ليلة سقوط الفئة الضالة
مصطفى أمين عامر
شكلت قرارات 3 يوليو ردًا استباقيًا ضد جماعة الإخوان الإرهابية ومحاولتها جر المجتمع المصرى نحو الاحتراب الأهلي، كما أحبطت تصريحات وخطابات العنف والدم التى روج لها قادة الجماعة وحلفاؤهم، فى اعتصامى رابعة العدوية والنهضة، والتى قال فيها الإرهابى صفوت حجازى «اللى هيرش مرسى بالمية.. هنرشه بالدم»، وربط فيها القيادى بالإرهابية محمد البلتاجى أحداث الإرهاب فى سيناء بعودة مرسى، قائلا«: إن ما يحدث فى سيناء هو رد فعل ويتوقف فى الثانية التى يعلن فيها الفريق السيسى تراجعه وعودة الرئيس إلى ممارسة مهامه»، علاوة على تهديد طارق الزمر القيادى فى الجماعة الإسلامية والمتحالف مع الإخوان للمتظاهرين بقوله «إن اللى نزلوا يهددوا الشرعية سنسحقهم فى 30 يونيو» ، وأخيرًا وليس آخرًا توعد الإخوانى صلاح سلطان المصريين قائلاً : «إن مصر مليئة بالاستشهاديين، ومنع المعتصمين أو فضهم بالقوة سيواجه بقطع الشرايين الحيوية للدولة».
قال الدكتور القس رفعت فتحى، إن الثالث من يوليو 2013 بالنسبة لقطاع واسع من المصريين فى مقدمة المحطات الفاصلة فى مسيرة الدولة المصرية، حيث كان استجابة لإرادة شعب خرج دفاعًا عن وطنه، خشيةً من مستقبل بدا غامضًا ومليئًا بالمخاطر، حيث سبقته أحداث سياسية مليئة بالاستقطاب الحاد، والانقسام المجتمعى، وتصاعدت خلالها المخاوف من أن تُختزل الدولة فى مشروع جماعة، وأن يتحول الاختلاف السياسى إلى صراع وجودى بين أبناء الوطن الواحد.
وشدد على أنه عندما امتلأت الميادين فى الثلاثين من يونيو بملايين المصريين، كان ذلك إعلانًا بأن مصر أكبر من أى تنظيم، وأن الدولة الوطنية ليست ملكًا لفصيل، وإنما حق لكل مواطن ، وجاءت قرارات الثالث من يوليو، لتغلق الباب أمام احتمالات كانت تنذر بانزلاق البلاد إلى مصير مجهول، فى منطقة كانت قد دفعت فيها دول عديدة ثمن الفوضى والاقتتال الداخلى، ولم يكن هذا القلق وليد الخيال، بل غذّته حالة الاحتقان، والخطاب السياسى المتصاعد، والتصريحات التى صدرت عن قيادات جماعة الإخوان الإرهابية ، والتى كانت تهديدا مباشرا بالتصعيد والعنف إذا لم تعد الجماعة إلى الحكم وكان استمرار اعتصامى رابعة والنهضة، يعنى أن تصبح الشوارع ساحة مواجهة، وأن يتحول الخلاف السياسى إلى نزاع يهدد المجتمع بأسره.
وشدد على أنه فى تلك اللحظة الدقيقة كان للمسيحيين المصريين موقف يستحق أن يُروى للأجيال فقد وقفوا مع ثورة الثلاثين من يونيو لا لأنهم كانوا يبحثون عن امتياز، ولا لأنهم كانوا يخاصمون فريقًا سياسيًا بعينه، وإنما لأنهم رأوا فى الدفاع عن الدولة دفاعًا عن مستقبل وطنهم، بل أن موقفهم كان نابعًا من إيمان عميق بأن محبة الوطن ليست شعارًا يُرفع، بل مسئولية تُحمل، وأن الانتماء الحقيقى يُقاس بما يقدمه الإنسان لوطنه فى أوقات الخطر، وكانوا يدركون أن نجاح الثورة لم يكن مضمونًا، وأن فشلها قد يجعلهم من أكثر الفئات عرضة للانتقام والاستهداف، ومع ذلك، لم يتراجعوا، لأنهم آمنوا أن الأوطان لا يحميها الصمت، وأن الخوف لا يصنع مستقبلًا، ولقد خاطروا من أجل مصر، لا من أجل أنفسهم، ووضعوا سلامة الوطن فوق كل اعتبار.
واعتبر أنه بالرغم من موجة الاعتداءات على الكنائس والمنشآت المسيحية، فى مشهد مؤلم كشف حجم الاحتقان الذى عاشته البلاد آنذاك، لم يكن الرد دعوة إلى الانتقام، بل كان نداءً إلى التمسك بالوحدة الوطنية، وضبط النفس، والإيمان بأن النار لا تطفئها نار، وأن مصر لا تُبنى إلا بجميع أبنائها، مسلمين ومسيحيين، وأن الدولة لا تسقط فى يوم واحد، وإنما حين تتراجع قيمة المواطنة، ويعلو صوت الجماعة على صوت الوطن، وتُستبدل لغة الحوار بمنطق الإقصاء والتهديد، أما الأوطان، فإنها تبقى حين يلتف أبناؤها حولها، ويؤمنون أن اختلافهم لا يجوز أن يكون سببًا فى ضياعها.
واختتم حديثه بقوله: « يبقى الثالث من يوليو 2013، بالنسبة لمن يرونه محطة إنقاذ للدولة المصرية، شاهدًا على لحظة اختار فيها المصريون الدولة على الفوضى، والوطن على الانقسام، والمستقبل على المجهول وستظل مصر، مهما تعاقبت الأزمات، أكبر من كل الجماعات، وأبقى من كل الصراعات، لأنها قامت عبر تاريخها على حضارة تجمع أبناءها، لا على مشروع يفرق بينهم».
وقال طارق أبو السعد، الخبير فى شئون الجماعات المتطرفة، إن أحداث «3 يوليو» هى الابنة الشرعية والنتيجة الطبيعية لثورة «30 يونيو»، وأن هذا التاريخ يمثل اللحظة التى تحرّك فيها الدرع الحامى للدولة المصرية لإنقاذها من نفق مظلم من الاحتراب الداخلى الذى خططت له جماعة الإخوان الإرهابية، التى أحدثت منذ صعودها فى عام واحد انقسامًا حادًا داخل شرائح المجتمع المصرى، وكانت لديها نية واضحة لجرّ البلاد نحو صدام أهلى؛ فالجماعة بطبيعتها وعقيدتها تقف ضد مفهوم الدولة المصرية واستقرارها وتنميتها، وضد اللحمة الواحدة للمجتمع المدنى.
وشدد على أن هذا العداء للدولة ليس وليد اللحظة، بل هو ممتد تاريخيًا منذ تأسيس الجماعة على يد حسن البنا، مرورًا بالأربعينيات والخمسينيات، وصولاً إلى تنظيم 1965 بقيادة سيد قطب، والذى اعترف بوضوح بالتخطيط لعمليات إرهابية وشراء شاحنات سلاح وتفجير القناطر الخيرية واعتبر نفسه مع الإخوان « الفئة المؤمنة» فى مواجهة مجتمع ودولة كافرة، مما عكس عمق عدائهم للوطن”.
وأشار إلى أن فترة حكم محمد مرسى وعقب أحداث 25 يناير، كان الإخوان يسوقون المجتمع عمدًا نحو الاحتراب الداخلى وهدم المؤسسات الوطنية من الداخل، وكان الهدف الاستراتيجى للجماعة هو إضعاف مؤسسات الدولة حتى تصبح هشة وفاقدة للسيادة، ليكون القرار المصرى مرهونًا بإرشاد الجماعة وليس بأيدى المصريين ولذلك كانت ثورة 30 يونيو غضبة شعبية عارمة، وتلاها بيان 3 يوليو كتدخل وطنى صحيح وسليم من القوات المسلحة لبتر هذا الورم الخبيث من جسد المجتمع.
وأوضح أن عزل مرسى كان البداية الحقيقية لانكشاف الوجه القبيح للجماعة، وأثبت أن انحياز القوات المسلحة للإرادة الشعبية كان قرارًا تاريخيًا وصحيحًا وفى توقيته تمامًا ولولا هذا التدخل الحاسم، لكان الإخوان قد أحرقوا مصر وسلّموها بسياسة «الأرض المحروقة لأى قوى خارجية تتلقفها، فقد كان هدفهم إما الحكم أو الدمار».
وشدد على أن الوعى الجمعى للشعب المصرى بات حصنًا منيعًا؛ حيث يرفض المصريون اليوم وبشكل قاطع أى عودة للجماعة، سواء علنًا أو سرًا، وتحت أى غطاء أكان دعويًا أو خيريًا ،وأى محاولة لإعادة إنتاج أى كادر إخوانى ستصطدم برفض شعبى عارم.
واختتم حديثه بالإشارة إلى ما بعد 3 يوليو، حيث ظهر الإرهاب الإخوانى عبر الاعتداء على الكنائس، ودور العبادة، وأقسام الشرطة، وحرق مبانى المحافظات، وتحويل اعتصامى “رابعة والنهضة” المسلحين إلى بؤر لإحداث انشقاق مجتمعى وتهديد الحدود والسيطرة على مقدرات الدولة، ولولا حكمة القيادة السياسية والقوات المسلحة فى التعامل مع هذا الخطر فقطعت الطريق على تداعيات كارثية، لتظل “3 يوليو” هى الدرع الحامى ولولاها لما تحققت التنمية والاستقرار الذى تعيشه مصر اليوم.










