على صفحات البطولة والفداء
مسيرة وطن.. سطرتها تضحيات آلاف الشهداء
سلوى عثمان
كانت ثورة 23 يوليو 1952 بيضاء لكن سبقتها دماء الشهداء في مواجهة الاحتلال البريطانى وحرب 48 وتلتها دماء شهداء دافعوا عن الاستقلال والقرار الوطني في مواجهة عدوان 56 ومعركة الإسماعيلية، وحرب الاستنزاف وصولا إلى العبور والانتصار فى أكتوبر 73 وحتى تحرير الوطن وسيناء من فلول الإرهاب في العملية الشاملة عام 2018 والتى اقتلعتهم من جذورهم.
ورغم اختلاف طبيعة المعارك بين الأمس واليوم، فإن الهدف ظل واحدًا، وهو الحفاظ على بقاء الدولة المصرية وصون مقدراتها، فإذا كان أبطال يوليو قد حملوا راية التحرر الوطنى وبناء المؤسسات، فإن أبناء هذا الجيل حملوا السلاح فى مواجهة الإرهاب الأسود الذى حاول هدم الدولة وتقويض استقرارها، فكتبوا بدمائهم صفحة جديدة من صفحات البطولة والفداء.
وفى ذكرى ثورة 23 من يوليو، تبدو سيرة الشهداء امتدادًا طبيعيًا لروح الثورة، فالقيم التى رسختها فى نفوس أبناء القوات المسلحة والشرطة، والمتمثلة فى التضحية والإخلاص والانتماء، ما زالت حية فى وجدان كل من ارتدى الزى العسكرى أو الشرطى، وأقسم أن يحمى الوطن مهما بلغت التضحيات.
«روزاليوسف» تفتح صفحات من ذاكرة الوطن مع عدد من أمهات الشهداء، اللاتى روين قصصًا تختلط فيها دموع الفقد بعزة الكبرياء، مؤكدات أن أبناءهن لم يكونوا يبحثون عن مجد شخصى، بل آمنوا بأن الدفاع عن مصر رسالة مقدسة، وأن الشهادة هى أسمى درجات العطاء.
وبين صفحات التاريخ الممتدة من ثورة يوليو إلى معركة القضاء على الإرهاب، تتجدد صورة المصرى الذى لا يتردد فى تقديم حياته من أجل وطنه، ويبقى الشهيد العنوان الأصدق لمعنى الانتماء، بينما تظل الأسرة المصرية شريكًا أصيلًا فى هذه الملحمة، تقدم أبناءها وهى مؤمنة بأن مصر تستحق كل تضحية، وأن الأوطان العظيمة لا يحفظها إلا المخلصون.
أم الشهيد محمد أبوشقرة: دماء فلذة أكبادنا سبب فى استعادة الأمن والاستقرار
حين تتحدث الحاجة سعاد، والدة الشهيد النقيب محمد أبوشقرة، تشعر أن كلماتها لا تروى فقط قصة ابن فقدته، إنما تحكى تاريخ جيل كامل تربى على أن حب الوطن ليس شعارًا، بل عقيدة تُترجم إلى تضحية وفداء، وتؤمن أن ثورة 23 من يوليو لم تكن مجرد محطة فى التاريخ، إنما كانت البداية الحقيقية لترسيخ عقيدة الجيش الوطنى الذى ظل على مدار العقود الدرع الحامية للدولة المصرية، وأن أبناء هذا الجيل ساروا على النهج ذاته، فوقفوا فى مواجهة الإرهاب كما وقف آباؤهم وأجدادهم فى مواجهة الاحتلال والعدوان.
وتقول والدة الشهيد الحاجة سعاد: إن ما تحقق فى مصر خلال السنوات الماضية يؤكد أن دماء الشهداء لم تذهب هباءً، بل كانت اللبنة التى استندت إليها الدولة فى استعادة الأمن والاستقرار والانطلاق نحو البناء والتنمية، مضيفة: «أنا لا أنقطع عن الدعاء للرئيس عبدالفتاح السيسى، وأسأل الله أن يحفظه ويوفّقه فى قيادة مصر، فقد حمل مسئولية الوطن فى وقت بالغ الصعوبة، وتمكن بعون الله من الحفاظ على الدولة واستعادة أمنها».
أم الشهيد محمد إدريس: قدمنا جيلًا آمن بأن الدفاع عن مصر شرف ورسالة.
وترى والدة الشهيد البطل محمد إدريس، الحاجة أميمة، أن ثورة 23 من يوليو لم تكن مجرد محطة تاريخية غيرت شكل الدولة المصرية، إنما كانت بداية ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية التى تقوم على جيش قوى، ومؤسسات قادرة على حماية الوطن وصون مقدراته، مؤكدة أن أبناء القوات المسلحة والشرطة الذين قدموا أرواحهم فى مواجهة الإرهاب هم الامتداد الطبيعى لجيل آمن بأن الدفاع عن مصر شرف ورسالة، وهى المبادئ التى أرستها ثورة يوليو وظلت حاضرة فى وجدان المصريين جيلًا بعد جيل.
وتقول: إن ابنها كان يدرك منذ التحاقه بالخدمة أن حماية الوطن واجب لا يقبل التردد، وأنه كان يؤمن بأن مصر تستحق أن يُضحى من أجلها، تمامًا كما فعل أبطال القوات المسلحة فى مختلف مراحل التاريخ الوطنى، بل وإن ما يبعث الطمأنينة فى قلبى، رغم ألم الفقد، هو أن الدولة لم تنس أبناءها الذين قدموا أرواحهم فداءً للوطن، بل أحاطت أسرهم بالرعاية والاهتمام، فى صورة تعكس وفاء الدولة لمن كتبوا بدمائهم صفحات العزة والكرامة.
وتضيف: «الدولة لم تكتف بالدعم التقليدى لأسر الشهداء، إنما حرصت على تمكينهم اقتصاديًا واجتماعيًا، وتوفير فرص التعليم والرعاية والعمل لأبناء الشهداء، حتى يكون لهم مستقبل كريم يليق بما قدمه آباؤهم»، بل إن هذا الاهتمام لم يكن مجرد إجراءات اجتماعية، إنما رسالة واضحة تؤكد أن مصر لا تنسى أبناءها الأوفياء، وأن تضحياتهم ستظل محل تقدير واعتزاز على مر السنين.
أم الشهيد المجند مصطفى خضر: شبابنا لم يبخلوا بأرواحهم عندما ناداهم الواجب الوطنى.
الحاجة سلوى محمد أحمد، والدة الشهيد المجند مصطفى خضر سليم تقول: «كلما تأتى ذكرى ثورة 23 يوليو أشعر بالفخر، لأنها كانت بداية بناء جيش مصر القوى، الجيش الذى خرج منه ابنى وكل الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل أن تظل مصر آمنة، رجال يوليو دافعوا عن الوطن، وأبناؤنا أكملوا المسيرة، ولم يبخلوا بأرواحهم عندما ناداهم الواجب».
وتضيف: أثناء وجودى فى العمرة، طلب منى أن أدعو له عند الكعبة وفى المسجد النبوى، وقال لى: «قولى يا رب يكرمه الكرم اللى ما بعدوش كرم، فقلت له: ربنا يكرمك يا ابنى، ولم أكن أعلم أن أعظم كرم سيمنحه الله له هو الشهادة، وأنا وعدت مصطفى أن أرتدى الأبيض يوم فرحه، ولما استشهد أوفيت بوعدى لبست الأبيض فى جنازته، وزغردت وأنا أودعه، لأنه خرج من الدنيا عريسًا إلى الجنة، ولم أرد أن أخلف وعدًا قطعته له».
أشعر بالفخر كلما تذكرت ابنى، وأشعر أن مصر لا تزال تنجب رجالًا أوفياء كما أنجبتهم منذ ثورة يوليو وحتى اليوم، فالشهداء هم الذين حفظوا هذا الوطن، وأتمنى أن يعرف كل شاب قيمة ما قدموه، لأن الأمن الذى نعيشه اليوم دفع ثمنه شباب فى عمر الزهور، ضحوا بأحلامهم وحياتهم حتى تبقى مصر عزيزة وآمنة».






