ثروت الخرباوى
معركة الدولة ومرجعية الوطن
ليست قيمة الأحداث الكبرى فيما تتركه من وقائع، وإنما فيما تكشفه من حقائق كانت كامنة تحت سطح الأحداث. فالشعوب قد تغير الحكومات، وقد تبدل موازين القوى، ولكن تظل الدولة ثابتة راسخة، كما أن التاريخ لا يحفظ أسماء الأمم لأنها انتصرت فى معركة، وإنما لأنه شهد كيف دافعت عن فكرتها حين تعرضت للاختبار. فالدول لا تقاس بما تمتلكه من قوة فحسب، بل بقدرتها على صون الأساس الذى قامت عليه كلما حاولت الأزمات أن تعيد تعريفها أو تنتزع منها هويتها.
ومن هذا المنظور، لا تبدو ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 وثورة الثلاثين من يونيو 2013 حدثين متباعدين لا يجمع بينهما سوى أنهما وقعا على أرض مصر، بل تبدوان حلقتين فى مسار تاريخى واحد، سعت خلاله الدولة المصرية إلى ترسيخ فكرتها الكبرى: أن الوطن لا يستقيم إلا بدولة وطنية تحتكر الشرعية، وتستقل بقرارها، وتكون مؤسساتها المرجعية العليا التى تنتظم تحتها جميع الولاءات.
لقد تبدلت الأزمنة، وتغيرت موازين القوى، واختلفت أدوات السياسة والإدارة، لكن السؤال الجوهرى ظل ثابتًا: من يملك المرجعية النهائية داخل الدولة؟ ومن تكون له الكلمة الأخيرة فى توجيه المجتمع وصياغة مستقبله؟
ولعل الخطأ الأكثر شيوعًا فى قراءة العلاقة بين الدولة المصرية وجماعة الإخوان هو اختزالها فى صراع على السلطة، فهذا التفسير على ذيوعه، يعجز عن تفسير تكرار المواجهة عبر عقود مختلفة، وفى ظل أنظمة متباينة فى توجهاتها وسياساتها، ولو كان الخلاف مجرد تنافس على الحكم لانتهى بتغير الحكومات، أما وقد ظل يتجدد كلما اقتربت الجماعة من مركز القرار، فإن ذلك يكشف أن جذوره أعمق من أن تكون سياسية فحسب.
إن جوهر المسألة لا يتعلق بمن يحكم، وإنما بمن يملك المرجعية التى يخضع لها الجميع.
فالدولة الوطنية الحديثة لا تقوم على امتلاك أدوات السلطة وحدها، وإنما على احتكار المرجعية القانونية والسياسية داخل حدودها، فهى وحدها التى تضع القانون، وتمارس القوة المشروعة، وتحدد الإطار الذى يعمل فى ظله الجميع. ومن دون ذلك لا تعود الدولة سوى بناء إدارى تتنازع سلطته مراكز ولاء متوازية، لكل منها مشروعها الخاص ومرجعيتها الخاصة.
ومن هنا تبدأ المعضلة مع التنظيمات العقائدية المغلقة. فهى لا تنظر إلى نفسها باعتبارها جزءًا من الدولة، وإنما باعتبارها صاحبة رسالة تتجاوزها، وتنشئ، بطبيعتها، مرجعية تنظيمية تسبق مرجعية المؤسسات الوطنية. وعندئذ يصبح الانتماء إلى التنظيم مقدمًا على الانتماء إلى الدولة، وتتحول الطاعة التنظيمية إلى مصدر أعلى من الالتزام الوطنى.
وحين تبلغ العلاقة هذه المرحلة، لا يعود الصدام مجرد خلاف سياسى، بل يصبح نتيجة طبيعية لاختلاف تصورين متعارضين لمعنى الدولة ووظيفتها.
فالدولة الوطنية ترى الإنسان مواطنًا كامل الحقوق والواجبات، لا يعلو عليه سوى القانون، بينما يعيد التنظيم العقائدى تعريف الفرد من خلال انتمائه إلى الجماعة، ويغدو الولاء للتنظيم جزءًا من الهوية ذاتها، فتتعدد مراكز الانتماء داخل الوطن الواحد، ويغدو السؤال الحاسم: لمن تكون الكلمة الأخيرة؟
من هذه الزاوية يمكن فهم الصدام الذى أعقب ثورة يوليو 1952. فقد كانت الدولة تعيد تأسيس مركزها بعد عقود من الاحتلال وضعف النظام السياسى وتعدد مراكز النفوذ، وتسعى إلى توحيد مصادر القرار الوطنى تحت سلطة الدولة وحدها، فكانت يوليو هى من وضعت حجر الأساس لإنشاء الدولة الوطنية الحديثة.
وفى المقابل، كان هناك وقتئذ جماعة الإخوان، التى بحكم بنيتها الفكرية والتنظيمية، تحمل تصورًا شموليًا للدولة والسلطة، فقد امتلكت تنظيمًا مغلقًا، وقيادة هرمية، وآليات صارمة للطاعة والانضباط، ورأت أن مشروعها يمثل المرجعية التى ينبغى أن تخضع لها الدولة، لا أن يكون مجرد تيار يعمل فى إطارها، ومن ثم لم يكن الوصول إلى السلطة، فى تصورها، غاية مستقلة، بل خطوة نحو إعادة تشكيل مؤسسات الدولة بما يجعلها امتدادًا للمشروع التنظيمى، لا مرجعية تعلو عليه.
ولم يكن ممكنًا، فى نظر الدولة، أن تتعايش مرجعيتان داخل وطن واحد، لأن الدولة التى تقبل بقيام سلطة موازية تبدأ، منذ تلك اللحظة، فى التفريط بسيادتها على نفسها، ولا نعنى بالدولة هنا السلطة الحاكمة أو الحكومة القائمة، فهذه جميعًا كيانات عابرة تتغير بتغير الزمن، وإنما نعنى «الدولة الوطنية» بوصفها الكيان التاريخى الذى تبلور عبر قرون، وتوحدت فيه الأرض والشعب والمؤسسات والقانون والذاكرة الوطنية، فأصبحت الدولة الوطنية هى الإطار الجامع الذى تنتظم داخله جميع الولاءات، وتستمد منه السلطة شرعيتها.
لقد جاءت ثورة يوليو إذن لتؤسس الدولة الوطنية الحديثة، فأعادت تعريف السلطة باعتبارها سلطة دولة، لا سلطة أفراد أو أحزاب أو قوى خارجية، ورسخت فكرة استقلال القرار الوطنى، وربطت التنمية بالإرادة الوطنية، وجعلت من مؤسسات الدولة الإطار الجامع للمجتمع كله.
ومرت العقود، وتغيرت السياسات، وتعاقبت الحكومات، لكن الأساس الذى أرسته يوليو ظل قائمًا، وإن تعرض لاختبارات قاسية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضى، حتى بلغت ذروتها مع وصول جماعة الإخوان إلى السلطة عام 2012، وهى تحمل تصورًا مغايرًا لطبيعة الدولة ومصدر شرعيتها ووظيفتها.
وهنا تكتسب الثلاثون من يونيو معناها التاريخى الحقيقى، فلم تكن مجرد احتجاج على أداء حكومة، ولا مجرد انتقال للسلطة من فريق إلى آخر، وإنما كانت لحظة استعادت فيها الدولة المصرية فكرتها المؤسسة، وأعادت تأكيد أن المرجعية العليا لا تكون إلا للدولة ومؤسساتها.
ولهذا لا تبدو الثلاثون من يونيو قطيعة مع يوليو، كما لا يصح وصفها بأنها امتداد حرفى لها، إنها إعادة تأسيس للمشروع الوطنى ذاته، ولكن بأدوات عصر مختلف، وفى عالم تبدلت فيه موازين القوة وأشكال الصراع ووسائل التأثير.
ومن هنا يمكن تفسير التشابه بين التحديات التى واجهت يوليو، وتلك التى واجهت الدولة بعد الثلاثين من يونيو، ففى المرتين لم يكن الرهان الحقيقى على تغيير الحكومات، وإنما على حماية مرجعية الدولة، فالدول لا تخوض معاركها الكبرى دفاعًا عن أشخاص، وإنما دفاعا عن حقها فى أن تكون الإطار الوحيد الذى يحتكر الشرعية ويمثل الإرادة العامة.
ولهذا أيضًا لم يكن الصدام مع تنظيم الإخوان فى عام 1954 حادثة عابرة، كما لم تكن أحداث الثلاثين من يونيو مجرد أزمة سياسية انتهت بتغيير رئيس الجمهورية، ففى الحالتين كان الصراع بين تصورين للدولة، تصور يجعلها الغاية التى تنتظم داخلها جميع الانتماءات، وتصور آخر يجعلها وسيلة يمكن إعادة تشكيلها لخدمة مشروع أيديولوجى سابق عليها.
إن قراءة العلاقة بين يوليو والثلاثين من يونيو من هذه الزاوية تكشف أن الحدثين التقيا، رغم اختلاف الزمن والسياق، عند غاية واحدة هى حماية الدولة الوطنية المصرية بوصفها الإطار الجامع للمجتمع، وصيانة استقلال القرار الوطنى، ومنع قيام أى ولاء يعلو على ولاء الوطن أو أى سلطة تنازع الدولة مرجعيتها.
ولعل الدرس الأعمق الذى يقدمه التاريخ المصرى الحديث هو أن بقاء الدولة لا يتحقق بقوة مؤسساتها وحدها، وإنما بوضوح الفكرة التى تقوم عليها، فالدول تستطيع أن تتجاوز الأزمات الاقتصادية، وأن تنتصر فى الحروب، وأن تبدل سياساتها وتحالفاتها، لكنها تفقد قدرتها على البقاء يوم تسمح بقيام مرجعية تنازعها حقها فى تمثيل الأمة.
وعلى ضوء هذا المعنى، يمكن قراءة العلاقة بين ثورة يوليو وثورة الثلاثين من يونيو بعيدًا عن حدود الزمن الذى فصل بينهما، إذ لم يكن الجامع بينهما تشابه الوقائع أو تقارب الشعارات، وإنما الدفاع، كل فى سياقها التاريخى، عن الدولة الوطنية بوصفها الإطار الجامع للأمة، والمرجعية العليا التى تنتظم تحتها جميع المؤسسات والولاءات، والضمانة التى تحول دون أن تتحول الدولة إلى أداة فى يد أى مشروع يضع ولاء آخر فوق ولاء الوطن. ولعل هذه هى الحقيقة التى تمنح الحدثين معناهما الأعمق، وتفسر لماذا ظل السؤال واحدًا، وإن اختلفت الأزمنة.. كيف تبقى الدولة دولة؟.






