الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
العلاقات المصرية ــــ الإفريقية والمصير المشترك

العلاقات المصرية ــــ الإفريقية والمصير المشترك

من الراسخ أن العلاقات المصرية الإفريقية تضرب بجذورها فى عمق التاريخ، حيث صاغت الجغرافيا والمصير المشترك أواصر ترابط لا تنفصم، تجلت أبهى صورها مع اندلاع ثورة 23 يوليو 1952. ففى تلك الحقبة، لم تتعامل القيادة المصرية مع القارة كجوار جغرافى فحسب، بل جعلت من «الدائرة الإفريقية» ركيزة رئيسية لأمنها القومى ورسالتها التحررية؛ ففتحت القاهرة أبوابها لثوار القارة عبر «جمعية الرابطة الإفريقية»، وسخرت إعلامها بلغات محلية متعددة مثل السواحلية والهوسا والفولانية عبر أثير إذاعة «صوت العرب» لنشر وعى التحرر وتبديد الدعاية الاستعمارية. ولم تكتفِ مصر بالدعم السياسى والإعلامى، بل قدمت التمويل، والتدريب اللوجستى لشتى حركات التحرر؛ فدعمت الثورة الجزائرية، ودعمت حركة «الماو ماو» فى كينيا، وحركات النضال ضد الاستعمار البرتغالى فى أنجولا وموزمبيق، وحزب المؤتمر الوطنى الإفريقى بزعامة نيلسون مانديلا فى جنوب إفريقيا لمناهضة نظام الفصل العنصرى. كما استثمرت مصر فى القوة الناعمة عبر فتح أبواب الأزهر الشريف والجامعات المصرية لآلاف الطلاب الأفارقة الذين أصبحوا لاحقًا قادة لبلدانهم، وكانت مصر ورئيسها جمال عبد الناصر -بالتعاون مع القادة الأفارقة (الآباء المؤسسين) مثل: كوامى نكروما، وجيوليوس نيريرى، وسيكتورى، ولومومبا وغيرهم- بمثابة حجر الزاوية فى تأسيس «منظمة الوحدة الإفريقية» بأديس أبابا عام 1963، لترسخ رصيدًا تاريخيًا نادرًا من الوفاء والنضال المشترك صاغ الهوية الإفريقية لمصر وقاد القارة نحو استكمال مسيرة التحرر وضمان حاضر أكثر استقرارًا ومستقبل أكثر إشراقًا لشعوب القارة الإفريقية.



ولم يتوقف هذا الانفتاح المصرى فى الحقبة الناصرية عند حدود النضال السياسى والتمكين العسكرى لحركات التحرر الإفريقية، بل امتد ليتجسد فى رؤية استراتيجية متكاملة للتعاون العلمى والثقافى والتنموى؛ وتجلى ذلك فى تأسيس المكاتب الثقافية المصرية فى إفريقيا، والتى كان فى طليعتها المكتب الثقافى المصرى فى كانو شمال نيجيريا الذى تأسس فى عام 1960، والذى تحول إلى منارة فكرية وحضارية تُعنى بنشر الثقافة العربية والإسلامية، وتوزيع الكتب والمؤلفات، وإقامة المهرجانات الثقافية والمعارض الفنية فى تجسيد حى لقوة العلاقات المصرية النيجيرية ومدى التقارب الحضارى الحاصل بين الشعبين. وقد صاحب ذلك دور وساطة دبلوماسى وسياسى بارز لمصر فى حل الصراعات والنزاعات الإفريقية-الإفريقية وتثبيت دعائم الاستقرار فى الكثير من المناطق التى تأججت فيها الحروب والنزاعات المسلحة، ومن أمثلة ذلك الجهود المصرية فى دعم وحدة الكونغو، وإدارة الأزمة النيجيرية التى تمثلت فى الحرب الأهلية التى أطلق عليها مسمى (حرب بيافرا) عبر الحفاظ على وحدة التراب النيجيرى، لتؤكد القاهرة حينها أن الدعم المصرى للقارة ينبع من التزام أخلاقى وتاريخى يسعى إلى بناء إفريقيا قوية وموحدة ومستقرة.

وعلى صعيد بناء الإنسان وتوفير الخدمات الأساسية للشعوب الإفريقية فى أعقاب الاستقلال، قامت مصر بإرسال البعثات الميدانية المتخصصة التى جابت أرجاء القارة الإفريقية؛ فكانت بعثات الأزهر الشريف التى ضمت العديد من علماء ومشايخ بوصفهم وفودًا للسلام ونشر الفكر الإسلامى الوسطى المعتدل، ومكافحة الأفكار الهدامة والمشاريع الاستعمارية التى استهدفت القارة وشعوبها فى العديد من المناطق لاسيما فى إقليم غرب إفريقيا ودول حوض نهر النيل. بالتوازى مع تلك الجهود، أرسلت مصر العديد من البعثات التعليمية التى قامت بتأسيس المدارس، وإعداد المناهج الدراسية، وتدريب المعلمين الأفارقة، كما أوفدت مصر مئات المعلمين المصريين للتدريس باللغة العربية والإنجليزية والفرنسية فى دول مثل: الصومال والسودان وغينيا وغيرها. وفى المجال الصحى، أرسلت وزارة الصحة المصرية العديد من القوافل والبعثات الطبية المجهزة بالأطباء والمستلزمات الدوائية لمواجهة الأوبئة والأمراض المنتشرة فى كثير من أنحاء القارة الإفريقية. واكتملت هذه المنظومة بتوسع غير مسبوق فى البعثات التعليمية والمنح الجامعية؛ إذ استقبلت الجامعات المصرية وعلى رأسها جامعة القاهرة (معهد البحوث والدراسات الإفريقية) الذى أصبح الآن (كلية الدراسات الإفريقية العليا)، وجامعة عين شمس، ناهيك عن جامعة الأزهر الشريف، الآلاف من الطلاب الأفارقة، الذين تلقوا على أرض مصر مختلف العلوم وأصبحوا متخصصين فى المجالات والتخصصات التى تحتاجها دولهم وشعوبهم، والذين عادوا إلى بلدانهم وتولوا العديد من المناصب القيادية والتنفيذية الرفيعة فمنهم من أصبحوا وزراء وسفراء وأساتذة جامعات، وجميعهم كان ولا يزال يكّن لمصر فى وجدانه وفاءً وانتماءً يدلل على مدى حب الأفارقة لمصر وتقديرهم لدورها الحيوى والفاعل فى استقرار إفريقيا وتنميتها.

ومع تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى مقاليد الأمور فى مصر واستعادة مصر لمكانتها القارية عقب ثورة 30 يونيو 2013، شهدت العلاقات المصرية الإفريقية تحولًا استراتيجيًا انتقلت به من معارك التحرر السياسى إلى معارك التنمية الشاملة، فى محاولة لضبط المسار وتدارك عقودٍ من التراجع الإقليمى. وقد سعت مصر إلى صياغة شواغل القارة بلغة العصر، فنجحت فى رفع تجميد عضويتها وتوجت ذلك برئاسة الاتحاد الإفريقى عام 2019؛ وعملت على تعزيز التكامل الاقتصادى والربط القارى من خلال مشروعات بنية تحتية عملاقة تكسر العزلة بين دول القارة؛ كطريق «القاهرة - كيب تاون» الشريانى البرى الممتد عبر 9 دول إفريقية، ومشروع الربط المائى بين بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط إلى جانب إنشاء «سد جوليوس نيريرى» بتنزانيا بكوادر واستثمارات تحالف مصرى («المقاولون العرب» و«السويدى إلكتريك») لتوليد الطاقة الكهرومائية ودعم التنمية دون الإضرار بأحد، كما حرصت مصر على تنشيط التبادل التجارى وتفعيل «منطقة التجارة الحرة القارية لتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية، مع تمثيل الصوت الإفريقى بصلابة فى المحافل الدولية؛ حاشدة الدعم المالى والتكنولوجى للقارة فى قمم المناخ (مثل قمة باريس 2015 وقمة شرم الشيخ 2022) ومؤتمرات «تيكاد» مع اليابان وقمم مجموعتى السبع والعشرين، لترسيخ مفهوم الدبلوماسية المناخية والأمن الغذائى والمائى كحقوق أصيلة لشعوب القارة.

ولا شك أن العام الذى تولت فيه مصر بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى رئاسة الاتحاد الإفريقى (عام 2019) يشكل محطة فارقة ونقطة تحول استراتيجية فى تاريخ العمل الإفريقى المشترك؛ حيث تحولت القيادة المصرية إلى محرك رئيسى لأجندة التنمية والاستقرار فى القارة الإفريقية. وفى هذا السياق تجدر الإشارة إلى بعض الإنجازات التى تحققت فى ظل الرئاسة المصرية للاتحاد الإفريقى وفى مقدمتها إطلاق وحشد الدعم التاريخى لـ «منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية دخولها حيز التنفيذ، مما وضع اللبنة الأولى لأكبر منطقة تجارة حرة فى العالم من حيث عدد الدول. كما أطلق الرئيس السيسى مبادرة «إسكات البنادق» لمواجهة النزاعات المسلحة والقضاء على الإرهاب المنتشر فى ربوع إفريقيا، إلى جانب ريادة مصر لملف «إعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات» وتأسيس مركز قارى لهذا الغرض فى القاهرة. ولم تقتصر الجهود المصرية على الجانب السياسى والاقتصادى فحسب، بل امتدت لتشمل الجانب الإنسانى والصحى أيضًا، وذلك عبر إطلاق مبادرة «علاج مليون إفريقى من فيروس سى»، فضلًا عن تنظيم «منتديات الشباب الإفريقي» بمدينة أسوان بوصفها عاصمة للشباب الإفريقى، مما جعل البعض ينظر إلى هذا العام بوصفه عام عودة حضور وتأثير القيادة المصرية وبقوة فى إفريقيا على الصعيد الرسمى.

وتتجسد هذه الشراكة الحديثة فى التناغم العميق والتكامل المؤسسى بين «رؤية مصر 2030» و«أجندة إفريقيا 2063»، حيث تلتقى الأهداف الوطنية للمصريين فى التنمية الشاملة مع الطموحات القارية لـ «إفريقيا التى نريدها»، التى ترتكز إلى الاستقرار والتصنيع المحلي، بالتوازى مع الدبلوماسية الإنسانية المتمثلة فى إرسال القوافل الطبية المتخصصة، وتأسيس مراكز علاجية دائمة كـ «مركز مصر - رواندا للقلب» فى كيجالى، فضلًا عن تنفيذ مشروعات حفر آبار المياه الجوفية والسدود الصغيرة لحصاد الأمطار فى أوغندا والكونغو الديمقراطية وجنوب السودان، وإنشاء محطات الطاقة الشمسية فى جيبوتى لتطوير البنية التحتية والتحول الرقمى. إن نقل الخبرات التنموية المصرية وتأهيل آلاف الكوادر الإفريقية الدبلوماسية والإدارية والأمنية عبر «الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية» يمثل تطبيقًا حيويًا لبرامج الأجندتين القارية والوطنية للوصول إلى نمو اقتصادى يستند إلى العقول والأيادى الإفريقية.

وبرغم كل ما ذكرناه من إنجازات ومكاسب استراتيجية، يظل الطريق نحو المستقبل محفوفًا بتحديات ومشكلات كبيرة تتطلب مواجهة حاسمة وحلول ناجعة؛ شريطة أن تأتى هذه الحلول من الأفارقة أنفسهم، تأكيدًا لما ذكره الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى مرارًا وتكرارًا من أن مشكلات إفريقيا لن تحل إلا بأيدى الأفارقة أنفسهم. ولعل أبرز المشكلات التى تواجهها قارتنا الإفريقية اليوم وتشكل عقبة كئودا أمام جهود التنمية هى مشكلة التغيرات المناخية والآثار الناجمة عنها من جفاف وفيضانات، وحرائق، ناهيك بانتشار الصراعات والنزاعات المسلحة فى ربوع القارة، وتفشى ظاهرة التطرف والإرهاب العابر للحدود فى العديد من الأقاليم الإفريقية لاسيما منطقة الساحل والصحراء، بالإضافة إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وتراكم الديون الخارجية، وتهديدات الأمن الإنسانى المتزايدة وحاجة الدول للتمسك بالحقوق التاريخية والقانون الدولى للأنهار العابرة للحدود. وعليه فإن المستقبل الذى تنشده شعوب القارة يستوجب الاعتماد على قاعدة «الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية» عبر تعزيز التضامن السياسى، وتوسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص فى القارة، إلى جانب الشراكات الدولية، وتأمين منافذ التجارة البينية. 

وختامًا يمكن القول إن المسار الممتد من روح ثورة يوليو 1952 إلى إنجازات اليوم يؤكد أن مصر وإفريقيا تعبران معًا نحو عصر جديد؛ تتحول فيه التحديات إلى فرص، وينتقل فيه المصير المشترك من ذاكرة النضال السيادى والتحرر من الاستعمار الذى نهب ثروات القارة وفتت أواصرها إلى واقع قوامه التنمية المستدامة، والازدهار الاقتصادى، والاستقرار الدائم لجميع شعوب القارة الإفريقية وفقًا لأجندة إفريقيا 2063 التى تحمل شعار «إفريقيا التى نريد».