الخميس 11 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

بين المظلومية والعنف

إحباط مشروع «الكيان الموازى» فى «رابعة» و«النهضة»

لم تكن ثورة 30 يونيو 2013 مجرد لحظة سياسية عابرة فى تاريخ مصر الحديث، بل مثلت – حسب ما يراه عدد من الباحثين المتخصصين فى شئون الجماعات الإسلامية – نقطة كاشفة لطبيعة مشروع جماعة الإخوان الإرهابية، وحدود تعاملها مع الدولة والمجتمع، كما أظهرت أن ما جرى فى اعتصامى رابعة العدوية والنهضة لم يكن مجرد حراك احتجاجى، وإنما نموذج مركب لاستخدام الحشود كأداة للصدام، ثم إعادة توظيف نتائج هذا الصدام فى بناء سرديات سياسية وإعلامية لاحقة.



إجهاض مخططات الجماعة

فى هذا السياق، يؤكد الدكتور عمرو عبدالمنعم، الباحث المتخصص فى شئون الجماعات الإسلامية، أن جماعة الإخوان الإرهابية حاولت إجهاض ثورة 30 يونيو 2013 عبر ما يُعرف باستراتيجية «الحشود»، من خلال استدعاء آلاف من عناصرها إلى ميدانى رابعة والنهضة قبل مظاهرات الثورة، بهدف توجيه تلك الكتل البشرية نحو ممارسة العنف والإرهاب ضد المتظاهرين السلميين، بما يعكس – وفق رؤيته – نمط ثابت فى سلوك الجماعة يقوم على توظيف الحشد كأداة ضغط ومواجهة.

ويرى عبدالمنعم أن هذا النمط يكشف عن نهج متجذر لدى الجماعة فى التعامل مع الخصوم، حيث لا يُنظر إلى العنف باعتباره استثناءً، بل كأداة قابلة للاستخدام وفقًا لسياق الصراع مع الدولة، يتم تفعيلها أو تجميدها بحسب تطورات المشهد السياسي. 

ويضيف أن اعتصامى رابعة والنهضة شكّلا فى هذا الإطار نقطة انطلاق لتصورات أوسع استهدفت البنية التحتية للدولة، تلت فض الاعتصامين، وشملت محاولات استهداف أبراج الكهرباء وشبكات السكك الحديدية والإنترنت وأبراج التحويل الخاصة بمدينة الإنتاج الإعلامى، إلى جانب تعطيل الطرق والكبارى.

ويشير إلى أن هذه التحركات توسعت – بحسب قوله – بإشراف وتخطيط عدد من القيادات، من بينهم محمد عطية وهدان ومحمد سعد عليوة ومحمد عبد اللطيف الحليسى، حيث طالت محاولات الاستهداف الطرق والمقرات الشرطية والأمنية فى عدد من المحافظات، إلا أن تلك الخطط لم تُكتب لها الاستمرارية نتيجة خلافات داخلية بين القيادات حول جدوى التصعيد العسكرى الميدانى.

وفى السياق ذاته، يلفت إلى أن الحشود فى رابعة والنهضة لم تُستخدم فقط كأداة ضغط سياسى، بل تحولت – وفق رؤيته – إلى بيئة جرى من خلالها الدفع باتجاه تشكيل خلايا نوعية، قادها محمد كمال، عضو مكتب الإرشاد، بهدف تنفيذ عمليات عنف وسفك دماء، استنادًا إلى تأويلات فكرية وفّرت غطاءً تنظيميًا وأيديولوجيًا، من بينها ما عُرف بوثيقة «فقه المقاومة الشعبية». 

ويضيف أن هذا المسار أسفر عن إعادة توجيه بعض العناصر المنخرطة فى الاعتصام نحو مسارات أكثر تطرفًا، مع ما ترتب على ذلك من انقسامات داخل الجماعة، وصولًا إلى انتقال بعض العناصر لاحقًا إلى تنظيم داعش.

ويختتم عبدالمنعم رؤيته بالتأكيد أن 30 يونيو مثلت لحظة فارقة أعادت ضبط العلاقة بين الدولة والإسلام السياسى الحركى والتنظيمى، وأسهمت فى – بحسب وصفه – إفشال المشروع الإخوانى، الذى سعى إلى توظيف الحشود كأداة للسيطرة السياسية وإعادة تشكيل الدولة.

الحشد والتعبئة

ومن زاوية أخرى، يطرح الباحث والكاتب المتخصص فى شئون الإرهاب والفكر الدينى هشام النجار قراءة مختلفة لظاهرة الاحتشاد فى رابعة والنهضة، معتبرًا أنها لا تنفصل عن البنية الأيديولوجية للجماعة، بل تعكس امتدادًا لتراكمات فكرية وتنظيمية تأثرت بها عبر مراحل تطورها.

ويشير النجار إلى أن مفهوم الحشد والتعبئة داخل الجماعة استلهم عناصر متعددة من نماذج ثورية، من بينها ما يرتبط بفكرة «المظلومية التاريخية» والرمزية الكربلائية، بما تتضمنه من توظيف للمشاعر الجمعية فى بناء حالة تعبئة سياسية وتنظيمية، يتم من خلالها حشد الأنصار حول أهداف محددة.

كما يوضح أن المشروع الإخوانى استفاد من تجارب الحركات الإسلامية فى توظيف خطاب المظالم الاجتماعية والسياسية، وتقديم الجماعة باعتبارها طرفًا دائم التعرض للاضطهاد فى مواجهة الدولة، وهو خطاب اعتمد – بحسب تحليله – على روايات ومزاعم كاذبة بهدف تأجيج المشاعر وتوسيع نطاق الاستقطاب، خصوصًا فى الفترة التى سبقت وتلت ثورة 30 يونيو 2013، بما ساهم فى الحفاظ على تماسك القواعد التنظيمية.

ويؤكد هشام النجار أن قيادات الجماعة كانت تدرك طبيعة المآلات المحتملة لاعتصامى رابعة والنهضة، وما قد ينجم عنهما من مواجهة مفتوحة مع مؤسسات الدولة، إلا أن خيار التصعيد ظل حاضرًا، ليس باعتبارات إنسانية أو حفاظًا على الأرواح، وإنما باعتبار ما قد ينتج عن المواجهات من خسائر بشرية يمكن توظيفها لاحقًا فى دعم الخطاب السياسى والإعلامى للجماعة داخليًا وخارجيًا.

ويضيف أن الجماعة لجأت إلى إنتاج روايات إعلامية متباينة، شملت – وفق وصفه – توظيف مشاهد ومزاعم غير دقيقة بهدف التأثير فى الرأى العام، وتقديم سردية داعمة لموقفها السياسى، معتبرًا أن ذلك يعكس نمطًا من توظيف الحدث لصناعة مكاسب دعائية تتجاوز حقيقة الوقائع.

ويختتم النجار حديثه بالإشارة إلى أن تلك المرحلة كشفت عن فجوة واضحة بين خطاب الجماعة وممارساتها، حيث جرى – بحسب قوله – تأمين بعض القيادات لمواقعها، بينما تُركت القواعد التنظيمية فى مواجهة المصير الميدانى، وهو ما يراه سلوكًا يتقاطع مع أنماط معروفة فى بعض التنظيمات المتطرفة التى تعطى الأولوية لبقاء القيادة واستمرار البنية التنظيمية.

صناعة المظلومية

من جانبه، يرى الباحث باهر عبد العظيم أن تحركات جماعة الإخوان فى ميدانى رابعة والنهضة كانت تهدف إلى تحويل الحشود إلى أدوات صدام مباشر، عبر تعبئة عاطفية وعقائدية مكثفة، جرى توظيفها فى مواجهة المصريين وإفشال الحراك الشعبى فى 30 يونيو.

ويضيف أن الخطاب التعبوى للجماعة ربط بين بقاء التنظيم والدفاع عن العقيدة، بما حوّل الاعتصامين إلى مساحات مغلقة خارج سيادة الدولة، صاحبتها مظاهر تسليح وتحريض علنى من المنصات، بهدف الضغط على الدولة سياسيًا وإقليميًا ودوليًا.

ويرى أن فشل هذا المسار دفع الجماعة إلى تبنى ما يسميه «صناعة المظلومية»، عبر توظيف الإعلام والشبكات العابرة للحدود فى شن حملات سياسية ونفسية ضد الدولة المصرية، بهدف تشويه صورتها والتأثير على مسارها التنموى والاقتصادي.

ويختتم بالإشارة إلى أن استثمار الجماعة فى سردية المظلومية، سواء عبر الإعلام أو عبر تعبئة الداخل التنظيمى، يعكس – فى تقديره – نهجًا انتهازيًا قائمًا على توظيف الأحداث والخسائر فى خدمة أهداف سياسية وتنظيمية، وهو ما واجهته الدولة عبر تعزيز مؤسساتها وتبنى استراتيجية شاملة لمواجهة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه.