الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
‎الجمهوريتان.. وعدٌ واحدٌ  فى جسدٍ واحد

‎الجمهوريتان.. وعدٌ واحدٌ فى جسدٍ واحد

الأممُ لا تُقاس بما ترفع من شعارات، وإنما بما تُودِع فى أجساد أبنائها من عافية. والصحةُ أعدلُ الشهود على الدول؛ لا تُجامل ولا تُزايد، وإنما تُفصح فى هدوءٍ عن حقيقة ما جرى. ونحن إذ نقف اليوم على ذكرى الثالث والعشرين من يوليو، فإن السؤال الجدير بالطرح ليس: ماذا قالت الثورة؟ بل: ماذا صنعت فى أبدان الناس؟ وماذا أضافت الجمهوريةُ الجديدة إلى ما بدأته الجمهوريةُ الأولى؟



‎أولًا: حين وُلدت الفكرة

‎قبل يوليو 1952، كان العلاجُ فى مصر يقوم على منطقٍ واحد: أن العافية سلعةٌ يشتريها من يملك، وإحسانٌ يناله من لا يملك. كانت المستشفياتُ الكبرى فى القاهرة والإسكندرية، وكان الريفُ- حيث يعيش أغلبُ المصريين- يواجه البلهارسيا والأنكلستوما والرمد بما تيسَّر من رقيةٍ أو دعاء. ولم تكن كلياتُ الطبِّ لتتجاوز أصابعَ اليد الواحدة.

‎فجاءت الثورةُ بفكرةٍ لم تكن معهودة: أن الصحةَ ليست منحةً تُوهَب، وإنما حقٌّ يترتب على الانتماء إلى هذا الوطن. وهذه- فى ميزان الحضارات- نقلةٌ لا تُقاس بحجم المال، وإنما بموقع الإنسان من عقل الدولة. فحين ينتقل العلاجُ من خانة الفضل إلى خانة الاستحقاق، يتغيَّر كلُّ ما بعده: يتغيَّر من يُسأل، ومن يُحاسَب، ومن يملك أن يطالب.

‎ثانيًا: حين صارت الفكرةُ حجرًا

‎ولم تبقَ الفكرةُ حبرًا. فقد تحوَّلت العدالةُ الاجتماعية من مبدأ فى ميثاقٍ إلى بنيانٍ يُرى ويُلمَس.

قام معهد ناصر ليكون صرحًا للعلاج والبحث معًا، يقصده ابنُ الصعيد كما يقصده ابنُ العاصمة، ويقدِّم من الجراحات الدقيقة ما كان بالأمس حكرًا على من يستطيع السفر.. وامتدت المستشفياتُ العامة إلى عواصم المحافظات، وامتدت معها المستشفياتُ الجامعية حين تعددت كلياتُ الطب فى أسيوط والدلتا، فصار التعليمُ الطبىّ والعلاجُ يسيران معًا فى كل إقليم، بعد أن كانا محبوسين فى مركزٍ واحد.

وفى الريف، انتشرت الوحداتُ الصحية حتى صار مقصدُ الدولة وحدةً لكل قرية- وهى الفكرة التى بُنيت عليها الرعايةُ الأولية فى مصر إلى يومنا هذا-. وفى منتصف الستينيات وُلد التأمينُ الصحيُّ على العمال، فكانت أولَ محاولةٍ جادةٍ لتحويل العدالة من نيةٍ إلى تمويل. وفى الصناعة، قامت شركاتُ الدواء الوطنية فأنتجت الدواءَ محليًّا بسعرٍ يقدر عليه المصريون، وصار الاكتفاءُ الدوائيُّ جزءًا من مفهوم الأمن القومى.

‎تلك كانت القيمةَ المضافةَ الكبرى للجمهورية الأولى: أنها لم تبنِ مستشفياتٍ فحسب، بل بنت مفهومًا. وأورثتنا يقينًا لم يتزحزح منذ سبعين عامًا: أن الدولة مسئولةٌ عن عافية مواطنيها.

‎ثالثًا: حين ضاق البنيانُ عن الفكرة

‎غير أن الإنصاف يقتضى القول: إن الفكرة سبقت أدواتها. فقد تضاعف عددُ المصريين مراتٍ ومرات، بينما ظلَّ كثيرٌ من البنيان على حاله؛ وصار «العلاجُ المجانى» فى بعض المواضع مجانيًّا فى اسمه، يدفع المريضُ ثمنَه من جيبه ومن وقته ومن كرامته. وتقادمت الوحداتُ الريفية حتى صار بعضُها جدرانًا بلا مضمون، وطالت قوائمُ الانتظار حتى صار الدورُ عمرًا لا يُدرَك. لم تكن الأزمةُ فى المبدأ، وإنما فى المسافة التى اتسعت بين المبدأ وتنفيذه.

‎رابعًا: القيمة المضافة للجمهورية الجديدة

‎وهنا يظهر معنى الثلاثين من يونيو فى الملف الصحى. فهى لم تأتِ لتنقض ما بُنى، وإنما لتُتمَّ الوعدَ نفسه بأدواتٍ يقدر عليها عصرُنا.

‎أولها: أن الحقَّ صار نصًّا مُلزِمًا. فقد جاء دستورُ 2014، ليضع الصحةَ حيث ينبغى: حقًّا لكل مواطن، وألزم الدولةَ بنصيبٍ من الناتج القومى لا ينزل عن ثلاثة فى المائة، وحرَّم الامتناعَ عن علاج أيِّ إنسانٍ فى حالات الطوارئ. فما كان مبدأً فى ميثاقٍ صار التزامًا يُسأل عنه أهلُه.

‎وثانيها: أن الطبَّ لم يعد ينتظر المريض. فقد ظلَّ دهرًا ينتظر الموجوعَ حتى يطرق الباب، فصار يقصده قبل أن يشكو. خرجت حملةُ «100 مليون صحة» فمسحت عشرات الملايين بحثًا عن فيروسٍ كان يفتك فى صمت، فبلغت مصرُ ما لم تبلغه أمةٌ قبلها: شهادةُ منظمة الصحة العالمية بالفئة الذهبية فى القضاء على فيروس «سى». ثم تبعتها شهادةُ خلوِّ البلاد من الملاريا- داءٍ رافق وادى النيل منذ فجر التاريخ- وامتدَّ المنطقُ نفسه إلى مبادراتٍ توالت: للكشف المبكر عن سرطان الثدى، ولصحة المرأة، ولفحص المواليد قبل أن ينطقوا، ولتلاميذ المدارس قبل أن يُثقلهم ما لا يعلمون. والفكرةُ واحدة: أن الوقاية ليست ترفًا أخلاقيًّا، وإنما أرخصُ صفقةٍ تعقدها دولةٌ مع مستقبلها.

‎وثالثها- وهو أعمقُها أثرًا: أن العدالة صارت منظومة. فقانونُ التأمين الصحى الشامل لم يسأل: كيف نعالج؟ بل: من يدفع، وكيف نضمن ألّا يبيع رجلٌ أرضَه ليشترى لأهله يومًا إضافيًّا من العمر. فُصلت جهةُ التمويل عن جهة التقديم عن جهة الرقابة، وأُقيم البنيانُ على تكافلٍ يدفع فيه القادرُ عن العاجز. وهى بالضبط فلسفةُ يوليو، لكن بأدوات القرن الحادى والعشرين: لا شعارَ بلا تمويل، ولا تمويلَ بلا رقابة، ولا رقابةَ بلا اعتمادٍ وجودةٍ يُقاس بهما الأداء.

‎ورابعها: أن الجغرافيا لم تعد قدرًا. فمع «حياة كريمة» أُعيد بناءُ وحدات الريف التى أنشأتها الجمهوريةُ الأولى، فكأن الحفيدَ يرمِّم بيتَ جدِّه. ومع مبادرة إنهاء قوائم الانتظار خرج من الظلِّ مئاتُ الآلاف كُتب عليهم أن ينتظروا دورًا لا يأتى. ومع منظومة الشراء الموحد صار الدواءُ يُشترى بمنطق الدولة الواحدة لا الجُزر المتفرقة.

‎وبعدُ.. خيطٌ واحدٌ يصل الثورتين

‎من يقرأ يوليو ويونيو بعينٍ واحدةٍ يجد بينهما نسبًا لا يخطئه النظر. الأولى أعلنت الحق، والثانية بنت الآلة التى توصله. الأولى قالت للمصرى: عافيتُك مسئوليةُ دولتك. والثانية أضافت: وهذه هى الوسيلة، وهذا هو التمويل، وهذا من تُحاسبه إن قصَّر. وبين الإعلان والآلية سبعون عامًا من التجربة، تعلَّمنا فيها أن النيةَ الطيبةَ وحدها لا تشفى أحدًا.

‎ولستُ ممن يكتبون النهاياتِ السعيدة. فبين الإنجاز والإحساس به فجوةٌ ما زالت قائمة؛ إذ لا يقيس المواطنُ المنظومةَ بمؤشراتها، وإنما بأول موظفٍ لقيه وأول كلمةٍ سمعها. وما زال أمامنا أن نُتمَّ تعميم التأمين على المحافظات كافة، وأن نبنى الكوادرَ البشريةَ التى هى عصبُ كل بنيان، وأن تصير جودةُ المعاملة جزءًا من جودة العلاج لا زينةً تُضاف إليه. غير أن الفرق بين مرحلةٍ ومرحلةٍ ليس فى بلوغ الغاية، وإنما فى وضوح الاتجاه.

‎لقد أورثتنا يوليو فكرةً أن الإنسان أغلى ما فى هذا الوطن، وأورثتنا يونيو أدواتٍ تجعل الفكرةَ قابلةً للحياة. وأصدقُ ما تكتبه دولةٌ عن نفسها ليس ما يُنقش على الجدران، وإنما ما يُقرأ فى وجوه الناس.