أيمن عبد المجيد
رسائل الإرادة: شعب لا يعرف المستحيل
المدقق فى المشهد المصرى بجميع تفاصيله، يخلص إلى ما لا يدع مجالًا لأى شك، أننا شعب لا يعرف المستحيل، يملك من الإرادة والعزيمة والقدرة ما يبهر العالم، لا تقهره التحديات ولا تنال منه الأزمات، قوته فى إيمانه بالله ووطنه، سلاحه إرادته وجينات حضارته التى تستحضر لا إراديًا عندما يجد ما يحفزه ويستنهض همته.
الأمثلة كثيرة على مستوى الدولة والمنتخب وحتى النماذج الفردية، من الحراك الجمعى والفعل الثورى: يناير 2011 وحماية الهوية يونيو 2013، إلى الإنجازات التنموية، والتقدم التاريخى للمنتخب المصرى فى كأس العالم، إلى الحالات الفردية التى تقدم نماذج مبهرة للشخصية المصرية، منها الجدة آمال إسماعيل التى حصلت على الثانوية العامة مطلع عامها السبعين، والدكتوراة وسنها 83 عامًا، بينما الشابة سميرة السيد إبراهيم، قادرة باختلاف حملها أبوها على ظهره من المنزل إلى المدرسة وثم الجامعة، فكانت الثمرة أنها الأولى على كليتها بامتياز فاق نسبة 97%.. وهنا رسالة بليغة، مفادها أن هذا الشعب الذى ترك أجداده القدماء للإنسانية حضارة لا تزال تبهر العالم، قادر على استعادة ريادة مصر التنموية والعلمية والرياضية إذا توفرت له البيئة الداعمة، والإمكانيات اللازمة، وقبلها الإرادة السياسية، والشخصية المحفزة.
فمصر الآن تعيش مرحلة يقظة الوعى، وفى مقدمتها الوعى بالقدرة والإمكانيات والعمل على تعزيزها فى المجالات كافة.. بالأمس القريب كان افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية، بما يتضمنه من إمكانيات وما يحققه من قيمة مضافة عظيمة لقدرات الدولة المصرية عسكريًا ومدنيًا، داعمة لمتطلبات إدارة الأزمات والتحكم فى القيادة وتدفق المعلومات لاتخاذ القرارات الرشيدة.
وتتواصل الإنجازات على المستويات كافة، المقترنة بالعمل والتخطيط والأخذ بالأسباب، انطلاقًا من إرادة سياسية وبنية تشريعية، ومرجعية دستورية، فى دولة القانون، وهنا يأتى نموذج «جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة»، وما حققه من مضاعفة الرقعة التنموية الزراعية، وما شهده قانونه من إصلاح تشريعى يعزز قدرته على تحقيق مستهدفات تحقيق الأمن الغذائى، فى محيط إقليمى ودولى متلاطم الصراعات بانعكاسات على سلاسل الإمدادات.
نطوف سريعًا لنلقى الضوء على بعض تلك النماذج، مع نظرة مستقبلية لكيفية البناء على النماذج المضيئة.
-1كيف نحول الرياضة
إلى استثمار مستدام؟
ما حققه المنتخب المصرى من إنجاز تاريخى، قوبل بحفاوة رسمية وشعبية، هو مجرد بداية، فالإنجاز ليس بلوغ دور الـ16 فى سابقة أولى، بيد أن ما عكسه أداء المنتخب من إرادة وعزيمة وإيمان بقدرات اللاعب المصرى، القادر على منازلة أقوى منتخبات العالم بندية.
لم يكرم الرئيس عبدالفتاح السيسى وشعب مصر لاعبى المنتخب لتحقيق نتائج مباريات، بل لأنهم أظهروا للعالم قدرة وإرادة الإنسان المصرى، وليتيقن كل المصريين أنهم بذلوا أقصى ما فى وسعهم.
ولذلك منح الرئيس عبدالفتاح السيسى المنتخب كأس الفخر والاعتزاز وأوسمة تكريمية، تقديرًا لما قدموه من أداء بطولى ومستوى فنى رفيع خلال بطولة كأس العالم وما أظهروه من عزيمة وإصرار وانضباط.
هذا الأداء الرفيع، تجاوزت مكاسبه المنافسة الرياضية، إلى ما يمكن تسميته بدبلوماسية الأقدام، فقد حشد قدرة الانتماء الوطنى محليًا والجاليات المصرية عالميًا، وعزز الصورة الذهنية لمصر الحضارة والقدرة، وأثبت أن ما تشهده مصر من تنامى القدرة سياسيًا وعسكريًا وعلميًا فى مختلف قطاعات التنمية، له انعكاساته على مختلف القطاعات ومن بينها كرة القدم.
قدم نموذج القيادة المصرية للمنتخب، العميد حسام حسن، وهو ما سبق ووجه به الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى راهن دائمًا على الشعب المصرى، ومع ثبوت صحة الرهان أشار الرئيس إلى أن قيادة المنتخب ستظل مصرية، داعيًا إلى أن يكون ما تحقق بداية يتم البناء عليه بمزيد من النجاحات.
وهنا نطرح السؤال المهم: كيف نحول الرياضة إلى صناعة واستثمار مستدام؟
بداية ينبغى العمل على عدد من المحاور فى المرحلة المقبلة، فالرياضة منظومة متكاملة لها مكوناتها البشرية والفنية والاقتصادية وبيئة التنشئة الحاضنة للكوادر والموهوبين، ويجب أن يتم تنمية عناصرها بتكامل تام يحقق أهداف تحولها إلى صناعة تواكب ما تشهده القدرة المصرية الشاملة من نمو وذلك عبر:
1- نحن فى حاجة إلى هيئة متخصصة فى اكتشاف المواهب فى مراحل عمرية مبكرة، وتقديمها بمعايير لا تحكمها سوى الكفاءة والقدرة.
2- تلك الهيئة المعنية باكتشاف المواهب الرياضية يجب أن تشمل جميع الرياضات ليس كرة القدم فقط.
3- إنشاء أكاديميات رياضية لتنمية الكوادر بالشراكة مع الأندية أو القطاع الخاص، متخصصة فى توافر متطلبات التنشئة العلمية والفنية والصحية، والإنفاق بإدارة اقتصادية تحقق الاستدامة وجنى الثمار مستقبلًا.
4- تحفيز النماذج المتميزة التى تحقق بطولات فى مختلف الرياضات، فهناك إنجازات فى ألعاب القوى وغيرها من الرياضات التى لا تحظى بشعبية كرة القدم، لا تحقق للأبطال الدخل المالى اللازم للاستمرار والحياة الكريمة.
5- من المهم الاهتمام برفع كفاءة الأندية فى القرى والمدن بالمحافظات كافة، وحصص التربية الرياضية بالمدارس، والعمل على تحويل الرياضة إلى ثقافة ممارسة لصالح الصحة العامة وتوسيع قاعدة اكتشاف المواهب.
2- رسائل الأخوة والتضامن
فى أقل من 24 ساعة، قام الرئيس عبدالفتاح السيسى الثلاثاء الماضى، بزيارتين أخويتين إلى الشقيقتين دولة قطر ومملكة البحرين، التقى خلالهما الشيخ تميم بن حمد آل ثانى أمير دولة قطر، والملك حمد بن عيسى آل خليفة حاكم البحرين، وقبلهما بساعات استقبل الرئيس الأحد الماضى بمدينة العلمين شقيقه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
كانت زيارة قطر لتقديم العزاء فى وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثانى، تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته، فيما جاءت زيارة البحرين لتأكيد تضامن مصر الكامل مع مملكة البحرين فى ظل الأوضاع الراهنة فى المنطقة، التى تشهد بوادر عودة التصعيد.
بينما تناول الرئيس السيسى وشقيقه بن زايد، مجمل العلاقات الثنائية وتطورات القضايا الإقليمية والدولية، خاصة مستجدات المشهد فى الشرق الأوسط، وجهود تجنب التصعيد.
والرسالة هنا أن الجسد العربى واحد، وستظل مصر بفضل الله حصن العروبة، داعمة للأشقاء وأمن واستقرار دولهم، والأمن القومى العربى، انطلاقًا من مواقف ثابتة، والتنسيق الدائم بين الأشقاء فى مواجهة التحديات المتصاعدة، ودعم الدول العربية ومجلس التعاون الخليجى فيما يتخذ من إجراءات لصون سيادة الدول ومقدرات شعوبها.
مصر تقدم عمليًا ما يمليه عليها إيمانها بأن أمن الدول العربية امتداد للأمن القومى المصرى.
حفظ الله وطننا العربى شعوبًا وقيادات ومؤسسات.
3- الكفاءة وحدها السبيل
رسالة حاسمة بعث بها الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى، خلال مؤتمر الإعلان عن قبول دفعات جديدة بالأكاديمية العسكرية المصرية والكليات العسكرية، مفادها أن معيار الكفاءة هو السبيل الوحيد للقبول، فالقوات المسلحة تحرص على اختيار أفضل العناصر.
وبكل وضوح حذر القائد العام من الانسياق خلف الشائعات، التى تروج إلى إمكانية الانضمام إلى القوات المسلحة بأى من أشكال الوساطة والمحسوبية، مشددًا على تطور منظومة قياس قدرات المتقدمين، لتبقى الأفضلية للأعلى درجات فى محصلة القدرات.
كان هذا هو المؤتمر الأول الذى يحضره القائد العام للإعلان عن قبول دفعات جديدة، وطلاب الكليات العسكرية، وخلال كلمته طالب الفريق أشرف زاهر، الطلاب أبناء الضباط بالوقوف، ثم دعا الحضور الضيوف وفى القلب منهم الإعلاميون للنظر فى النسبة من إجمالى الطلاب، فى إشارة إلى أن عددهم محدود والطلاب أبناء فئات المجتمع كافة.
وذكر القائد العام وزير الدفاع والإنتاج الحربى، أمثلة للإيضاح من بينها، ميكنة الاختبارات، حتى أجهزة قياس مستوى اللياقة، وفى النهاية يكون عدد المؤهلين يفوق عدد الدفاعات المطلوبة، وهنا يتم الترتيب تنازليًا وفق المجموع الكلى بالاختبارات ودرجات الشهادة الثانوية أو التقدير العام للمتخصصين، وتكون الفرص للأعلى كفاءة.
وفى الوقت ذاته أكد الفريق أشرف سالم زاهر، ملاحقة من يخدع المواطنين، زاعمًا أنه قادر على دعم التحاقهم بالكليات العسكرية، فالكفاءة هى المعيار الوحيد بدون أى شكل من أشكال الوساطة أو المحسوبية.
إن هذا الحسم من القائد العام -الذى لمسته فيه من خلال لقاءات عدة- حرص بالغ على إعلاء معايير الشفافية والكفاءة، يبشر بالخير.
وهذا يتسق مع الإرادة السياسية للرئيس عبدالفتاح السيسى رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، على إعداد أجيال قوية تتسلح بالعلم والكفاءة قادرة على تحقيق ريادة الوطن فى المجالات كافة.
كما شهد المؤتمر الإعلان عن إنشاء جامعة «كيان»، بالقوات المسلحة التى تقبل الطلاب بصفتهم المدنية، وتضم: كلية الطب ومستشفى جامعيا، وكلية طب الفم والأسنان وكلية العلاج الطبيعى، وكلية الصيدلة وكلية الهندسة، وكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعى ومركز المحاكاة ومركز العلاج الطبيعى.
هذه الكليات كما شهدنا خلال المؤتمر -الذى بدأ بكلمة اللواء أركان حرب محمد صلاح التركى مدير الأكاديمية العسكرية المصرية- يديرها عمداء من الأساتذة المدنيين، من الجامعات المصرية، ويتم الدمج بين هيئة التدريس من المدنيين والعسكريين، ويتوفر لها أحدث التجهيزات الفنية، وتعتمد أحدث المناهج المتوافقة مع المعايير الدولية.
والأهم هنا أن أساليب التدريس تعتمد على بيئة تقنية حديثة تحقق للطالب التطبيقات العلمية العملية، للربط بين المعرفة العلمية والتطبيقات العملية، بل وتربط التعليم بالمشروعات البحثية والتطبيقية بالتعاون مع القطاع الصناعى، والتنافس فى المسابقات المحلية والعالمية.
وهنا منظومة هدفها ربط المنتج التعليمى بسوق العمل، والبحث العلمى باحتياجات المجتمع، وتحويل الجامعة إلى بيت خبرة حقيقى يدعم الصناعة ويرتبط بشكل مباشر بمتطلبات سوق العمل الحديث.
4- رسالة إلى البشرية
«هدفى لم يكن الحصول على درجة علمية من أجل الترقية، أو شغل منصب وظيفى أعلى، أو تحقيق مكاسب مادية أو دنيوية، وإنما أردت أن أوجه رسالة إلى البشرية:
العمر مجرد رقم، والنجاح ثمرة المثابرة، وليس من الحكمة أن يظل الإنسان أسيرًا لشهادة ميلاده، فيؤجل أحلامه لأنه لا يزال صغيرًا، أو يدفن طموحه بحجة أنه أصبح كبيرًا أو كهلًا.
فكم من نجاح جاء متأخرًا، لكنه كان أكثر نضجًا وأبقى أثرًا، وكم من حلم ولد بعد عقود من الانتظار، فأثبت أن الوقت لا يقف عائقًا أمام الإرادة الصادقة.
رسالتى ليست للشباب وصغار السن فقط، وإنما لكبار السن أيضًا، وأؤكد ضرورة الحفاظ على عقول كبار السن، وعدم إهمالهم، فهم أهل الخبرة، والمعرفة والتجارب العلمية فى الحياة».
هذه كانت رسالة الدكتورة آمال إسماعيل إلتى وجهتها إلى البشرية عبر جريدة «روزاليوسف»، فى حوار ممتع نشرناه بعدد الخميس الماضى، أجراه زميلى المجتهد أسامة الجمل مراسل الجريدة بمحافظة الدقهلية.
هذه السيدة المصرية رمز للإرادة التى تؤكد أن شعب مصر لا يعرف المستحيل، فقد تزوجت وعمرها 14 عاما، فتركت الدراسة فى الصف الأول الإعدادى، لتنشغل فى تكوين أسرتها ورعاية أطفالها، ودعم حصولهم على أعلى الدرجات العلمية.
لم يغادرها حلمها فى استكمالها لمراحل دراستها، فعادت لاستكمال الدراسة بالمرحلة الإعدادية وسنها 38 عامًا، وقبل أن تبدأ المرحلة الثانوية توقفت لإصابتها بمرض السرطان، فخاضت معركة جديدة وانتصرت عليه، فباغتها مرة أخرى لتمتد المعركة سنوات أخرى انتصرت فيها بفضل الله وقوة إرادتها.
مع بلوغها سن السبعين، وبينما يرى البعض أن عليه فى هذه السن أن يلملم ما تبقى له من آمال يلقى بها فى صندوق اليأس، استعدادًا للرحيل، فقد أخرجت هى أحلامها من غمادها، مشهرة إرادتها فى مواجهة الشيخوخة والمرض، وجميع التحديات لتحصل على شهادة الثانوية العامة فى مطلع عامها السبعين.
وفى مطلع عامها الثمانين حصلت على درجة الماجستير بتقدير امتياز، بعد حصولها على ليسانس الآداب من جامعة المنصورة، ولم تفقد عزيمتها، فواصلت مسيرتها، لتتوج بالحصول على درجة الدكتوراة، مطلع هذا الشهر وعمرها 83 عامًا حفظها الله ومتعها بالصحة والعافية.
وكان موضوع الدراسة «الشيخوخة وعلاقاتها ببعض المتغيرات السوسيولوجية: دراسة لبعض الحالات المختارة بجامعة المنصورة».
هذه رسالة إرادة، لا مستحيل، وعلينا رعاية كبار السن فهم كنز الخبرة، ومسيرة العطاء، هم الأجداد والجدات والآباء والأمهات، بفضلهم وجهدهم ودعواتهم، بقيت مصر عزيزة للأجيال التالية.
وفى هذا العدد نقدم نموذجا آخر للإرادة والتحدى: سميرة السيد إبراهيم، شابة، اختبرها الله بتحدٍ فى العمود الفقرى، يحول دون قدرتها على السير، حملها والدها على ظهره، من بيت إلى المدرسة حتى حصلت على الثانوية العامة بتفوق، أهلها لدراسة الطب التى أرادت أن تتخصص فيه بالعمود الفقرى أملًا فى مساعدة من هم مثلها.
عدلت عن الالتحاق بكلية الطب، للمجهود البدنى الذى تتطلبه، والتحقت بكلية التجارة جامعة قناة السويس، وواصلت التحدى بعون الله والدها ووالدتها، لتحقق المعجزة وتتخرج الأولى على كلية التجارة بامتياز بنسبة تتجاوز 97%.
هذه نماذج مشرفة العمر فيها مجرد رقم، والقدرة فى الإرادة، والله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا، وعد إلهى ووعد الله حق.
حفظ الله مصر






