الخميس 11 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
المرشد فى «نقاب».. قصة انهيار الأسطورة

المرشد فى «نقاب».. قصة انهيار الأسطورة

أثناء ثورة الثلاثين من يونيو وحين لاحت فى الأفق تباشير سقوط الإخوان، وانهيار حكمهم بعد فشلهم الكبير، لم يجد قادة الجماعة أمامهم سوى «الهروب الكبير»؛ فما إن تهاوى حُكمهم حتى تساقطوا الواحد وراء الآخر، ومعهم تهاوت أقنعة دامت لعقود، حينئذ كان «الهروب الكبير» هو الفصل الأول فى مسرحية السقوط، لم يكن فرارهم مجرد انحناء للعاصفة، بل كان إقرارًا ضمنيًا بهشاشة بناء شُيّد على أوهام الدعاية والخطاب التعبوى لا على أصول راسخة، وحين اصطدمت هذه الأسطورة الوهمية بصخرة الواقع، تجلت الحقيقة عارية: لقد كان مشروعهم غلافًا سميكًا من الخواء، وكانت «النجاة للرءوس» هى العقيدة الوحيدة التى صمدت لحظة الاختبار، وقتها كان شعارهم هو المثل العربى القائل: «انج سعد.. فقد هلك سعيد».



ومنذ فض اعتصام رابعة، بدت الخطة واضحة فى دهاليز القيادة، عنوانها الرئيسى هو التضحية بالصغار فى الميدان وتأمين خروج الكبار هروبًا من الاعتصام الإرهابى الذى صنعوه بالسلاح والمتاريس والشحن المعنوى، لكن المشهد كان يحمل دلالة أعمق من مجرد ملاحقات أمنية؛ فقد كانت مصر تسترد وعيها بعد دهور من خلط الدين بالسياسة، وكان القناع يسقط عن تنظيم كامل، لا عن أفراد متفرقين.

وفى وسط هذا المشهد تحول «المرشد» محمد بديع، رمز العصمة المزعومة، والجهاد الوهمى، إلى رجل هارب متخف فى خمارٍ ونقاب وجلباب للسيدات، خرج كأنه أخت، وانتهى به الحال مختبئًا فى شقة متواضعة، شاهدًا على احتراق الحلم الذى ساهم بنفسه فى هندسته بيده، ليُنتزع من سرداب وهمه ويواجه الواقع بلا رتوش.

وخيّب خيرت الشاطر، «العقل المدبر»، الظنون؛ إذ وجد نفسه مجرد رقم فى دفاتر الدولة التى ظن أنه قادر على تطويعها، مبرهنًا أن السلطة لا تُدار بمنطق التنظيمات الموازية. وتوالى سقوط الرموز، فتكرر المشهد مع عصام العريان، الذى قبض عليه فى جنوب الجيزة فى مأوى لا يليق بغروره ولا بابتسامته الساخرة، بعد أن كان يخاطب الجماهير بثقة الأنبياء، وصفوت حجازى، واعظ «النصر أو الشهادة»، قبض عليه متخفيًا على طريق الواحات، حليق الذقن، مصبوغ الشعر، متنكرًا لسمت «المجاهد» الذى تاجر به طويلًا، وحين أطبق عليه الأمن، لم ينطق «الله أكبر»، بل قال بلسان مرتجف: «أنا لست من الإخوان وأنا معترض على طريقتهم!».

لقد كان هذا السقوط ضربة قاصمة للبنية العضوية للتنظيم الذى تأسس على «الرمز» أكثر من «الفكرة». ومع غياب الرمز، تفتت الجسد التنظيمى، وتسلل الشك إلى الصفوف، وانقسمت الجماعة داخل مصر بين أولوية الثأر  الذى قام على الجهل، وأولوية البقاء الذى قام على حطام التنظيم.

وفى المقابل، كانت دول المنافى تفتح أبوابها؛ حيث وجد البعض ملاذًا ليعيدوا إنتاج الجماعة بثوب المنفى. عُقدت الاجتماعات، وتدفقت الأموال من خزائن سياسية، وبدأت عملية بناء كيان إعلامى مواز، فقنوات كـ «الشرق» و«مكملين» و«وطن» لم تكن مشاريع إعلامية، بل أدوات ناعمة لحرب طويلة بُنيت من لحم الجماعة ودمائها وأكاذيبها القديمة.

أما الأعضاء، فقد تفرقوا، فمنهم من لاذ بالخارج وانكفأ على نفسه، ومنهم من انتحر معنويًا حين أدرك أنه كان أداة فى مسرحيةٍ كتبها غيره، ومنهم من ظل يعيش دور المجاهد فى الميليشيات بتوجيه من قيادات تعيش فى الرفاهية، بينما تحول البعض إلى «كتائب إلكترونية» تنشر الشائعات والأكاذيب والخداع دون أن يكون لديهم أى ولاء للوطن، فالولاء صار سلعة، والنكبة صارت فرصة يغنمون من ورائها.

وهنا اتخذت الخيانة وجوهًا أخرى؛ فمن كانوا يتباكون فى رابعة ويصنعون المظلومية صاروا مذيعين فى إسطنبول، يتقاضون رواتب بالدولار، بينما تُعرض صور القتلى - التى تمت فبركتها - بدم بارد على الشاشات كسلعة ترويجية، ومع توافد المال، تفجر النزاع؛ فتشكلت جبهات متناحرة، كجبهة محمود حسين فى إسطنبول، وجبهة إبراهيم منير فى لندن ثم وريثه صلاح عبد الحق، يتبادلون الاتهامات بالسرقة والضلال، والكل يتحدث باسم «الإخوان» ويقول أنا الإخوان ولا إخوان سواي، فالمرتزقة يبحثون عن الممول، والممول لن ينفق إلا على صاحب التنظيم. 

هذا الصراع جعلهم لا يجتمعون على حق، بل تفرقوا على الباطل، والكل يبحث عن الحصص والغنائم، وأصبحت القنوات غرف عمليات للشتيمة والشقاق، بينما كان شبابهم فى الخارج يغرق فى البطالة والعوز، والمليارات تُنفق على قصور قادة «البسفور» وسياراتهم الفارهة.

ثم كان السقوط، لم يسقطوا فى 3 يوليو، بل كانوا ساقطين منذ لحظة قرروا فيها أن الله وسيلة، وأن الدين مشروع سلطة، وأن الدعوة ليست إلا جسرًا للوصول إلى كرسى، وهكذا انتهت أسطورة «الرجال الذين لا يُهزمون»، لتبدأ حكاية التنظيم الذى ظل دهرًا يزعم امتلاك مفاتيح التمكين، فإذا به يُضبط متلبسًا وهو يحاول فتح أبواب النجاة بمفاتيح صدئة كانت تسوسها الأوهام.

إن الجماعة لم تُهزم بالمواجهات الأمنية والشعبية، بل انهارت تحت ثقل زيفها؛ سقطت فى اللحظة التى أرادت فيها أن تكون فوق الدولة وفوق الناس، وإن كان لكل نكسة شرف، فهزيمتهم بلا شرف؛ لا لأنهم سقطوا، بل لأنهم أرادوا للوطن أن يهوى معهم. والآن فقط، وقد طويت صفحة القادة فى الملاجئ، بات للتاريخ أن يتنفس، وبات للحقيقة أن تُروى كما هى، لا كما أرادوا لها أن تكون.