د.إبراهيم درويش
حان وقت قانون زراعة جديد.. يوحّد المؤسسات ويصنع الأمن الغذائى
لم يعد الأمن الغذائى فى عالم اليوم مجرد قضية إنتاج زراعى أو زيادة فى مساحات الأراضى المنزرعة، بل أصبح أحد أهم مرتكزات الأمن القومي، وأحد المعايير الحقيقية التى تُقاس بها قوة الدول واستقلال قرارها السياسى والاقتصادي. فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الدول التى لا تمتلك غذاءها، أو تعتمد بصورة مفرطة على الخارج فى تأمين احتياجاتها الأساسية، تظل أكثر عرضة للضغوط والتقلبات الدولية، مهما امتلكت من إمكانات اقتصادية أو عسكرية.
لقد تغير العالم بصورة غير مسبوقة. فالحروب والصراعات الإقليمية، واضطرابات سلاسل الإمداد، والارتفاع المتواصل فى أسعار الطاقة والغذاء، والتغيرات المناخية الحادة، والتنافس على الموارد الطبيعية، كلها عوامل أعادت رسم خريطة الأمن العالمي، وجعلت الغذاء أحد أهم عناصر القوة والنفوذ فى القرن الحادى والعشرين.
ومن هذا المنطلق، أدركت الدولة المصرية، بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن بناء الجمهورية الجديدة لا يمكن أن يكتمل دون بناء منظومة قوية للأمن الغذائي، تقوم على زيادة الإنتاج، والتوسع فى الرقعة الزراعية، وتعظيم كفاءة استخدام المياه، وتطوير البنية الأساسية، وإنشاء مشروعات قومية عملاقة، وتعزيز دور المؤسسات الوطنية فى إدارة التنمية الزراعية.
ولذلك شهدت مصر خلال السنوات الماضية نقلة نوعية غير مسبوقة، تمثلت فى استصلاح ملايين الأفدنة، وإنشاء محطات معالجة المياه العملاقة، والتوسع فى استخدام نظم الرى الحديثة، وتطوير البنية اللوجستية، وإقامة مجتمعات زراعية جديدة، إلى جانب إنشاء كيانات وطنية قادرة على تنفيذ هذه المشروعات بكفاءة عالية.
غير أن هذه الإنجازات، على أهميتها، تحتاج إلى مظلة تشريعية حديثة تستوعب حجم التحول الذى تشهده الدولة، وتضمن استدامته، وتربط جميع مكونات المنظومة الزراعية فى إطار واحد يعمل وفق رؤية وطنية موحدة.
فرصة تاريخية لا ينبغى أن تضيع
فى ظل ما يُتداول بشأن إصدار إطار قانونى ينظم عمل جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، تبرز فرصة وطنية أوسع بكثير من مجرد تنظيم عمل جهاز أو مؤسسة، مهما بلغت أهميتها.
إن اللحظة الراهنة تتيح للدولة أن تخطو خطوة أكبر وأكثر تأثيرًا، تتمثل فى إصدار قانون زراعة جديد يعيد صياغة المنظومة الزراعية المصرية بالكامل، ويجمع جميع المؤسسات العاملة فى هذا القطاع داخل إطار تشريعى موحد، يعبر عن فلسفة الجمهورية الجديدة القائمة على التكامل بين مؤسسات الدولة، لا على تعدد الاختصاصات وتداخلها.
فالقضية ليست قانونًا لجهاز بعينه، وإنما قانون يحدد أدوار جميع المؤسسات الزراعية، ويجعلها تعمل كمنظومة وطنية واحدة لتحقيق هدف استراتيجى واحد هو تعزيز الأمن الغذائى المصري.
فالأمن الغذائى لا يتحقق بجهود متفرقة، ولا يمكن أن تتحمله مؤسسة واحدة مهما كانت إمكاناتها، بل يحتاج إلى تكامل جميع مؤسسات الدولة، بحيث يعمل كل طرف فى موقعه ضمن استراتيجية واحدة، وسياسات متجانسة، وأهداف واضحة.
التكامل المؤسسى.. فلسفة الجمهورية الجديدة
من يتابع المشروعات القومية التى أطلقتها الدولة خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن القاسم المشترك بينها جميعًا هو العمل المؤسسى المتكامل.
فلم تعد الدولة تعتمد على أداء جهة واحدة، وإنما أصبح النجاح يقوم على تكامل الأدوار بين مختلف الوزارات والهيئات والجامعات والقطاع الخاص، بحيث تعمل جميعها كفريق واحد لتحقيق هدف واحد.
وهذا هو الفكر الذى ينبغى أن يحكم المنظومة الزراعية أيضًا.
فالزراعة لم تعد مسئولية وزارة الزراعة وحدها، كما لم تعد مسئولية الباحثين أو المستثمرين أو المزارعين كلٌ على حدة، وإنما أصبحت مسئولية وطنية تشترك فيها مؤسسات عديدة، لكل منها دور لا يقل أهمية عن الآخر.
فوزارة الزراعة تمتلك الخبرة التنفيذية والإرشادية، وجهاز مستقبل مصر يقود تنفيذ عدد من المشروعات الزراعية الكبرى، وكليات الزراعة تمثل بيت الخبرة العلمى للدولة، والمراكز البحثية تطور الأصناف والتقنيات، والقطاع الخاص يقود الاستثمار والتصنيع، والجمعيات الزراعية تقدم الخدمات للمزارعين، بينما توفر المؤسسات المالية التمويل اللازم للتنمية.
إن نجاح أى طرف من هذه الأطراف يظل مرتبطًا بمدى تكامله مع بقية الأطراف، ولذلك فإن وجود قانون يوحد الرؤية، وينظم العلاقة بين هذه المؤسسات، أصبح ضرورة وطنية وليس مجرد مطلب إداري.
قانون تجاوزته المتغيرات
صدر قانون الزراعة رقم (53) لسنة 1966 فى ظروف تاريخية تختلف جذريًا عن الواقع الذى نعيشه اليوم.
ففى ذلك الوقت، كانت الأولويات تتمثل فى حماية الرقعة الزراعية، وتنظيم ملكية الأراضي، وإدارة العلاقات التقليدية داخل الريف المصري، وكانت الزراعة تعتمد بصورة أساسية على العمل اليدوي، بينما كانت الموارد المائية أكثر وفرة، ولم تكن التغيرات المناخية أو الأمن الغذائى العالمى أو الاقتصاد الأخضر أو التحول الرقمى ضمن أولويات التشريع.
وقد أدى هذا القانون دوره الوطنى بكفاءة خلال تلك المرحلة، وأسهم فى تنظيم القطاع الزراعى لعقود طويلة، لكن العالم تغير، والزراعة نفسها تغيرت.
فالزراعة الحديثة أصبحت صناعة متكاملة تبدأ بالبحث العلمي، وإنتاج التقاوي، وإدارة الموارد الطبيعية، واستخدام التكنولوجيا، ولا تنتهى إلا بالتصنيع والتسويق والتصدير وبناء سلاسل القيمة.
ومن ثم، فإن إدارة هذه المنظومة المعقدة بقانون صيغ قبل نحو ستين عامًا لم يعد كافيًا لتحقيق طموحات الدولة المصرية فى هذه المرحلة.
من الأمن الغذائى إلى الأمن الزراعى الشامل
لقد أصبح من الضرورى أن يتجاوز التشريع الجديد المفهوم التقليدى للأمن الغذائي، ليؤسس لمفهوم أكثر شمولًا هو الأمن الزراعى الشامل.
فهذا المفهوم لا يقتصر على إنتاج الغذاء، وإنما يشمل تأمين مستلزمات الإنتاج، وإدارة المياه والطاقة، وحماية الأراضى الزراعية، ودعم التصنيع الغذائي، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات، وبناء مخزون استراتيجي، وتحقيق الاستدامة البيئية.
وبذلك تصبح الزراعة منظومة اقتصادية متكاملة، وليست مجرد نشاط إنتاجى محدود.
إن الدولة التى تسعى إلى تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية تحتاج إلى تشريع ينظر إلى الزراعة باعتبارها أحد محركات التنمية الاقتصادية، وأحد أهم أدوات حماية الأمن القومي.
الأمن الغذائى لا تصنعه وزارة.. بل تصنعه دولة
لعل أهم رسالة ينبغى أن يحملها قانون الزراعة الجديد هى أن الأمن الغذائى مسئولية الدولة بأكملها.
فالمياه، والطاقة، والبحث العلمي، والتعليم، والاستثمار، والصناعة، والنقل، والتجارة، والتمويل، جميعها عناصر تؤثر بصورة مباشرة فى نجاح القطاع الزراعي.
ولهذا فإن أى استراتيجية وطنية للأمن الغذائى يجب أن تقوم على وحدة الرؤية، وتكامل الأدوار، وتنسيق السياسات، بحيث تصبح جميع مؤسسات الدولة شريكة فى تحقيق هذا الهدف.
إن الدولة المصرية تمتلك اليوم من الإمكانات، والخبرات، والإرادة السياسية، ما يؤهلها للانتقال من مرحلة تنفيذ المشروعات القومية إلى مرحلة بناء المنظومة التشريعية التى تضمن استدامة هذه الإنجازات لعقود قادمة.
ملامح قانون يواكب الجمهورية الجديدة
إذا كانت الدولة قد نجحت فى بناء مشروعات زراعية قومية عملاقة، فإن المرحلة المقبلة تتطلب بناء الإطار التشريعى الذى يحمى هذه الإنجازات ويضمن استدامتها. فالقانون المنشود لا ينبغى أن يكون مجرد تعديل لبعض مواد القانون القائم، وإنما قانون جديد يقوم على فلسفة مختلفة، تنظر إلى الزراعة باعتبارها قضية أمن قومى ومحركًا رئيسيًا للتنمية الاقتصادية.
ويجب أن يستند هذا القانون إلى عدد من المبادئ الأساسية، أهمها: وحدة منظومة الأمن الغذائي، والتكامل بين جميع المؤسسات، والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، وتشجيع الاستثمار، والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة، وربط الإنتاج الزراعى بالتصنيع والتصدير، وتحقيق العدالة للفلاح، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتج المصرى فى الأسواق العالمية.
كما ينبغى أن يحدد القانون اختصاصات كل جهة بدقة، وآليات التنسيق بينها، بما يمنع الازدواجية ويعظم الاستفادة من الإمكانات البشرية والمادية التى تمتلكها الدولة.
البحث العلمى.. العقل الذى يقود التنمية الزراعية
لم تعد النهضة الزراعية تقاس بعدد الأفدنة المستصلحة فقط، وإنما بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى تطبيقات عملية.
وتزخر مصر بمنظومة علمية قوية تضم كليات الزراعة فى الجامعات، والمراكز والمعاهد البحثية، والعلماء والخبراء فى مختلف التخصصات، إلا أن هذه الطاقات تحتاج إلى إطار مؤسسى يجمعها ويوجهها نحو أولويات الدولة.
ومن هنا، فإن من الضرورى أن يتضمن قانون الزراعة الجديد نصًا واضحًا بإنشاء المجلس الأعلى للبحث العلمى الزراعي، يتبع جهة سيادية عليا، ليكون المظلة الوطنية التى تنسق بين وزارة الزراعة، وجهاز مستقبل مصر، وكليات الزراعة، والمراكز البحثية، والقطاع الخاص.
ويتولى هذا المجلس رسم الخريطة البحثية للدولة، وتحديد أولويات البحث العلمى وفق احتياجات الأمن الغذائي، وربط التمويل البحثى بالمشكلات الفعلية، ونقل نتائج الأبحاث من المعمل إلى الحقل، ومن الفكرة إلى المشروع، حتى يصبح البحث العلمى شريكًا فى صناعة القرار، وليس مجرد نشاط أكاديمى منفصل عن الواقع.
الفلاح.. أساس التنمية وشريك فى النجاح
لن يحقق أى قانون أهدافه إذا لم يضع الفلاح فى قلب اهتمامه.
فالفلاح المصرى هو من تحمل أعباء الزراعة لعقود طويلة، وهو الذى حافظ على الأرض والإنتاج فى أصعب الظروف، ومن ثم فإن دعمه لم يعد خيارًا، بل ضرورة لتحقيق الأمن الغذائي.
ويجب أن يتضمن القانون الجديد منظومة متكاملة لحماية الفلاح، تشمل تطوير الإرشاد الزراعي، والتوسع فى الزراعة التعاقدية، وتوفير التمويل الميسر، وتفعيل التأمين الزراعى ضد المخاطر المناخية، وضمان أسعار عادلة للمحاصيل الاستراتيجية، وتحسين منظومة التسويق، وتقليل حلقات الوساطة، بما يضمن زيادة دخل المزارع واستقرار حياته.
كما ينبغى الاهتمام بالشباب، وتشجيعهم على الاستثمار فى الزراعة الحديثة، وريادة الأعمال، والتصنيع الغذائي، حتى يصبح القطاع الزراعى بيئة جاذبة للابتكار والاستثمار.
التحول الرقمى.. بوابة المستقبل
العالم يتجه اليوم إلى الزراعة الذكية، ولم يعد مقبولًا أن تظل الإدارة الزراعية تعتمد على الأساليب التقليدية.
ولذلك يجب أن يتضمن القانون الجديد نصوصًا واضحة تدعم التحول الرقمي، وإنشاء قاعدة بيانات قومية موحدة للأراضى والمحاصيل والموارد المائية، وربط جميع الجهات المعنية بمنصة إلكترونية موحدة، بما يحقق سرعة تبادل المعلومات، ودقة التخطيط، ورفع كفاءة اتخاذ القرار.
كما ينبغى تشجيع استخدام الذكاء الاصطناعي، والاستشعار عن بعد، والطائرات بدون طيار، وإنترنت الأشياء، فى إدارة العمليات الزراعية، ومتابعة المحاصيل، وترشيد استخدام المياه والأسمدة، والتنبؤ بالأمراض والآفات، بما يخفض التكاليف ويرفع الإنتاجية ويحافظ على الموارد.
الاستثمار الزراعى.. من إنتاج الخام إلى صناعة القيمة
لم يعد الهدف من الزراعة مجرد زيادة الإنتاج، وإنما تعظيم القيمة الاقتصادية لهذا الإنتاج.
ومن ثم، ينبغى أن يشجع القانون الاستثمار فى التصنيع الزراعي، وسلاسل القيمة، والتعبئة والتغليف، والتبريد، والنقل، والخدمات اللوجستية، حتى تتحول مصر إلى مركز إقليمى لإنتاج وتصنيع وتداول الغذاء.
كما يجب أن يدعم إقامة الصناعات الوطنية لإنتاج التقاوي، والأسمدة، والمبيدات، والميكنة الزراعية، بما يقلل الاعتماد على الواردات، ويؤمن مستلزمات الإنتاج، ويعزز الاقتصاد الوطني.
فالزراعة الحديثة لا تبيع محصولًا فقط، بل تصنع قيمة مضافة، وتوفر فرص عمل، وتزيد الصادرات، وترفع الناتج القومى.
حماية الموارد.. استثمار فى حق الأجيال القادمة
إن الحفاظ على الأرض الزراعية، وترشيد استخدام المياه، والتكيف مع التغيرات المناخية، لم يعد مجرد التزام بيئي، بل أصبح ضرورة وطنية.
ولذلك ينبغى أن يرسخ القانون الجديد مبادئ الاستدامة، وأن يشجع استخدام نظم الرى الحديثة، والطاقة الجديدة والمتجددة، وإعادة استخدام المياه، والحفاظ على خصوبة التربة، ومكافحة التصحر، والتوسع فى الزراعة الذكية مناخيًا.
فالموارد الطبيعية ليست ملكًا للجيل الحالى وحده، وإنما هى أمانة يجب الحفاظ عليها من أجل الأجيال القادمة.
تشريع يوحد المؤسسات.. ويصنع المستقبل
إن قوة الدولة لا تقاس بعدد مؤسساتها، وإنما بقدرتها على توحيد جهود هذه المؤسسات فى إطار رؤية وطنية واحدة.
ومن هنا، فإن قانون الزراعة الجديد يجب أن يكون قانونًا للتكامل المؤسسي، يجمع وزارة الزراعة، وجهاز مستقبل مصر، وكليات الزراعة، والمراكز البحثية، والقطاع الخاص، والجمعيات الزراعية، والبنوك، والصناعات الغذائية، داخل منظومة واحدة، تتكامل فيها الأدوار، وتتحد فيها الأهداف، وتعمل جميعها من أجل تحقيق الأمن الغذائي.
فالتحديات التى تواجه الزراعة المصرية اليوم أكبر من أن تتحملها جهة واحدة، كما أن المستقبل يحتاج إلى مؤسسات تتعاون أكثر مما تتنافس، وتتكامل أكثر مما تتقاطع.
إن هذه هى الفلسفة التى قامت عليها الجمهورية الجديدة، وهى الفلسفة التى ينبغى أن يترجمها قانون الزراعة الجديد.
الدورة البرلمانية الجديدة.. فرصة تستحق اغتنامها
تمثل الدورة البرلمانية الجديدة فرصة حقيقية لإطلاق حوار وطنى واسع حول مستقبل الزراعة المصرية، يشارك فيه المزارعون، والباحثون، والجامعات، والقطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني، والجهات التنفيذية، حتى يخرج قانون يعبر عن احتياجات الواقع، ويستشرف تحديات المستقبل.
فالتشريعات الكبرى لا تُصاغ لمعالجة مشكلات الحاضر فقط، بل لتأسيس المستقبل، وكلما جاءت شاملة ومتوازنة، كانت أكثر قدرة على تحقيق التنمية والاستمرار.
ولذلك، فإن إدراج قانون زراعة جديد على أجندة البرلمان سيكون رسالة واضحة بأن الدولة لا تكتفى بتنفيذ المشروعات، بل تعمل أيضًا على بناء الإطار التشريعى الذى يحميها ويضمن نجاحها واستدامتها.
ختامًا.. التشريع الذى يزرع المستقبل
إن ما حققته الدولة المصرية فى قطاع الزراعة خلال السنوات الأخيرة يمثل نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من إدارة المشروعات إلى إدارة المنظومات، ومن تعدد الجهود إلى تكاملها، ومن التشريعات التقليدية إلى التشريعات التى تستشرف المستقبل.
ولذلك، فإن إصدار قانون زراعة جديد يوحّد المؤسسات ويصنع الأمن الغذائى لن يكون مجرد تحديث تشريعي، بل سيكون خطوة استراتيجية تعكس رؤية الدولة لبناء منظومة زراعية حديثة، تتكامل فيها الأدوار، ويصبح فيها البحث العلمى شريكًا فى صناعة القرار، والفلاح شريكًا فى التنمية، والاستثمار شريكًا فى بناء الاقتصاد، والتكنولوجيا شريكًا فى زيادة الإنتاج والحفاظ على الموارد.
إن الأمن الغذائى لا تصنعه مؤسسة واحدة، ولا وزارة واحدة، بل تصنعه دولة تمتلك رؤية واضحة، ومؤسسات متكاملة، وتشريعات عصرية، وإرادة سياسية تؤمن بأن امتلاك الغذاء هو امتلاك للمستقبل.
لقد آن الأوان لأن تمتلك مصر قانونًا زراعيًا جديدًا، يترجم طموحات الجمهورية الجديدة، ويوحّد مؤسساتها، ويطلق طاقات علمائها، ويمنح الفلاح حقه، ويجذب الاستثمار، ويحمى الموارد، ويجعل من الزراعة المصرية نموذجًا للتنمية المستدامة، ومن الأمن الغذائى ركيزةً ثابتةً للأمن القومي.
فحين يكون التشريع على قدر التحديات، وتتحد المؤسسات حول هدف واحد، تُثمر الأرض خيرًا، ويطمئن المواطن، ويزداد الوطن قوةً وقدرةً على مواجهة المستقبل.






