الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الطريق إلى المائدة.. المعركة   التى لم نخضها بعد «2-1»

الطريق إلى المائدة.. المعركة التى لم نخضها بعد «2-1»

فى السنوات الأخيرة، استطاعت مصر أن تفرض اسمها بقوة على خريطة التجارة الزراعية العالمية.. ولم يعد الحديث عن الصادرات الزراعية المصرية مجرد أرقام تتداولها التقارير الرسمية، بل أصبح شهادة دولية على تطور القطاع الزراعى وقدرته على إنتاج غذاء يلبّى أكثر المواصفات العالمية صرامة. فقد نجحت الدولة، بفضل رؤية واضحة واستثمارات ضخمة، فى فتح أسواق جديدة أمام الحاصلات الزراعية المصرية، وأصبحت الموالح والبطاطس والعنب والفراولة والرمان والبصل والفاصوليا وغيرها من المحاصيل المصرية تصل إلى أكثر من 160 دولة بعد أن تجتاز منظومة دقيقة من الفحص والتحليل والرقابة.



وهذا النجاح لم يكن وليد المصادفة، بل هو ثمرة جهود متكاملة شاركت فيها وزارة الزراعة، والحجر الزراعى المصرى، والهيئة القومية لسلامة الغذاء، والمعامل المرجعية، والمجلس التصديرى للحاصلات الزراعية، والباحثون، والمزارعون، والمصدرون. وهى منظومة تستحق كل التقدير لأنها أثبتت أن المنتج المصرى قادر على المنافسة عالميًا عندما تُطبق المعايير العلمية والرقابية بصورة دقيقة.

ولكن، وفى مقابل هذا المشهد الذى يبعث على الفخر، يفرض الواقع سؤالًا لا يجوز تجاهله:

إذا كنا نجحنا فى بناء ثقة المستورد الأجنبى فى غذائنا، فهل نجحنا بالدرجة نفسها فى بناء ثقة المواطن المصرى فيما يصل إلى مائدته كل يوم؟

هذا السؤال ليس تشكيكًا فى الزراعة المصرية، ولا انتقاصًا من جهود الدولة، بل هو دعوة لاستكمال النجاح. فالمواطن المصرى يجب أن يكون أول المستفيدين من منظومة الجودة وسلامة الغذاء، لأن حقه فى غذاء آمن لا يقل أهمية عن حق الدولة فى زيادة صادراتها.

لقد أصبح من الشائع أن نسمع عبارات مثل: «كل الخضار ملىء بالهرمونات»، أو «الفاكهة تُنضج بالكيماويات»، أو «المبيدات تُستخدم بلا رقابة»، وهى عبارات تتردد يوميًا عبر مواقع التواصل الاجتماعى، حتى تحولت عند البعض إلى حقائق مسلم بها. والحقيقة أن هذا التعميم يجافى العلم والواقع، لكنه فى الوقت نفسه يكشف عن وجود فجوة فى الثقة بين المواطن ومنظومة إنتاج الغذاء.

إن سلامة الغذاء لا تبدأ عند بائع الخضار، ولا داخل السوق، وإنما تبدأ منذ اختيار الصنف، وإعداد الأرض، واختيار التقاوى، وبرنامج التسميد، وبرنامج مكافحة الآفات، ثم الحصاد، والنقل، والتعبئة، والتخزين، والتداول، وحتى تصل الثمرة إلى مائدة المستهلك. إنها سلسلة مترابطة، وإذا ضعفت حلقة واحدة منها، تأثرت المنظومة كلها.

ولعل أكثر الحلقات تعرضًا للاتهام هى مرحلة الإنتاج الزراعي، وهنا يجب أن نتحدث بمنطق العلم، بعيدًا عن التهويل أو الإنكار.

فاستخدام المبيدات الزراعية ليس جريمة، بل هو ضرورة فنية لحماية المحاصيل من الآفات والأمراض، كما هو الحال فى جميع دول العالم. وكذلك الأسمدة ومنظمات النمو ومواد التغذية النباتية، فهى أدوات علمية معتمدة عندما تُستخدم وفق الضوابط والتوصيات. أما المشكلة الحقيقية فتبدأ عندما تتحول هذه الأدوات إلى وسائل تُستخدم بصورة خاطئة أو عشوائية.

فقد يلجأ بعض المزارعين أو المتعاملين -وهم قلة لا تمثل السواد الأعظم- إلى استخدام مبيد غير مسجل، أو شراء مبيدات مجهولة المصدر، أو زيادة الجرعات اعتقادًا بأنها تحقق نتائج أفضل، أو تكرار الرش على فترات متقاربة، أو عدم الالتزام بفترة الأمان قبل الحصاد. وقد يخلط البعض عدة مبيدات دون أساس علمى، أو يعتمد على نصائح غير المتخصصين، فيتحول العلاج إلى مصدر للخطر.

ولا تقل قضية التسميد أهمية عن قضية المبيدات، فالإفراط فى استخدام الأسمدة الآزوتية، خاصة فى الخضروات الورقية مثل الخس والجرجير والسبانخ، قد يؤدى إلى ارتفاع مستويات النترات إذا لم تراعَ التوصيات الفنية، كما أن استخدام الأسمدة العضوية غير المعالجة جيدًا قد يسبب تلوثًا ميكروبيًا يمكن تجنبه بالالتزام بالممارسات الزراعية السليمة.

كما يثار جدل واسع حول تسريع نضج الثمار وتحسين لونها. وهنا أيضًا يجب أن نفرق بين الممارسات العلمية المشروعة، وبين الممارسات المخالفة. فهناك منظمات نمو ووسائل معتمدة تُستخدم عالميًا وفق ضوابط دقيقة، لكن هناك أيضًا من قد يستخدم مواد غير مصرح بها أو يلجأ إلى وسائل غير قانونية لتعجيل النضج أو تحسين المظهر الخارجى للثمار بهدف طرحها فى الأسواق مبكرًا. وهذه ممارسات مرفوضة، لأنها تضر بصحة المستهلك وتسىء إلى سمعة المنتج المصرى.

ومن هنا تبدأ معركة الثقة

إن المشكلة الحقيقية ليست فى وجود المبيدات أو الأسمدة أو منظمات النمو، وإنما فى سوء استخدامها، فالعلم لا يحارب هذه الوسائل، وإنما يضع لها ضوابط دقيقة تضمن تحقيق أعلى إنتاجية دون الإضرار بصحة الإنسان أو البيئة.

وللأسف، فإن بعض الممارسات الفردية غير المنضبطة أصبحت سببًا فى انتشار حالة من القلق بين المواطنين. فعندما يرى المستهلك ثمار المانجو وقد اكتسبت لونًا أصفر زاهيًا فى وقت مبكر، أو يجد الموز ناضجًا بصورة متجانسة بصورة غير معتادة، أو يشاهد الطماطم شديدة الاحمرار رغم صلابتها، أو يلاحظ كبر حجم بعض ثمار العنب أو الفراولة، تبدأ التساؤلات، ثم تتولد الشائعات.

لكن الحقيقة العلمية تقول، إن اختلاف اللون أو الحجم أو سرعة النضج قد يكون نتيجة اختلاف الصنف الوراثى، أو مواعيد الزراعة، أو الظروف المناخية، أو برامج التسميد، أو استخدام تقنيات زراعية معتمدة، وليس بالضرورة نتيجة استخدام مواد محظورة.

وفى المقابل، لا يجوز أن ننكر وجود مخالفات فردية، مثل استعجال تسويق المحصول قبل اكتمال نضجه، أو استخدام وسائل غير مشروعة لتحسين المظهر الخارجى للثمار، أو عدم الالتزام بفترة الأمان بعد الرش، وهى ممارسات تضر بالمستهلك وبسمعة آلاف المزارعين الملتزمين قبل أن تضر بالمخالف نفسه.

ولعل ما حدث فى شائعة «البطيخ المسرطن» يمثل نموذجًا واضحًا لكيفية امتزاج الحقيقة بالشائعة.

فقد انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعى مقاطع وصور تزعم أن البطيخ المصرى يُحقن بمواد مسرطنة أو هرمونات أو أصباغ حمراء، وأثارت هذه المزاعم حالة من الذعر بين المواطنين، رغم أن الجهات العلمية المختصة أوضحت أن هذه الادعاءات لا تستند إلى دليل علمى، وأن اللون الأحمر أو التشققات الداخلية أو التجاويف قد ترجع فى كثير من الأحيان إلى عوامل فسيولوجية أو مناخية أو صنفية، أو إلى عدم انتظام الرى أو ارتفاع درجات الحرارة، وليس إلى «حقن البطيخ» كما روج البعض.

وهذا لا يعنى استبعاد وجود ممارسات خاطئة فى بعض الحالات الفردية، لكنه يؤكد أن تعميم الاتهام على محصول كامل أو على الزراعة المصرية بأكملها دون دليل علمى يضر بالمزارع والاقتصاد الوطنى أكثر مما يحمى المستهلك.

لقد ألحقت هذه الشائعات خسائر كبيرة بالمزارعين الذين اضطر بعضهم إلى بيع محصوله بأسعار متدنية، أو تركه فى الحقول، رغم أن غالبية إنتاجهم كان سليمًا. وهنا يتضح أن الشائعة قد تتحول إلى سلاح اقتصادى واجتماعى خطير إذا لم تواجه بسرعة وشفافية.

ولا يقتصر الأمر على البطيخ، فقد طالت الشائعات الطماطم والعنب والمانجو والفراولة والبطاطس وغيرها، حتى أصبح المواطن فى حيرة دائمة بين ما يسمعه وما يراه.

ومن هنا تصبح الشفافية هى السلاح الأقوى.

فعندما تعلن الجهات المختصة نتائج تحليل عينات الأسواق بصورة دورية، وتنشر أسماء المخالفين، وتوضح الحقائق العلمية للمواطنين، فإنها لا تحارب الشائعة فقط، بل تبنى الثقة.

لكن الإنتاج ليس وحده المسئول..

حتى إذا خرج المحصول من الحقل مطابقًا للمواصفات، فإن رحلة المخاطر لم تنتهِ بعد.

فكم من محصول أُنتج وفق أحدث التوصيات، ثم فقد جزءًا من جودته بسبب سوء الجمع، أو التعبئة، أو النقل، أو التخزين، أو العرض.

فقد تُجمع الثمار فى أوقات الحرارة المرتفعة، أو تُلقى فى عبوات غير مناسبة، أو تتعرض للكدمات والجروح الدقيقة، فتزداد فرص إصابتها بالأعفان، أو تفقد جزءًا من قيمتها الغذائية.

وقد تُنقل الخضر والفاكهة فى سيارات غير مجهزة، دون تبريد، تحت أشعة الشمس لساعات طويلة، خاصة المحاصيل الحساسة مثل الفراولة والعنب والخس والفلفل الملون، فتصل إلى الأسواق وقد فقدت جزءًا من جودتها.

ثم تأتى مرحلة التداول داخل بعض الأسواق، حيث لا تزال بعض المنتجات تُعرض على الأرصفة، أو بجوار مصادر التلوث، أو دون مظلات أو وسائل تبريد، فى بيئة لا تليق بحجم ما حققته مصر من تقدم فى قطاعها الزراعى.

فاتورة الإهمال.. أغلى كثيرًا من فاتورة الرقابة

قد يظن البعض أن تشديد الرقابة، أو زيادة عدد المعامل، أو تدريب المزارعين، أو تطوير الأسواق، يمثل عبئًا ماليًا على الدولة.

لكن الحقيقة الاقتصادية تقول العكس تمامًا.

فكل جنيه يُنفق على الوقاية وسلامة الغذاء يوفر للدولة أضعافه من تكاليف علاج الأمراض، ويقلل من خسائر الإنتاج، ويحافظ على البيئة، ويخفض الفاقد من الغذاء، ويزيد من ثقة المواطن فى المنتج الوطنى.

إن الأمراض المرتبطة بالغذاء غير الآمن لا تقتصر آثارها على صحة الفرد، بل تمتد إلى انخفاض الإنتاجية، وزيادة الإنفاق الصحى، وارتفاع العبء عن المستشفيات، وتراجع دخول الأسر، فضلًا عن الآثار البيئية الناتجة عن سوء استخدام المبيدات والأسمدة وتلوث التربة والمياه.

لذلك فإن الرقابة ليست تكلفة.. بل استثمار اقتصادى وصحى واجتماعى وبيئى.