رشاد كامل
روزاليوسف ومعركة الديون الرهيبة!
يومًا بعد يوم كانت خسائر «روزاليوسف» فى ازدياد مستمر، وزاد حزب الوفد من حربه عليها مما كبدها خسائر مالية فادحة، ومن أمثلة هذه الحرب عندما كان أعضاء اللجان الوفدية يتربصون للجريدة والمجلة ويخطفونها من الباعة ويمزقونها، مما جعل الكثير من الباعة لا يعرضون الجريدة والمجلة للبيع!
ورفضت روزاليوسف كل العروض المادية التى عرضت عليها لتغيير مبادئها وعقيدتها أكثر من مرة! ومنها رشوة قيمتها خمسة آلاف جنيه عرضتها دار المندوب السامى البريطانى لوقف الهجوم على وزارة توفيق نسيم باشا التى كان يقودها العقاد بمقالاته كل يوم فى الجريدة!
كما رفضت عرضًا من حكومة محمد محمود باشا رئيس الحكومة بدفع مبلغ شهرى كبير نظير وقف الحملة على حكومته!
وتقول «روزاليوسف»: لو قيست التعويضات بمقدار التضحيات لجاءت روزاليوسف فى المقدمة وهى التى لم يكن يمر بها عام تفلت فيه من المصادرة إلا قليلًا، ولكن لأنها لم تكن خاضعة لحزب يرعى مصالحها، صُرف لها - من حكومة على ماهر - خمسمائة جنيه، فى حين صُرف مبلغ سبعة آلاف جنيه مثلًا لجريدة أخرى كان كل ما تحملته من تضحيات المعركة لوح زجاج واحد انكسر فى إحدى المظاهرات.
وقد كان من جراء ذلك كله أن أحاطت بى أزمة طاحنة لم يمر بى مثلها قط حتى لا أكاد أحسب اليوم الواحد من أيامها بسنة كاملة من عمرى، وكانت الأزمة مزدوجة أزمة فى المال وأزمة فى الأخلاق!
أما أزمة المال فقد وصلت خسائرى فى الجريدة اليومية بعد هذا التاريخ القصير المجيد إلى 26 ألف جنيه «ستة وعشرين ألف جنيه» غير ستة آلاف جنيه لتجار الورق، وألفين جنيه لبنك مصر.
وبدأت الأيام تأتى فلا أجد فى يدى أجر المطبعة وثمن الورق، خصوصًا أجر المطبعة فبعد أن كنت أدفع أجر المطبعة بالأسبوع بدأ صاحبها - حين لمح هذه الأزمة - يطالبنى بأن أدفع الأجر يومًا بيوم.. ولربما جاء الليل وليس معى أجر الطباعة!
وهنا كان صاحب المطبعة يختفى بعد أن يترك أمرًا لعمال المطبعة بألا يعملوا إلا إذا دفعت النقود، ويقف عمال المطبعة أمام آلاتهم ساكتين جامدين يرفضون العمل إلا إذا دُفع الأجر!
وتتمزق أعصابى مع مرور الدقائق، فكل دقيقة تقريبًا خطوة من الصباح، الصباح الذى يجب أن تخرج معه روزاليوسف متحدية الخصوم هازئة بالعقبات والعمال واقفون والآلات ساكتة ولابد من حل!
وقد اقترضت إلى أقصى ما أستطيع وبدأت أبيع ما أملك من مصوغات يومًا بعد يوم لأدفع ثمن الورق والطباعة.
ولست أنسى تلك الليلة الكئيبة يوم ذهبت موجعة القلب لأرهن آخر قطعة بقيت لى من المصوغات، سوار ورثته عن أمى وصحبتى وكأنه يجلب لى الحظ فى كل ما سبق من أيام، ولكننى لم أجد بدًا من أن أرهنه وأن أجعله بدوره وقودًا فى هذه المعركة الرهيبة، وقد تحملت ألم التخلى عنه لأرى الآلات تدور، وأعداد روزاليوسف تخرج إلى النور!
وقد تعلمت من ذلك أن لاحياة لأية جريدة ما لم تملك مطبعتها، فالمطبعة هى عماد الصحيفة وهى التى تستطيع أن تعصمها من كل حاجة!
وللذكريات بقية!






