د. سامـح فوزى
المواطنة فى خبرة 30 يونيو
ثلاثة عشر عامًا مرت على ثورة 30 يونيو 2013، وعادة يتطلع البعض بدافع من البحث أو الشغف الصحفى إلى التعرف على التغيرات النوعية التى حدثت فى حياة المصريين، خاصة تجاه مشكلات لها جذور على مدار عقود فى المجتمع المصرى.
وقبل أن نغوص فى أعماق المشهد الداخلى بكل تعقيداته، فإنه من الضرورى أن نقف أمام المغزى الأساسى لثورة 30 يونيو وهو الحفاظ على الدولة فى ظل بيئة إقليمية تشهد مساحات من التفسخ السياسى والاجتماعى، وما يرافقها من عنف وإرهاب، من سوريا إلى ليبيا، من السودان إلى اليمن، ولا تزال هناك دول أخرى تبحث عن الاستقرار مثل العراق ولبنان، وإذا أخذنا فى الاعتبار تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ندرك سريعا كيف أن تلك الثورة حفظت مصر من الوقوع فى براثن تفسخ، وتطرف، وعنف لم يكن من الممكن أن تخرج منه سالمة مرة أخرى.
ولم يحم نظام ثورة 30 يونيو الدولة فقط، ولكن أيضا دشن عقدا اجتماعيا جديدا فى العلاقة بين المواطنين والدولة، من أهم ملامحه العمل على صون التعددية، وتعزيز التسامح، فى سياق التنوع الدينى الذى يتسم به المجتمع المصرى، وهو تنوع ذو طبيعة خاصة، يختلط فيه الناس فى كل مظاهر الحياة دون أن يستقل أحدهم عن الآخر جغرافيًا أو مهنيًا أو اجتماعيًا. من هنا، فالأقباط ليسوا أقلية بالمعنى العرقى أو الثقافى، لكنهم «قلة عددية» فى وسط «أغلبية سكانية» يعيشون معا فى مساحة ممتدة من التعايش عبر قرون. تمر مسيرتهم المشتركة بتعرجات، لكنها فى النهاية مستقرة ومستمرة.
وقبل ثورة ٣٠ يونيو عانى المجتمع من التيارات المتطرفة، ومن ضمنهم الأقباط، إلى جانب تحديات كثيرة مثل الإرهاب، والعنف الطائفى، وتجددت باستمرار المشكلات المتعلقة ببناء وترميم الكنائس، فضلا عن المشكلات المتعلقة بضعف التمثيل السياسى، وشيوع مشكلات وتوترات دينية حول قضايا اجتماعية.
وقد انتهجت الدولة المصرية فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى نهجا مغايرا، له نتائج ودلالات مادية ورمزية لا تخطئها عين مثل التقليد السنوى بزيارة كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الإدارية لتهنئة الأقباط بعيد الميلاد، وتحمل زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى سنويا إلى كاتدرائية ميلاد المسيح للتهنئة بعيد الميلاد معانى عديدة، أبرزها التأكيد على مبدأ المواطنة فى العلاقة مع المصريين بصرف النظر عن معتقدهم الدينى، وأنه رئيس لكل المصريين، واستدعاء مفهوم المصرية، حيث إنه يخاطب المصريين جميعا من قلب الكاتدرائية، وليس فقط المسيحيين، وهو ما يشجع العديد من المسلمين على التواجد بالكاتدرائية فى تلك المناسبة لتهنئة الأقباط، شعورا منهم بأنها مناسبة مصرية، وليس فقط مسيحية، وتحمل زيارة الرئيس السيسى للكاتدرائية تحمل ردا حاسما على الاتجاهات المتطرفة التى تمنع تهنئة المسيحيين بأعيادهم، وتحرم زيارة الكنائس، ولعل التقليد الرئاسى السنوى بزيارة الكاتدرائية حد كثيرا من جرأة تلك الاتجاهات المتطرفة على المجاهرة بآرائها المتعصبة، وشجع فى الوقت نفسه قطاعات واسعة من المجتمع على تبادل التهانى فى أجواء من البهجة. وعلينا أن نتذكر دائما أن رأس الدولة المصرية فى الثقافة السياسية السائدة يمثل دائما الرمز، والشرعية، والتأثير الواسع على المجتمع.
ويبدى الرئيس فى رسائل متلاحقة حرصه على بناء كنائس أسوة بالمساجد فى المدن الجديدة التى يوليها عنايته. ثأر للدم المصرى فى ليبيا بضربات جوية مركزة، وتقدم بنفسه جنازة شهداء الكنيسة البطرسية فى 11 ديسمبر 2016م، وفى عهده سن قانونا جديدا لبناء وترميم الكنائس، رغم كل ما يرد عليه من تحفظات، واتسع التمثيل البرلمانى للأقباط على نحو غير مسبوق، ويجرى حاليا وضع قانون للأسرة المسيحية ينطوى على الكثير من الأمور الإيجابية، وفى كل ما سبق فإن خطاب الدولة غلب عليه الدعوة إلى التسامح، والمواطنة، والمساواة بين كل المصريين.
بالتأكيد يحتاج نظام 30 يونيو إلى تكاتف المواطنين للحفاظ عليه، والعمل على تطويره تنمويًا وديمقراطيًا، اقتصاديًا واجتماعيًا، وتعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والحقوق المدنية والسياسية، حيث لا تزال تحديات كثيرة تحيط به، داخليا وخارجيا، وسوف تزداد فى الفترة المقبلة، وهو ما يتطلب اليقظة، واتساع نطاق الوعى والمشاركة للمصريين عامة، والشباب خاصة.










