت «روزاليوسف» كل ما يتعلق بمشروع صكوك الأضاحي، من بداية الفكرة وحكمها الشرعي، مرورًا بشراء الصك عبر «الكول سنتر» الخاص بوزارة الأوقاف، وعبر عدة طرق أخرى من خلال البنوك ومؤسسات المجتمع المدني، لمعرفة بداية ونهاية مشروع صكوك أضاحى الوزارة، وصولًا فى النهاية إلى المستحقين من الأسر الأولى بالرعاية.
وجاءت نقطة البداية عبر دعوة كريمة من وزارة الأوقاف، ممثلة فى فضيلة الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، الذى يتابع كل التفاصيل الدقيقة الخاصة بمشروع صكوك الأضاحي، وغرفة العمليات، والكول سنتر المكلف بالرد على استفسارات المصريين فى الداخل والخارج، ولكل من يريد شراء صكوك الأضاحى والإطعام إلكترونيًا.

وتشهد وزارة الأوقاف نقلة نوعية فى مختلف القطاعات، وخصوصًا فى العنصر البشرى الذى ينهض بشتى جوانب وأركان المؤسسات التابعة للوزارة. وكان ذلك واضحًا فيما رأيناه من إخلاص منقطع النظير خلال الرحلة من القاهرة إلى مركز يوسف الصديق بمحافظة الفيوم، من طاقم العمل المكلف بهذه المهمة؛ حيث يعمل الجميع بجد وإخلاص لإنجاز المهمة على أكمل وجه، حتى تصل الأضاحى ولحومها فى أسرع وقت ممكن إلى الأسر الأولى بالرعاية، وإدخال البهجة والسرور إلى كل بيت مستحق فى مصر، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى بضرورة رفع المعاناة عن أهلنا فى القرى والنجوع المصرية.
أوضحت وزارة الأوقاف، من خلال الدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمى باسم الوزارة، حكم صكوك الأضاحى وشراء الأضحية إلكترونيًا، مؤكدًا أن الأضحية تُعد من أعظم القربات التى يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، وتجسيدًا لمعانى التقوى وشكر النعم، وامتثالًا لسنة النبى صلى الله عليه وسلم الذى حرص على تعظيم هذه الشعيرة وحث أمته عليها.
أضاف أن الأضحية من شعائر الله التى يحرص المسلمون على أدائها تعظيمًا لأمر الله تعالى، وإحياءً لسنة الخليل إبراهيم عليه السلام، وشكرًا لله على ما أنعم به من نعم لا تُحصى، ومنها تسخير الأنعام للإنسان.
قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
كما قال سبحانه: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ...﴾ [الحج: 36 - 37].
وقد بيّن النبى صلى الله عليه وسلم فضل الأضحية بقوله: «ما عمل آدمى من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم...» رواه الترمذي.

وردًا على سؤال: هل يشترط أن يضحى المسلم بنفسه أم يجوز له أن ينيب غيره؟ قال رسلان: يُستحب للمسلم أن يتولى ذبح أضحيته بنفسه إن استطاع، اقتداءً بالنبى صلى الله عليه وسلم، فقد روى أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يضحى بكبشين.
كما دلت السنة على جواز التوكيل فى الذبح، فقد ضحى النبى صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر، وهو ما يدل على جواز إنابة الغير فى أداء هذه الشعيرة، بشرط أن يكون الوكيل على دراية بأحكام الذبح الشرعي.
ويُستحب للمضحى إذا وكّل غيره أن يشهد ذبح أضحيته، لما ورد فى حديث عمران بن حصين رضى الله عنه بشأن توجيه النبى صلى الله عليه وسلم للسيدة فاطمة رضى الله عنها بشهود أضحيتها.
وأوضح المتحدث الرسمى باسم الوزارة، الدكتور أسامة رسلان، أنه مع تغير الظروف الاجتماعية وارتفاع أسعار الأضاحي، ظهرت وسائل حديثة تُمكّن المسلمين من أداء هذه الشعيرة دون مشقة، ومن أبرزها صكوك الأضاحى التى لاقت قبولًا واسعًا بين الناس.
وأشار إلى أن الصك فى اللغة يدل على الوثيقة المثبتة للحق، أما صك الأضحية فهو الوثيقة التى يحصل عليها الموكِّل مقابل دفع قيمة الأضحية، بما يشبه إيصال السداد.
وقد عرفت دار الإفتاء المصرية صك الأضحية بأنه: «عقد شراء للأضحية، وعقد توكيل بالذبح».
أما حكمه الشرعي، فقد أكدت دار الإفتاء المصرية جواز صكوك الأضاحي، واعتبرتها صورة من صور التوكيل المشروعة، حيث يجوز لمن تعذر عليه إقامة سنة الأضحية بنفسه أن ينيب جمعية خيرية أو جهة موثوقة للقيام بشراء الأضحية وذبحها وتوزيعها وفق الأحكام الشرعية.

وقال إن صكوك الأضاحى تتميز بعدة مزايا، من أبرزها: المساهمة فى أداء شعيرة الأضحية، خاصة فى المدن التى يصعب فيها الذبح، ودعم الأسر الأولى بالرعاية والأكثر احتياجًا، وخفض تكلفة التنفيذ مقارنة بالشراء الفردي، وتحقيق العدالة فى توزيع اللحوم، وتوفير كميات أكبر من اللحوم للمستحقين، فضلًا عن سهولة الحصول على الصكوك وإتمام الإجراءات.
وعن بيع وشراء صكوك الأضاحي، أوضح أنه يشترط فى الجهة التى تبيع الصكوك أن يكون القائمون عليها من المسلمين، وأن تتوافر فيهم الأمانة والخبرة بأحكام الأضحية، مع القدرة على تنفيذ مقتضيات الوكالة على الوجه الصحيح.
كما يشترط فى مشترى الصك أن يكون المال المدفوع من مصدر مشروع، وأن يستحضر نية الأضحية عند الشراء.
وعن حكم شراء صكوك الأضاحى إلكترونيًا «أون لاين»، قال: لا حرج شرعًا فى ذلك؛ لأن الأصل فى المعاملات الإباحة ما لم يرد دليل على المنع، ولأن هذا النوع من التعاقدات يظل صحيحًا متى استوفى أركان البيع وشروطه الشرعية.
وأكد الدكتور أسامة رسلان، فى تصريحات لـ «روزاليوسف»، أن صكوك الأضاحى تعد من الوسائل المعاصرة الجائزة شرعًا لأداء شعيرة الأضحية، لما تحققه من تيسير على المسلمين، ومساهمة فى إيصال اللحوم إلى مستحقيها، مع ضرورة توافر الأمانة فى الجهة الموكلة، واستحضار النية الصادقة من المضحي، بما يضمن استمرار هذه الشعيرة العظيمة وتحقيق مقاصدها الشرعية والاجتماعية.
وبعد معرفة الحكم الشرعى لفكرة شراء الصكوك فى العصر الحديث، ومن خلال مشاهدة الأمر على الطبيعة ورصد ما يحدث لأضاحى الأوقاف، ذهبت «روزاليوسف» فى ثالث أيام التشريق لمتابعة المراحل الأخرى للطرق الشرعية والعملية، من خلال شراء الأضاحى وذبحها وتجهيز لحومها وتوزيعها على الأسر المستحقة فى مختلف أنحاء الجمهورية.
وكشف رسلان، فى تصريحات خاصة لـ«روزاليوسف»، أن عدد رءوس الماشية التى ذبحتها الوزارة هذا العام وصل إلى 2000 رأس من الماشية البلدية الحية، مشيرًا إلى أن الأوقاف بدأت بعد أيام الذبح الشرعية، بداية من أول أيام العيد وأيام التشريق الثلاثة، أعمال التشفية والتعبئة والتجميد للحوم الأضاحى ضمن مشروع صكوك الأضاحي، تمهيدًا لنقلها عبر السيارات المبردة المجهزة، استعدادًا لتوزيعها على الأسر الأولى بالرعاية والمستحقين الحقيقيين بمختلف المحافظات.
ولفت إلى أن التوزيع لا يتم خلال أيام العيد؛ لأنها أيام الذبح والتجهيز، وبعد ذلك يتم التوزيع من خلال بروتوكول التعاون الموقع بين الوزارة وعدد من الوزارات الأخرى، وبالاعتماد على قواعد بيانات المستحقين، لتقديم اللحوم البلدية الطازجة للأسر الأولى بالرعاية.
أضاف أن جميع مراحل الذبح والتشفية والتجهيز تتم داخل المجازر المصرية المعتمدة، وتحت إشراف بيطرى متخصص، وفق أعلى المعايير الفنية والصحية والغذائية، مع الالتزام بتحديد نسبة الدهون بما لا يزيد على %7 وتعبئة اللحوم فى أكياس مدون عليها تاريخ الإنتاج والصلاحية، ثم حفظها داخل كراتين تحمل شعار وزارة الأوقاف، قبل تجميدها وتجهيزها للتوزيع.
وأكد أن مشروع صكوك الأضاحى يعتمد بالكامل على لحوم الأضاحى البلدية الطازجة التى يتم ذبحها داخل مصر، ولا يتضمن أى لحوم مستوردة مذبوحة أو مبردة من الخارج، مع الالتزام الكامل بالضوابط الشرعية والتنظيمية فى جميع مراحل المشروع، وأن التوزيع يتم فور انتهاء أيام الذبح الشرعية.
وأوضح أن مشروع صكوك الأضاحى يحقق أعلى استفادة للمستحقين، حيث يتحول ثمن الصك كاملًا إلى لحوم يتم توزيعها، دون تحميل المشروع أى مصروفات إدارية أو إعلانية، وذلك بفضل التعاون والتنسيق مع الجهات والمؤسسات الوطنية المشاركة فى تنفيذ المشروع.
وعلمت «روزاليوسف» أنه جارٍ حصر إجمالى عمليات بيع الصكوك لهذا العام، بقيمة إجمالية لا تقل عن 250 مليون جنيه، وأن اللحوم الجاهزة للتوزيع هذا العام لن تقل عن 800 طن من لحوم صكوك الأضاحى والإطعام، يستفيد منها مليون من الأسر الأولى بالرعاية، بالتنسيق بين وزارتى الأوقاف والتضامن الاجتماعي، وبالتعاون مع عدد من الجهات الشريكة، من بينها مؤسسة مصر الخير، والمجلس القومى للمرأة، والهلال الأحمر المصري، ومؤسسة حياة كريمة، ومائدة إفطار المطرية، والمحافظات المعنية، وفقًا لقوائم المستفيدين المعتمدة من وزارة التضامن الاجتماعي.
من جانبه، قال الدكتور هشام عبد العزيز، المشرف العام على مشروع صكوك الأوقاف، إن مشروع صكوك الأضاحى يُعد مشروعًا قوميًّا للدولة المصرية، والجميع يتشرف بالمشاركة فيه خدمةً للإنسان المصري، مشيرًا إلى أن وزير الأوقاف رسخ شعار: «خدمة الإنسان المصرى شرف لنا»، وهو الشعار الذى تنطلق منه جهود العاملين بالوزارة كافة.
أضاف أن العاملين بوزارة الأوقاف يحملون رسالة سامية تتجاوز حدود الوظيفة، قائلًا: «نحن لا ننظر إلى عملنا باعتباره وظيفة، بل رسالة جليلة، ونتشرف جميعًا بخدمة الشعب المصري، وعلى رأسه الأسر الأولى بالرعاية».
وأشار إلى أن الوزارة حرصت هذا العام على تطوير مشروع الصكوك من خلال عدد من الأفكار الجديدة، من بينها إنشاء مركز اتصال «كول سنتر» يعمل على مدار 24 ساعة يوميًا، بالتنسيق مع وزارة الاتصالات، عبر الخط الساخن 17779 لتلقى استفسارات المواطنين وتقديم الدعم اللازم لهم.
أضاف أن المركز ضم فريق عمل متكاملًا يعمل بنظام ثلاث ورديات على مدار اليوم، وتم تدريب أفراده على أعلى مستوى فى مجالات استقبال المكالمات وخدمة العملاء، مؤكدًا أن تجهيز المركز تم وفق أحدث التقنيات من حيث الأجهزة والتدريب والإعداد.
كما كشف عن ميزة جديدة تُطبق لأول مرة هذا العام، تتمثل فى حصول المضحى على نصيبه من الأضحية، موضحًا أن كل من يشارك فى الصك يحصل على 7 كيلوجرامات من اللحوم، يتم تجهيزها فى عبوات منفصلة تحمل شعار وزارة الأوقاف، وتوضع داخل كرتونة مخصصة للحفظ، بالإضافة إلى حقيبة حرارية تساعد على الحفاظ على اللحوم لفترات طويلة أثناء التنقل.
وأكد أن الوزارة أعدت نقاط توزيع متعددة لتيسير حصول المواطنين على أنصبتهم، متمنيًا أن يحقق المشروع أهدافه فى خدمة الأسر الأولى بالرعاية وإدخال البهجة على المستحقين خلال موسم عيد الأضحى المبارك.
أضاف أنه ولأول مرة فى وزارة الأوقاف يتم تقسيط الصك على عدة أشهر دون أية فوائد، وذلك من خلال توقيع بروتوكولات بين وزارة الأوقاف وبنك مصر والبنك الأهلى المصرى.






