ثروت الخرباوى
من العالم الموازى: ماذا لو لم تقم ثورة الثلاثين من يونيو؟
ثمة أسئلة يظل التاريخ عاجزًا عن الإجابة عنها إجابة قاطعة، لكنها تبقى قادرة على إضاءة كثير من حقائقه, ولعل سؤال «ماذا لو؟» هو أكثر الأسئلة إثارة للعقل، وتحريفًا للخيال خاصة حين يتعلق بلحظة فاصلة غيّرت مصير وطن بأكمله.
ومن ماذا لو ننطلق إلى أهم «لو»، لنفكر ونتخيل معًا : ماذا لو لم تأتِ الثلاثون من يونيو؟ ماذا لو استمر المشهد العبثى على حاله، وظلت مصر تدور فى الدائرة ذاتها دون أن يقع ذلك التحول الكبير الذى أعاد رسم موازين القوة فى الدولة؟
إن محاولة الإجابة عن هذا السؤال لا تنطلق من الخيال فقط ، بل من قراءة المسار الذى كانت تسير فيه البلاد آنذاك، ومن تحليل الوقائع السياسية والأمنية والاقتصادية التى كانت تتراكم يومًا بعد يوم, فالأحداث الكبرى لا تقع فجأة، وإنما تنضج مقدماتها حتى يصبح وقوعها أقرب إلى الحتمية التاريخية.
بالنسبة لى كنت وما زلت أؤمن بأن ثورة الثلاثين من يونيو لم تكن حدثًا عارضًا أو احتمالًا من بين احتمالات عدة، بل كانت نتيجة طبيعية لمسار بلغ حدوده القصوى، ولو لم تقع فى ذلك اليوم، لوقعت بعده بأسابيع أو أشهر، لأن أسبابها كانت تتزايد ولا تتراجع، غير أن تأخرها كان سيعنى أن الشعب المصرى كان سيتكبد ثمنًا أفدح, فكل يوم إضافى من الاحتقان كان ينذر بمزيد من الانقسام، وباحتمال انزلاق البلاد إلى مواجهات واسعة النطاق، تتجاوز الخلاف السياسى إلى صدام مجتمعى، ودمار يصعب ترميم آثاره لعقود طويلة.
ففى مثل هذه اللحظات المضطربة، يضعف الحوار وتتقدم أدوات الإكراه، وكان المشهد ينذر بتصاعد حدة الاستقطاب، واتساع دائرة التخوين والتكفير والإقصاء، إذ أن الحكم لدى الإخوان هو معركة وجودية، واستمرارهم فى هذا النهج كان سيقود الدولة المصرية لا محالة إلى حافة حرب أهلية؛ فالميليشيات الإخوانية المسلحة التى لا ترى فى الدولة إلا وعاءً للتمكين، كانت ستدفع بالبلاد إلى مواجهات دموية لحماية مكتسباتها السلطوية، معتبرة أى صوت معارض عدوًا يجب إقصاؤه بالقوة. وهكذا، وبدلًا من أن تكون الدولة حكمًا بين أبنائها، كانت ستتحول إلى ساحة معركة، حيث تُنتهك سيادة القانون، وتُستباح دماء المواطنين فى سبيل استمرار حكم جعل من «بقاء الجماعة» أولوية تسبق استقرار الأمة وبقاءها.
أما الحلم الأكبر عند الإخوان الذى ظهر جليًا منذ الشهور الأولى لحكمهم هو القضاء على «القضاء» فقد كانوا يسعون إلى إعادة هندسة الدولة، وإعادة توزيع السلطة داخلها بما يضمن بقاء الجماعة فى موقع الهيمنة.
ولذلك كان القضاء فى مقدمة المؤسسات المستهدفة، ولو استمروا فى الحكم لكان من المرجح أن يتم المضى فى مشروع تخفيض سن تقاعد القضاة، بما يؤدى إلى خروج آلاف القضاة من مواقعهم دفعة واحدة، وهو ما كان سيخلق فراغًا مؤسسيًا هائلًا يسمح بإعادة تشكيل السلطة القضائية بصورة تضمن هيمنتهم عليها بشكل كامل.
ومع اتساع دائرة الاستقطاب، كانت الأفكار المتعلقة بإنشاء «محاكم ثورية» أو «استثنائية» ستجد بيئة أكثر ملاءمة للتنفيذ، الأمر الذى كان سيؤدى إلى ظهور منظومة عدالة موازية، تُستخدم فى تصفية الحسابات السياسية تحت شعارات الثورة أو حماية الشرعية.
أما جهاز الشرطة، فكان سيواجه تحديًا وجوديًا لا يقل خطورة، فالدولة الحديثة تقوم على احتكارها المشروع لأدوات إنفاذ القانون، وأى مساس بهذا المبدأ يفتح الباب أمام الفوضى وتعدد مراكز القوة، ولو استمر هذا النهج الإخوانى، لكان من المحتمل أن نشهد خروج أعداد كبيرة من القيادات الأمنية ذات الخبرة، وإعادة بناء الجهاز على أسس الولاء السياسى بدلًا من معايير الكفاءة المهنية والانتماء الوطنى.
والأخطر من ذلك، أن فكرة إنشاء أطر أمنية موازية تحت مسميات دينية أو ثورية مختلفة.
أما المؤسسة العسكرية، فقد كانت تمثل العقبة الأكبر أمام أى مشروع يهدف إلى إعادة صياغة الدولة على أسس تنظيمية أو أيديولوجية، فالقوات المسلحة المصرية تقوم على عقيدة وطنية راسخة، وعبر التاريخ كانت حامية للدولة لا لطرف سياسى بعينه، ومن ثم، فإن أى محاولة لإنشاء قوة عسكرية موازية، تحت أى مسمى، كانت ستفتح الباب أمام أخطر سيناريو يمكن أن تواجهه الدول، وهو وجود جيشين داخل وطن واحد، وهو الأمر الذى حدث فى لبنان وترتب عليه إضعاف جيشها الرسمى، وكانت النتيجة المحتملة لهذا المسار هى انتقال الخلاف السياسى من المجال المدنى إلى المجال العسكري.
وبنفس الطريقة فإن الأمر كان سيمتد إلى محاولة إعادة تشكيل البنية المؤسسية للدولة المصرية ، بحيث تصبح مؤسسات الدولة أدوات لحماية السلطة لا مؤسسات وطنية تقف على مسافة واحدة من الجميع، وعند هذه النقطة كان سيصل الأمر إلى إلغاء الأحزاب السياسية والإبقاء على حزب الإخوان فقط لإعتقادهم أنهم هم حزب الله .
أما فى الاقتصاد فإن الأسواق والاستثمار والإنتاج لا يعرفون لغة الشعارات، وإنما كل هذا يستجيب للاستقرار والثقة، ولو استمرت حالة الاضطراب السياسي، لكان الاقتصاد أول الضحايا، فالاستثمار يهرب من بيئة غير مستقرة، والسياحة تتراجع مع أول إشارة إلى الخوف، والعملات الوطنية تدفع ثمن الأزمات السياسية قبل غيرها.
وربما يظل سؤال «ماذا لو لم تكن الثلاثون من يونيو؟» سؤالًا مفتوحًا أمام المؤرخين والباحثين، لكن الثابت فى يقين المصريين أن مصر كانت ستثور مهما تبدلت الأيام وتغيرت التواريخ، لأن الأسباب التى دفعت الجماهير إلى الخروج كانت قد بلغت من العمق والاتساع ما جعل لحظة الانفجار أمرًا لا مفر منه.
وإلى اليوم، لا تزال الثلاثون من يونيو حدثًا تتجاوز دلالته حدود التغيير السياسي؛ فما جرى فى ذلك اليوم لم يكن مجرد انتقال للسلطة، بل لحظة أعادت رسم مسار الدولة المصرية وفتحت فصلًا جديدًا فى تاريخها الحديث.
وإذا كانت الثورات تنتهى بسقوط نظام أو رحيل سلطة، فإن ثورة الثلاثين من يونيو، لا تزال مستمرة بمعناها الأعمق؛ أى بوصفها عملية متواصلة لحماية الدولة الوطنية وصون مؤسساتها ومواجهة كل المحاولات التى تستهدف إضعافها أو العبث باستقرارها. فالتحديات لم تنته، والمخططات الموجهة ضد الدولة المصرية لم تتوقف، ولذلك تبقى روح الثلاثين من يونيو حاضرة، باعتبارها يقظة وطنية دائمة وإرادة مستمرة فى الدفاع عن الوطن ومستقبله.










