د.إبراهيم درويش
الطريق إلى المائدة.. المعركة التى لم نخضها بعد «2-2»
من الحقل إلى المائدة.. مشروع وطنى لا يحتمل التأجيل
إن سلامة الغذاء لا يمكن أن تتحقق بقرار من جهة واحدة، ولا بحملة موسمية، ولا بإجراء عقابى بعد وقوع المخالفة، وإنما بمنظومة متكاملة تبدأ بالوقاية قبل العقوبة، وبالتوعية قبل المخالفة، وبالتنسيق بين جميع مؤسسات الدولة.
ولذلك فإن الوقت قد حان لإطلاق مشروع قومى لسلامة الغذاء تحت شعار: «من الحقل إلى المائدة»، يكون أحد مشروعات الجمهورية الجديدة، ويهدف إلى أن يحصل المواطن المصرى على الغذاء الآمن بالجودة نفسها التى نلتزم بها فى الأسواق العالمية.
ولا يبدأ هذا المشروع من السوق، بل من الحقل، لأن الحقل هو نقطة الانطلاق الحقيقية.
فأول ما نحتاج إليه هو إعادة الاعتبار لجهاز الإرشاد الزراعى، بعد أن كان فى الماضى المدرسة التى يتعلم منها المزارع. فالإرشاد الزراعى ليس موظفًا يوزع نشرات، بل هو خط الدفاع الأول عن صحة الإنسان. وكلما اقترب المرشد من المزارع، تراجعت الأخطاء، وانخفضت المخالفات، وارتفعت جودة الإنتاج.
كما يجب إحكام الرقابة على تداول المبيدات والأسمدة، ومنع بيع أى مستحضر إلا من خلال منافذ مرخصة، مع القضاء على تجارة المبيدات المغشوشة أو المهربة، لأنها تمثل خطرًا على المزارع قبل أن تمثل خطرًا على المستهلك.
ومن الضرورى أيضًا التوسع فى تطبيق الممارسات الزراعية الجيدة (GAP)، وربط الحصول على بعض المزايا والدعم الفنى بالتزام المنتج بهذه الممارسات، حتى تصبح الجودة ثقافة وليست استثناءً.
ولا يقل أهمية عن ذلك إنشاء منظومة قومية لتتبع المنتجات الزراعية، بحيث يحمل كل منتج هوية رقمية توضح مصدره، ومنطقة إنتاجه، وتاريخ حصاده، بما يسمح بسرعة الوصول إلى مصدر أى مشكلة ومعالجتها دون الإضرار بمنتجين ملتزمين لا ذنب لهم.
أما الحلقة التى ما زالت تحتاج إلى تطوير كبير فهى الأسواق المحلية. فكما أنشأت الدولة مجمعات ومناطق لوجستية حديثة، فإننا فى حاجة إلى خطة زمنية لتطوير أسواق الجملة وأسواق التجزئة، وتوفير أماكن عرض صحية، وسلاسل تبريد، ونظام نظافة دائم، بما يليق بالمستهلك المصرى.
ومن المهم أيضًا التوسع فى معامل تحليل متبقيات المبيدات بالمحافظات، وعدم قصرها على عدد محدود من المعامل المركزية، مع إجراء سحب دورى وعشوائى لعينات من الأسواق، وإعلان نتائجها للرأى العام بكل شفافية، لأن الشفافية هى الطريق الأقصر لبناء الثقة.
الإعلام.. شريك فى البناء لا فى صناعة الذعر
كما أن للإعلام دورًا لا يقل أهمية عن دور الجهات التنفيذية.
فليس من المهنية أن تتحول كل صورة مجهولة المصدر إلى قضية رأى عام، أو أن تُبنى الأحكام على مقطع فيديو غير موثق. وفى المقابل، ليس من الحكمة تجاهل المخالفات الحقيقية.
إن الإعلام المسئول هو الذى يقدم المعلومة العلمية، ويكشف المخالفات بالأدلة، ويستضيف أهل الاختصاص، ويُفرق بين الخطأ الفردى والمنظومة الوطنية، فلا يبرئ المخطئ، ولا يظلم الشرفاء.
والمواطن.. شريك فى الحماية
كما أن المواطن نفسه جزء من منظومة سلامة الغذاء.
فعندما يحرص على شراء احتياجاته من مصادر موثوقة، ويتجنب الانسياق وراء الشائعات، ويبلغ عن المخالفات، ويحسن حفظ الغذاء داخل المنزل، فإنه يشارك فى حماية أسرته ومجتمعه.
إن سلامة الغذاء ليست مسئولية الحكومة وحدها، بل مسئولية مجتمع كامل.
رسالة إلى صانع القرار
لقد نجحت الدولة المصرية فى أن تجعل العالم يثق فى منتجاتها الزراعية، وهى قصة نجاح تستحق أن تُستكمل.
ولعل الخطوة التالية هى أن تتحول سلامة الغذاء فى السوق المحلية إلى مشروع وطنى لا يقل أهمية عن مشروع زيادة الصادرات، لأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تصدره إلى الخارج، وإنما أيضًا بما توفره لمواطنيها من غذاء آمن وصحى.
إن المواطن المصرى لا يطلب المستحيل، ولا يطلب معاملة خاصة، وإنما يطلب حقًا أصيلًا كفلته الدساتير والشرائع، وهو أن يطمئن إلى أن ما يضعه على مائدة أسرته قد مر بمنظومة رقابة صارمة، تمامًا كما يحدث مع المنتج المعد للتصدير.
الكلمة الأخيرة
إن الطريق إلى التصدير أثبت أن مصر قادرة على تطبيق أعلى معايير الجودة عندما تتوافر الإرادة والعلم والرقابة. أما الطريق إلى المائدة، فما زال يحتاج إلى استكمال هذه المنظومة، حتى يصبح الغذاء الآمن حقًا مضمونًا لكل مواطن.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست ضد المزارع، ولا ضد المبيدات، ولا ضد الأسمدة، وإنما ضد العشوائية، والغش، وضعف الإرشاد، والمبيدات المغشوشة، وغياب التتبع، وسوء التداول، والشائعات، وتشتت المسئوليات.
وإذا أردنا أن نحافظ على صحة المصريين، ونحمى اقتصادنا، ونخفض فاتورة العلاج، ونقلل من تلوث البيئة، ونواجه الشائعات بالحقيقة، فعلينا أن ننظر إلى سلامة الغذاء باعتبارها قضية أمن قومى، وأن نتعامل معها بمنطق الاستثمار لا بمنطق التكلفة.
فكل جنيه يُنفق على الإرشاد والرقابة والتحليل والتدريب، يوفر عشرات الجنيهات التى قد تُنفق لاحقًا على علاج الأمراض، ومعالجة التلوث، وتعويض الخسائر الاقتصادية والاجتماعية.
ولعل الوقت قد حان لرفع شعار بسيط، لكنه يحمل فلسفة كاملة:
«كما نحمى سمعة الغذاء المصرى فى الخارج.. يجب أن نحمى صحة المواطن المصرى فى الداخل».
وعندما يتحقق ذلك، لن تكون مصر قد انتصرت فى معركة التصدير فقط، بل ستكون قد انتصرت فى المعركة الأهم.. معركة بناء الإنسان المصرى وحماية صحته وكرامته.






