د.إبراهيم درويش
الزراعة.. من الإصلاح إلى الاســـتصــلاح
لم تكن ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، مجرد تحول سياسى أنهى حقبة وبدأ أخرى، وإنما كانت نقطة انطلاق لمشروع وطنى شامل أعاد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن، ورسّخ مفهوم العدالة الاجتماعية، ووضع التنمية الاقتصادية فى صدارة أولوياتها. وكان القطاع الزراعى من أكثر القطاعات التى تجسدت فيها أهداف الثورة، بعدما انتقلت مصر من واقع هيمنت فيه قلة من كبار الملاك على معظم الأراضى الزراعية، إلى مرحلة أصبح فيها الفلاح يمتلك الأرض ويشارك فى بناء وطنه، ليبدأ فصل جديد فى تاريخ الريف المصرى.
اليوم، وبعد مرور أربعة وسبعين عامًا على تلك الثورة المجيدة، تخوض مصر معركة وطنية لا تقل أهمية، لكنها تختلف فى طبيعتها وأدواتها. فالجمهورية الجديدة بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى لا تواجه تحدى توزيع الأرض، بل تعمل على خلق أرض جديدة، وإدارة مواردها المحدودة بكفاءة، وتأمين احتياجات أكثر من مائة وسبعة ملايين مواطن من الغذاء، فى ظل عالم يواجه أزمات متلاحقة، من تغيرات مناخية واضطرابات فى سلاسل الإمداد وارتفاع غير مسبوق فى أسعار الغذاء والطاقة.
من هنا، فإن قراءة مسيرة الزراعة المصرية يجب ألا تكون قراءة منفصلة بين الماضى والحاضر، بل قراءة متصلة ترى أن ما تحقق فى خمسينيات القرن الماضى كان أساسًا لما يتحقق اليوم.
فالإصلاح الزراعى وضع قواعد العدالة الاجتماعية، بينما جاءت الجمهورية الجديدة لتبنى على تلك القاعدة مشروعًا وطنيًا للتوسع الأفقى والرأسى، واستثمار التكنولوجيا، وتعظيم كفاءة استخدام المياه، وتحقيق الأمن الغذائى باعتباره إحدى ركائز الأمن القومى المصرى.
لقد اختلفت التحديات، وتبدلت الأدوات، لكن الهدف بقى ثابتًا؛ بناء دولة قوية تمتلك قرارها، ويظل رغيف الخبز فيها نابعًا من أرضها، ويظل الفلاح المصرى شريكًا أصيلًا فى معركة التنمية، كما كان دائمًا عبر تاريخ هذا الوطن.
الزراعة قبل يوليو.. عندما كانت الأرض حكرًا على القلة
قبل قيام ثورة يوليو، كان الريف المصرى يعيش واحدة من أكثر مراحله صعوبة. فعلى الرغم من أن الزراعة كانت تمثل العمود الفقرى للاقتصاد الوطنى، فإن ملكية الأراضى كانت شديدة التركز؛ إذ سيطر أقل من 6% من كبار الملاك على أكثر من ثلث الأراضى الزراعية، بينما عاش ملايين الفلاحين بين العمل بالأجرة أو استئجار الأرض بشروط قاسية، دون أن يمتلكوا حقهم الطبيعى فى ثمرة جهدهم.
انعكس هذا الوضع على مختلف جوانب الحياة الريفية، فانتشرت معدلات الفقر والأمية، وتراجعت الخدمات الصحية والتعليمية، وظلت الإنتاجية الزراعية محدودة بسبب الاعتماد على الأساليب التقليدية، وضعف الإرشاد الزراعى، وقلة استخدام الأصناف المحسنة والميكنة الحديثة. وكانت الزراعة، رغم أهميتها، عاجزة عن تحقيق التنمية الاجتماعية المنشودة فى ظل هذا الخلل الكبير فى توزيع الموارد.
ولذلك، أدركت قيادة الثورة منذ أيامها الأولى أن الإصلاح الحقيقى يبدأ من الأرض، وأن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق ما لم يصبح الفلاح مالكًا لما يزرع، وشريكًا فيما ينتج. فجاء قانون الإصلاح الزراعى رقم (178) لسنة 1952، ليشكل نقطة تحول تاريخية فى بنية المجتمع الريفى، وليفتح الباب أمام مرحلة جديدة أصبح فيها الفلاح محورًا للتنمية، لا مجرد عامل فى أرض يملكها غيره.
الإصلاح الزراعى.. عندما أصبحت الأرض عنوانًا للعدالة الاجتماعية
فى التاسع من سبتمبر عام 1952، صدر قانون الإصلاح الزراعى رقم (178) لسنة 1952، ليصبح أحد أهم القوانين الاجتماعية والاقتصادية فى تاريخ مصر الحديث. فقد وضع حدًا أقصى للملكية الزراعية، وأعاد توزيع الأراضى على صغار الفلاحين، فى خطوة لم تكن تستهدف إعادة توزيع الثروة فحسب، بل إعادة بناء المجتمع الريفى على أسس أكثر عدلًا وإنصافًا. وتوالت بعد ذلك التشريعات التى خفضت الحد الأقصى للملكية الزراعية، حتى استفادت مئات الآلاف من الأسر الريفية من هذا المشروع الوطنى، حيث تم توزيع ما يقرب من 900 ألف فدان على نحو 350 ألف أسرة، ليصبح مئات الآلاف من الفلاحين ملّاكًا للأرض بعد أن ظلوا لعقود طويلة يعملون فيها دون أن يمتلكوها.
لكن أهمية الإصلاح الزراعى لم تتوقف عند توزيع الأرض، بل امتدت إلى بناء منظومة متكاملة لدعم الإنتاج الزراعى. فقد أنشئت الجمعيات التعاونية الزراعية لتوفير مستلزمات الإنتاج من تقاوٍ وأسمدة ومبيدات، وتقديم التمويل الزراعى، وتنظيم عمليات التسويق، إلى جانب التوسع فى خدمات الإرشاد الزراعى ونقل نتائج البحوث إلى الحقول، وهو ما أسهم فى رفع إنتاجية المحاصيل وتحسين مستوى معيشة الفلاحين.
كما أولت الدولة اهتمامًا بالتعليم الزراعى والبحث العلمى، فتعزز دور كليات الزراعة ومراكز البحوث فى استنباط أصناف جديدة أكثر إنتاجية، وتطوير الممارسات الزراعية، بما انعكس على زيادة الإنتاج وتحسين كفاءة استخدام الموارد.
لقد كان الإصلاح الزراعى أكثر من مجرد قانون؛ فقد كان مشروعًا وطنيًا أعاد الاعتبار للفلاح المصرى، ورسخ مفهوم العدالة الاجتماعية، وجعل الريف شريكًا حقيقيًا فى مسيرة التنمية، وهو ما يفسر بقاء هذا الإنجاز حاضرًا فى الذاكرة الوطنية حتى اليوم.
السد العالى.. المشروع الذى منح الأرض الحياة
إذا كان الإصلاح الزراعى قد أعاد الأرض إلى الفلاح، فإن السد العالى منح تلك الأرض الحياة والاستقرار.
ويعد السد العالى بحق أحد أعظم مشروعات القرن العشرين، ليس فى مصر وحدها، بل على مستوى العالم، لما حققه من آثار اقتصادية وزراعية وتنموية ما زالت ممتدة حتى الآن. فقد وفر لمصر نحو 55.5 مليار متر مكعب من المياه سنويًا وفق اتفاقية مياه النيل، وحمى البلاد من أخطار الفيضانات المدمرة وسنوات الجفاف القاسية، وأتاح إدارة الموارد المائية بصورة أكثر كفاءة.
ومع استقرار إمدادات المياه، انتقلت الزراعة المصرية من الاعتماد على الرى الموسمى إلى الزراعة المستديمة، وهو تحول جوهرى أسهم فى زيادة عدد الدورات الزراعية، ورفع إنتاجية الفدان، وتحسين كفاءة استغلال الأراضى الزراعية.
كما أتاح السد العالى التوسع فى استصلاح الأراضى، فشهدت تلك المرحلة تنفيذ مشروعات قومية مثل مديرية التحرير، والتوسع فى النوبارية، ومناطق من الصحراء الغربية، إلى جانب إنشاء مزارع الدولة والمشروعات الزراعية الكبرى، بما أسهم فى زيادة الرقعة الزراعية وتحسين الإنتاج.
وخلال تلك الفترة، حققت مصر تقدمًا ملموسًا فى إنتاج عدد من المحاصيل الاستراتيجية، وفى مقدمتها القطن، الذى ظل لسنوات طويلة يمثل أحد أهم مصادر الدخل القومى، إلى جانب القمح والأرز وقصب السكر، وهى محاصيل ارتبطت ارتباطًا وثيقًا باستقرار منظومة الرى التى وفرها السد العالى.
ولا يمكن الحديث عن تلك المرحلة دون الإشارة إلى أن الدولة كانت تنظر إلى الزراعة باعتبارها ركيزة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك ارتبطت مشروعات الرى واستصلاح الأراضى بالتوسع فى إنشاء الطرق الريفية، والخدمات الزراعية، ومراكز البحوث، بما أسهم فى بناء قاعدة زراعية قوية استفادت منها الأجيال اللاحقة.
تحديات الجمهورية الأولى.. إنجازات رغم الظروف الصعبة
ورغم ما تحقق من إنجازات، فإن الجمهورية الأولى واجهت تحديات جسيمة لم تكن سهلة.
فقد شهدت مصر خلال تلك المرحلة معدلات متزايدة من النمو السكانى، فى الوقت الذى ظلت فيه الموارد المائية محدودة، كما تعرض الاقتصاد الوطنى لضغوط كبيرة نتيجة الحروب المتتالية، بدءًا من العدوان الثلاثى عام 1956، مرورًا بحرب يونيو 1967، وما فرضته من أعباء اقتصادية وتنموية.
ورغم تلك الظروف، حافظت الدولة على توجهها نحو دعم القطاع الزراعى، واستمرت فى تنفيذ برامج استصلاح الأراضي، وتطوير الرى، ودعم الفلاح، باعتباره شريكًا رئيسيًا فى معركة الإنتاج.
لقد أرست الجمهورية الأولى الأساس الذى قامت عليه التنمية الزراعية المصرية، ووضعت اللبنات الأولى لمفهوم الأمن الغذائى، حتى وإن كانت الإمكانات والتكنولوجيا المتاحة فى ذلك الوقت أقل بكثير مما هو متاح اليوم.
الجمهورية الجديدة.. من الإصلاح إلى الاستصلاح
إذا كانت ثورة يوليو قد خاضت معركة الإصلاح الزراعى، فإن الجمهورية الجديدة تخوض معركة الاستصلاح الزراعى، وهى معركة لا تقل أهمية، وإن اختلفت طبيعتها وأدواتها.
فعندما بدأت الدولة المصرية مسيرة البناء فى عام 2014، كانت تواجه واقعًا بالغ التعقيد؛ فقد تجاوز عدد السكان 107 ملايين نسمة، بينما ظلت حصة مصر من مياه النيل ثابتة عند 55.5 مليار متر مكعب سنويًا وفق اتفاقية عام 1959، فى الوقت الذى فرضت فيه التغيرات المناخية تحديات جديدة على الإنتاج الزراعى، وتسببت جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، فى اضطرابات غير مسبوقة فى سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة.
وفى مواجهة هذه التحديات، لم تلجأ الدولة إلى حلول مؤقتة، وإنما تبنت رؤية استراتيجية تقوم على زيادة الإنتاج، والتوسع فى الرقعة الزراعية، وتعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه، وتوطين التكنولوجيا الحديثة، باعتبار الزراعة أحد أهم محاور الأمن القومى المصرى.
من هنا انطلقت أكبر خطة للتوسع الزراعى فى تاريخ مصر الحديث، مستهدفة إضافة نحو 4.5 مليون فدان من خلال مشروعات قومية عملاقة، يأتى فى مقدمتها الدلتا الجديدة، ومستقبل مصر للتنمية المستدامة، وتوشكى الخير، وشرق العوينات، وتنمية شمال ووسط سيناء، وغرب المنيا، وغيرها من المشروعات التى أعادت رسم الخريطة الزراعية لمصر.
وبفضل هذه الجهود، ارتفعت المساحة المزروعة إلى نحو 10.4 مليون فدان بحلول عام 2025، مقارنة بنحو 8.4 مليون فدان قبل عقد من الزمان، مع استمرار العمل لإضافة مساحات جديدة، بما يعزز قدرة الدولة على تقليل الفجوة الغذائية وزيادة الإنتاج المحلى.
الدلتا الجديدة.. مشروع القرن الزراعى
يُعد مشروع الدلتا الجديدة أحد أكبر مشروعات استصلاح الأراضى فى الشرق الأوسط، ويستهدف استصلاح أكثر من 2.2 مليون فدان، مع الاعتماد على أحدث نظم الرى والزراعة الذكية، واستخدام المياه المعالجة، وربط النشاط الزراعى بالصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية.
ولا يقتصر المشروع على زيادة الرقعة الزراعية، بل يهدف إلى إنشاء مجتمعات عمرانية وزراعية وصناعية متكاملة، توفر فرص عمل، وتدعم الأمن الغذائى، وتسهم فى زيادة الصادرات الزراعية، بما يجعله نموذجًا متكاملًا للتنمية المستدامة.
مستقبل مصر.. عندما تقود التكنولوجيا التنمية
أما مشروع مستقبل مصر، فقد أصبح نموذجًا للزراعة الحديثة، حيث تعتمد إدارة الحقول على الميكنة المتطورة، والرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والاستشعار عن بُعد، والزراعة الدقيقة، بما يحقق أعلى إنتاجية للفدان مع ترشيد استهلاك المياه والطاقة.
ويمثل المشروع نقلة نوعية فى أساليب الإدارة الزراعية، حيث لم يعد النجاح يقاس بعدد الأفدنة فقط، وإنما بكفاءة الإنتاج، وجودة المحصول، وتقليل الفاقد، وربط الإنتاج بالتصنيع والتسويق والتصدير.
وغنى عن البيان أهمية مشروع توشكى الخير فى جنوب مصر. ومشروع شمال ووسط سيناء وأهميتهما الاستراتيجية والتنموية والأمنية.. بالإضافة إلى مشروع مليون ونصف المليون فدان وتوسعات شرق العوينات ودرب الأربعين وغرب المنيا وبنى سويف هذه المشروعات التى تنشر فى كل ربوع مصر.
المياه.. مفتاح المستقبل
لقد أدركت الجمهورية الجديدة، أن التنمية الزراعية لن تتحقق إلا بإدارة علمية ومستدامة للموارد المائية، ولذلك شهدت السنوات الأخيرة تنفيذ مشروعات غير مسبوقة لتعظيم الاستفادة من المياه.
فأنشأت الدولة محطة بحر البقر، إحدى أكبر محطات معالجة مياه الصرف الزراعى فى العالم، إلى جانب محطة المحسمة، ومشروع محطة الحمام ضمن مشروع الدلتا الجديدة، فضلًا عن التوسع فى إعادة استخدام المياه، وتحلية مياه البحر، وتحديث نظم الري، وتأهيل الترع، واستخدام الطاقة الشمسية فى تشغيل الآبار.
ولم تكن هذه المشروعات مجرد بنية تحتية، بل أصبحت إحدى أهم الضمانات لاستمرار التوسع الزراعى فى ظل محدودية الموارد المائية، ورسخت مفهوم أن كل قطرة ماء أصبحت موردًا استراتيجيًا يجب تعظيم الاستفادة منه.
إن الجمهورية الجديدة لم تكتفِ بإضافة ملايين الأفدنة، بل أعادت صياغة مفهوم التنمية الزراعية، لتصبح الزراعة مشروعًا وطنيًا متكاملًا يجمع بين الأرض، والمياه، والعلم، والتكنولوجيا، والاستثمار، والتصنيع، والتخزين وإقامة المستودعات، والتصدير، بما يضمن مستقبلًا أكثر استدامة للأجيال القادمة.
لغة الأرقام.. عندما تتحدث الإنجازات
فى تقييم مسيرة التنمية الزراعية، تبقى الأرقام هى اللغة الأكثر صدقًا. فعلى مدار السنوات الأخيرة، لم تعد الإنجازات مجرد خطط أو مشروعات معلنة، بل تحولت إلى مؤشرات ملموسة تعكس حجم ما تحقق على أرض الواقع.
فقد ارتفعت المساحة المزروعة فى مصر إلى نحو 10.4 مليون فدان عام 2025، مع استمرار العمل لإضافة ملايين الأفدنة الجديدة ضمن مشروعات الاستصلاح القومية، فى أكبر توسع أفقى تشهده البلاد منذ عقود.
كما شهد القطاع الزراعى طفرة واضحة فى الصادرات الزراعية، حيث سجلت مصر خلال عام 2025 نحو 9.6 مليون طن من الحاصلات الزراعية، بقيمة قاربت 11.5 مليار دولار، ووصلت المنتجات المصرية إلى أكثر من 160 دولة حول العالم، وهو ما يعكس نجاح منظومة الحجر الزراعى، وتحسن جودة المنتج المصرى، وارتفاع ثقة الأسواق العالمية فيه.
ولم تعد الصادرات تعتمد على الحاصلات التقليدية فقط، بل توسعت لتشمل منتجات ذات قيمة مضافة، إلى جانب استمرار تفوق مصر فى تصدير الموالح، والبطاطس، والعنب، والفراولة، والرمان، والبصل، والثوم، والزيتون، والتمور، والنباتات الطبية والعطرية، التى أصبحت تمثل قطاعًا واعدًا فى دعم الاقتصاد الوطنى.
وفى الوقت نفسه، شهدت الدولة توسعًا كبيرًا فى إنشاء محطات الفرز والتعبئة، وسلاسل التبريد، والمناطق اللوجستية، بما أسهم فى تقليل الفاقد، وتحسين جودة المنتجات، وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات المصرية.
ولم تقتصر النهضة الزراعية على الإنتاج النباتى، بل امتدت إلى قطاعات الإنتاج الحيوانى والداجنى والسمكى، حيث دعمت الدولة المشروع القومى للبتلو، وطورت مراكز تجميع الألبان، ووسعت إنتاج الدواجن، كما عززت مكانة مصر بين أكبر الدول الإفريقية إنتاجًا للأسماك من خلال مشروعات الاستزراع السمكى الكبرى.
من النماذج الواعدة التى تؤكد الاتجاه نحو تعظيم الاستفادة من الموارد، الزراعة التكاملية، التى تجمع بين الإنتاج النباتى والسمكى والحيوانى فى منظومة واحدة، بما يحقق أعلى عائد اقتصادى من وحدة الأرض والمياه، ويعزز مفهوم التنمية المستدامة، وهو الاتجاه الذى يمثل مستقبل الزراعة الحديثة فى مصر.
بين الجمهوريتين.. اختلاف الوسائل ووحدة الرسالة
وعندما ننظر إلى مسيرة التنمية الزراعية منذ ثورة يوليو وحتى اليوم، نجد أن المقارنة بين الجمهورية الأولى والجمهورية الجديدة ليست مقارنة بين مرحلتين متنافستين، بل بين مرحلتين متكاملتين، جمعتهما رؤية وطنية واحدة، وإن اختلفت طبيعة التحديات.
ففى الجمهورية الأولى، كانت الأولوية لتحقيق العدالة الاجتماعية، وإعادة توزيع الأرض على الفلاح، وبناء البنية الأساسية للقطاع الزراعى، من خلال الإصلاح الزراعى، والتعاونيات، والسد العالى، والتوسع فى الرى الدائم.
أما الجمهورية الجديدة، فقد أصبحت الأولوية هى زيادة الرقعة الزراعية، وتعظيم كفاءة استخدام المياه، وتوطين التكنولوجيا، وتحقيق الأمن الغذائى، وزيادة الصادرات، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتج المصرى.
فى الأمس، كان التحدى هو من يملك الأرض.
واليوم، أصبح التحدى هو كيف نصنع أرضًا جديدة، وننتج منها أكثر، ونستهلك من مياهها أقل، ونحول إنتاجها إلى قيمة اقتصادية وفرص عمل وصادرات. وفى الأمس، كان السد العالى هو المشروع القومى الأكبر الذى وفر الحياة للأرض.
واليوم، أصبحت منظومة الدلتا الجديدة، ومستقبل مصر، وتوشكى، ومحطات معالجة المياه، والزراعة الذكية تمثل جيلًا جديدًا من المشروعات القومية التى تحمى مستقبل الأمن الغذائى المصرى.
وهكذا، فإن التاريخ لا ينقسم إلى مراحل متعارضة، وإنما إلى حلقات متتابعة، يكمل فيها الحاضر ما بدأه الماضى، ويبنى المستقبل على ما تحقق من إنجازات. كيف نبنى على ما تحقق؟.. رؤية للمستقبل
إن ما تحقق فى القطاع الزراعى يمثل قاعدة قوية، لكنه ليس نهاية الطريق، فالتحديات العالمية تتزايد، والتغيرات المناخية أصبحت أكثر تأثيرًا، والمنافسة فى الأسواق الدولية أشد قوة، وهو ما يفرض علينا مواصلة العمل بروح التطوير والابتكار.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على عدد من الأولويات، فى مقدمتها التوسع فى الزراعة الذكية، واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعى والاستشعار عن بُعد فى إدارة الحقول، بما يرفع كفاءة الإنتاج ويخفض استهلاك الموارد.
كما ينبغى الإسراع فى استنباط أصناف جديدة من المحاصيل تتحمل الجفاف والملوحة وارتفاع درجات الحرارة، مع تعزيز دور مراكز البحوث والجامعات فى نقل نتائج الأبحاث إلى المزارعين، وربط البحث العلمى باحتياجات التنمية.
وتظل إدارة المياه التحدى الأكبر، بما يتطلب تعميم نظم الرى الحديثة، وإعادة استخدام المياه، والحفاظ على كل قطرة، باعتبارها أساس التنمية الزراعية فى العقود المقبلة.
فى الوقت نفسه، يجب التوسع فى التصنيع الزراعى، وتقليل الفاقد بعد الحصاد، وتشجيع الزراعة التعاقدية، ودعم صغار المزارعين، وفتح أسواق تصديرية جديدة، بما يضمن زيادة دخل المنتج الزراعى، وتعظيم القيمة المضافة للاقتصاد الوطنى.
كما أن حماية الأراضى الزراعية من التعديات، ونشر ثقافة الاستخدام الرشيد للموارد، وتمكين الشباب من الاستثمار فى التكنولوجيا الزراعية وريادة الأعمال، ستظل من أهم ركائز التنمية المستدامة.
ختاما
بين الإصلاح الزراعى الذى أعاد الأرض إلى الفلاح، والاستصلاح الزراعى الذى يضيف إلى مصر ملايين الأفدنة الجديدة، تمتد مسيرة وطن لم يتوقف يومًا عن البناء. لقد صنعت ثورة يوليو قاعدة العدالة الاجتماعية فى الريف المصرى، وجعلت الفلاح شريكًا فى التنمية، بينما تواصل الجمهورية الجديدة البناء على تلك القاعدة، برؤية تعتمد على العلم والتكنولوجيا والإدارة الرشيدة للموارد، لتأمين غذاء الحاضر وحماية حقوق الأجيال القادمة.
إن الأمن الغذائى لم يعد قضية اقتصادية فحسب، بل أصبح أحد أهم أعمدة الأمن القومى، وأحد مقومات استقلال القرار الوطنى. وكل فدان يُستصلح، وكل قطرة ماء تُدار بكفاءة، وكل صنف جديد يستنبطه علماؤنا، وكل شاب يختار أن يستثمر فى الزراعة الحديثة، يمثل لبنة جديدة فى بناء الجمهورية الجديدة.
وفى ذكرى ثورة الثالث والعشرين من يوليو، فإن أعظم احتفاء بهذه الثورة هو أن نواصل العمل بروحها؛ روح الإرادة، والعدالة، والإنتاج، والإيمان بأن مصر كانت وستظل قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والأرض إلى حياة، والعمل إلى مستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا.
حفظ الله مصر، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وجعل أرضها دائمًا مصدرًا للخير والعطاء، وسندًا لقوت شعبها، ودعامةً لقوتها الوطنية.






