سعيد عبد الحافظ
إلى أين ياسادة الحقوقيين؟
الدولة هى أرقى وأقدم مؤسسة سياسية عرفها الإنسان وهى تستمد وجودهاومشروعيتها من التعاقد الإرادى وذلك الميثاق الحر بين البشربعضهم البعض حتى ينتقلوا من حالة الحرب والصراع إلى حالة المجتمع والمدينة، حيث غاية الدولة هى تحقيق السلم والأمن، ولا يتحقق ذلك إلا بخضوع إرادات الأفراد لإرادة السلطة، وكما يرى «سبينوزا» أن تأسيس الدولة ليس فرض السيادة والسلطة على الناس أو إرهابهم، بل صيانة حقوق الأفراد وحرياتهم، هذا عن الدولة والتى تختلف عن السلطة حيث السلطة، كما يعرفها الفقيه الفرنسى «جورج بيردو» بأنها القوة النابعة من الوعى الاجتماعى، والرامية إلى قيادة الجماعة بحثاً عن الخير المشترك، والقادرة عند الاقتضاء على إجبار الأفراد بالامتثال لتوجيهاتها، ولا يجب أبدًا الخلط بين مفهومى الدولة والسلطة لأن ذلك من شأنه فى لحظات الارتباك أن تتحول محاولات هدم السلطة السياسية عبر الطرق المشروعة والسلمية إلى محاولات هدم الدولة بمؤسساتها ومن ثم إحداث الفوضى، وبطبيعة الحال يخرج عن هذا السياق نظرية السلطة عند ماركس وانجلز ولينين الذين يرون فى السلطة مجرد مؤسسة متوحشة لاستغلال الطبقات الكادحة.
وهنا يجب على السادة الحقوقيين أن يدركوا أن العمل الحقوقى والنضال من أجل تحسين حالة حقوق الإنسان هو فى المقام الأول يعنى مراقبة مؤسسات الدولة والحكومة على أدائها، ومراقبة أيضا وفاء الدولة بالتزامها بالاتفاقيات والمواثيق الدولية التى وقعتها الدولة أو بمعنى آخر تستلزم حقوق الإنسان وجود دولة حتى تتمكن الجماعات الحقوقية من تحسين حالة المواطنين وفى اللحظة التى تتبنى فيه جماعات حقوقية أفكارًا أيديولوجية برفض السلطة واعتبار الدولة مجرد أكذوبة يصبح من قبيل الدجل وصف أنفسهم بأنهم جماعات حقوقية ، ويصبح الخط الفاصل بين الدولة والسلطة لدى تلك الجماعات خطوطًا متشابكة ومعقدة تزيد الوضع سوءا ولا تساهم أبدا فى تحقيق هدفها فى ضمان تمتع الأفراد بحقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأن هذه الجماعات ستكون مضطرة للتحالف مع قوى خارجية لممارسة الضغط المستمر على الدولة من أجل إضعافها.
وفى مصر حيث ساهم الجيل الأول فى تأسيس الحركة الحقوقية رغم خلفيته اليسارية ورغم تحول خطابهم ظاهريا من خطاب توتاليتارى إلى خطاب ليبرالى ويتسق والبعد الليبرالى للحركة الحقوقية إلا أن أدواتها وأنشطتها ظلت أسيرة الفكرة الراسخة وهى خصومة ذلك الجيل مع فكرة الدولة، هذا الجيل الذى خرج أجيالا غرس فيهم بذرة الخصومة مع الدولة ثم ترك الساحة لجيل جديد من الفوضويين حولوا الحركة الحقوقية إلى ساحة صراع وتناحر مع الدولة ومؤسساتها وعندما تصدعت الحركة بسبب الخلط بين السياسة وحقوق الإنسان ذاب الجيل المؤسس واكتفى بدور المتفرج والأب الروحى للجيل الجديد، اختفى الجيل المؤسس فمنهم من اعتزل ومنهم من هاجر ومنهم من ادعى الاكتئاب واشتركوا جميعا فى هروبهم من تحمل مسئوليتهم التاريخية أمام الله والوطن وما زلنا نتساءل أيها السادة الحقوقيون إلى أين؟






