الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
  ثورة الثقافة والتنوير

ثورة الثقافة والتنوير

يؤكد التاريخ على أن مصر أقدم دولة مركزية فى الكون.. وعلى مدى آلاف السنين.. صعدت فى بعض المراحل لتكون القوة العسكرية العظمى.. وفى مراحل أخرى صعدت لتكون القوة الاقتصادية العظمى ولكنها طوال الوقت قوة ثقافية عظمى.. ورغم رسوخ كل آليات ومفردات الثقافة فى مصر فإن تلك العظمة الثقافية تتألق وتزهو أحيانًا.. وتخبو وتتوارى فى أحيان أخرى.. حيث شهد التاريخ المصرى القديم بأسراته الثلاثين.. الكثير من مراحل الصعود والازدهار الثقافى.. ذلك الألق الذى مازال يبهر العالم من خلال الأهرامات والمسلات والمعابد وكل الآثار المصرية القديمة.. وبعد انتهاء الأسرات الثلاثين دخلت مصر فى دوامة رهيبة من عمليات الاحتلال والهيمنة.. لتصبح مجرد ولاية صغيرة ضمن إمبراطورية عملاقة الفرس - الإغريق - الرومان - الدولة الأموية - الدولة العباسية - الدولة العثمانية - الاحتلال الإنجليزى.



وانتظرت مصر لما يقرب من الألفى عام.. حتى جاء واحد من أبنائها النابغين - رفاعة رافع الطهطاوى - ليتحدث فى منتصف القرن التاسع عشر عن «الوطن المصرى».. وجاء من بعده رواد مدرسة الإحياء فى الشعر العربى محمود سامى البارودى - أحمد شوقى - حافظ إبراهيم.. ولحق بهم الزعيم الوطنى الشاب مصطفى كامل.. الذى كان يدعو إلى استقلال مصر تحت مظلة الدولة العثمانية - تلك الدولة التى انتهى دورها فى مصر بإعلان إنجلترا الحماية على مصر عام 1914.. ثم جاءت ثورة 1919 ليتبلور بشكل أكبر اندفاع المصريين وتضحياتهم من أجل الحصول على الاستقلال.. وطرد الاحتلال الإنجليزى.. وطوال تلك السنوات كانت مصر تزخر بالمئات من كبار المثقفين والأدباء والمفكرين «أحمد شوقى - حافظ إبراهيم - محمد حسنين هيكل - توفيق الحكيم - عبدالقادر المازنى - عباس محمود العقاد - طه حسين.. إلخ».. واستطاع كل واحد من هؤلاء الكبار أن يصنع مجدًا ثقافيًا شخصيًا.. ولكنهم جميعًا لم يستطيعوا خلق حالة ثقافية تشمل كل الشعب المصرى - ولم يكن هذا عن عجز فيهم.. ولكنه المناخ العام.. الذى سيطر عليه الاحتلال الإنجليزى البغيض.. وتوحش الإقطاع والرأسمالية المستغلة.. ونظام الحكم الفاسد.

وظل هذا الوضع المنكس جاثمًا على صدور المصريين.. حتى جاءت ثورة يوليو 1952 - بقيادة الزعيم جمال عبدالناصر - لتحتل الثقافة وتوأمها التعليم قمة إنجازات تلك الثورة العظيمة.. ويرجع الفضل فى ذلك إلى أن زعيم الثورة جمال عبدالناصر.. كان واحدًا من المثقفين الكبار.. حيث قرأ كل الكتب الموجودة فى مكتبة الكلية الحربية عندما كان طالبًا بالكلية، كما كان واسع الاطلاع فى كل مجالات المعرفة، وقد أنقذت ثقافة جمال عبدالناصر رقبة الملك فاروق من حبل المشنقة.. حيث اجتمع مجلس قيادة الثورة ليلة نجاح الثورة لمناقشة ما بعد هذا النجاح وسألهم عبدالناصر ماذا سنفعل مع الملك فاروق؟ فأجاب صلاح سالم نحاكمه بسرعة ونعدمه.. فرد عبدالناصر إذا كنا سنعدمه فما ضرورة المحاكمة.. ثم سألهم هل قرأ أحد منكم رواية قصة مدينتين؟ فظهر الوجوم على وجوههم.. وخيم الصمت على أرجاء القاعة.. فقال لهم عبدالناصر هذه رواية من تأليف تشارلز ديكنز.. تتحدث عن الثورة الفرنسية.. وتؤكد أن الثورات التى تبدأ بالدم لا ينتهى فيها الدم.. ليتم إنقاذ فاروق.. ويخرج من مصر فى وداع رسمى محترم.. وقد أسند جمال عبدالناصر ملف الثقافة بالتتابع إلى ثلاثة من الأسماء اللامعة.. أصحاب العطاءات الوطنية العظيمة الأستاذ فتحى رضوان ود.ثروت عكاشة ود.عبدالقادر حاتم، حيث تولى المناضل الوطنى فتحى رضوان وزارة الإرشاد القومى «الثقافة والإعلام» وله كتاب قيم عن تجربته العظيمة بعنوان «54 شهرًا مع عبدالناصر»، وقد حرص فتحى رضوان على الاستعانة بكبار المثقفين والأدباء، فجاء بالأديب الكبير يحيى حقى ليتولى أمر المجلس الأعلى للفنون والآداب واستعان حقى بالأديبين الموهوبين نجيب محفوظ وعلى أحمد باكثير بل إن فتحى رضوان قرر أن يقيم نادى سينما فى ساحة قصر عابدين لكى يشاهد الغلابة والبسطاء من أبناء الشعب الأفلام داخل قصر الحكم الذى كان محرمًا عليهم السير من أمامه، ووضع فتحى رضوان الأسس القوية لنهضة ثقافية عملاقة فى جميع روافد الفنون والآداب.. وجاء عام 1958 ليشهد انطلاقة مصرية عملاقة حيث تم استحداث العديد من الوزارات التى لم تكن موجودة من قبل مثل الصناعة والتخطيط والثقافة.. وتم اختيار د.ثروت عكاشة وزيرًا للثقافة.. وكان وقتها يشغل منصب سفير مصر فى إيطاليا.. وتربطه صداقة متينة مع عبدالناصر منذ تنظيم الضباط الأحرار، وجاء عكاشة إلى مصر غاضبًا وذهب إلى صديقه عبدالناصر رافضًا تولى الوزارة ويكتب عكاشة فى مذكراته  تفاصيل الحوار الصعب والساخن الذى دار بينه وبين الرئيس عبدالناصر على مدى أربع ساعات.. رفض وإصرار من عكاشة ومحاولات مضنية للإقناع من عبدالناصر إلى أن قال عبدالناصر: «يا ثروت الثورة لم تأت لكى تبنى مصانع ومساكن فقط.. فالأهم أنها جاءت لكى تبنى الإنسان» ولم يجد عكاشة أمامه إلا الموافقة، ولكنه أضمر فى نفسه شيئًا.. يجعل الرئيس هو الذى يرفض.. حيث عاد فى اليوم التالى.. ومعه مشروع شديد الطموح لنهضة ثقافية عملاقة فى «الآداب والفنون.. نشر شوالثقافة الجماهيرية.. إلخ» فقرأ عبدالناصر المشروع بدقة شديدة.. ثم وقع بالموافقة، ولم يكتف بالموافقة ولكنه كتب بخط يده.. الدور الحقيقى الذى يجب أن تقوم به الثقافة الجماهيرية بالعمل على ضخ الثقافة والتنوير.. فى شرايين وأوردة القرى والنجوع بكل محافظات الجمهورية.. وانطلق عكاشة - الذى تولى الوزارة على فترتين «1958 - 1962 ثم 1966- 1971» ليزرع أشجار وزهور الثقافة فى كل مصر، فأنجبت مؤسسة السينما عشرات الأفلام العظيمة وتحول المسرح إلى قلعة للتنوير والمعارضة، حيث راح شباب المسرح الذين أرسلتهم الدولة فى بعثات خارجية - يطبقون كل ما تعلموه على خشبة المسرح - وتألقت عشرات الأسماء فى التأليف «محمود دياب - نعمان عاشور - الفريد فرج - سعد الدين وهبة.. إلخ».. وفى الإخراج «كرم مطاوع - نبيل الألفى - جلال الشرقاوى - سعد أردش.. إلخ».. وفى التمثيل «سميحة أيوب - عبدالله غيث - سناء جميل - سهير المرشدى - حمدى غيث.. إلخ».

وفى المقابل أنشأ د.عبدالقادر حاتم الذى كان يتولى وزارة الإعلام فرق مسرح التليفزيون.. التى كانت تقدم المسرح الكوميدى الخفيف وأخرجت عشرات النجوم فى كل مجالات المسرح.

كما راحت معاهد أكاديمية الفنون تخرج إلى النور تباعًا.. لتضخ الدماء الجديدة فى جميع روافد «الفنون والغناء - الموسيقى - السينما - المسرح - الإخراج - الديكور - المونتاج.. إلخ».

كما ظهرت الهيئات الثقافية العملاقة «هيئة المسرح - مؤسسة السينما - هيئة الكتاب - قطاع الفنون الشعبية.. إلخ».

وراحت الثقافة المصرية تؤكد مفهوم أن الثقافة هى «القوة الناعمة».. وذلك قبل أكثر من ثلاثين عامًا، حيث راحت الثقافة المصرية تعمل على نشر الاستنارة داخل المجتمع المصرى ثم تنطلق بعد ذلك لتؤثر فى الدوائر الثلاث التى حددها الزعيم جمال عبدالناصر فى كتابه «فلسفة الثورة» وهى الدائرة العربية - الدائرة الإفريقية - الدائرة الإسلامية، فانطلق الأدب المصرى والفن المصرى والفكر المصرى ليؤثر فى كل أركان الدنيا.. بل إن المطربين العرب الكبار كان لابد وأن يحجوا إلى مصر لكى يحصلوا على «صك الاعتراف»، حيث تحولت مصر إلى شمس الثقافة وبؤرة الفنون والآداب.

ولم يتوقف دور الثقافة عند إشاعة الاستنارة وتوسيع المدارك والعقول.. ولكنه  امتد ليصبح جيشًا حقيقيًا من الأفكار المستنيرة.. حيث فشل دُعاة الفكر المتطرف سواء السلفيين أو جماعة الإخوان.. فى اختراق حائط الثقافة المصرية الصلب والعنيد، حيث تحول المثقفون والأدباء والفنانون إلى كتائب قوية وعفية عملت على فضح وتجريس كل دُعاة الفكر المتطرف، كما عملت الاستنارة التى أشاعتها الثقافة على تأصيل مبادئ المواطنة والوحدة الوطنية.. فلم تشهد مصر طوال فترة الخمسينيات والستينيات أى حادث طائفى، بل إن العلاقة بين الزعيم جمال عبدالناصر والبابا كيرلس رحمهما الله كانت علاقة أقرب بعلاقات الأبوة والبنوة.

ولم يتوقف دعم ثورة يوليو للثقافة المستنيرة عند إقامة الأنشطة والمؤتمرات والمهرجانات فقط ولكنها كما أسلفنا أنشأت البنية التحتية الصلبة - التى مازالت قادرة على مواصلة دورها، فقط لوجدت الكوادر الثقافية الوطنية التى تؤمن كما آمنت ثورة يوليو بأن الثقافة هى قاطرة التنمية الحقيقية فى أى مجتمع، فأى تنمية اقتصادية - اجتماعية - سياسية لابد وأن تنطلق خلف قاطرة التنمية الثقافية.