محمود بدر
حين قرر المصريون إنقاذ دولتهم
هناك لحظات فى عمر الأوطان لا تكون مجرد أحداث سياسية عابرة، بل تتحول إلى خطوط فاصلة بين زمنين. وبالنسبة لى، كانت 30 يونيو واحدة من تلك اللحظات النادرة التى شعرت فيها أن التاريخ يُكتب أمام أعيننا، وأن الشعب المصرى قرر أن يستعيد صوته ومستقبله بيديه.
بعد ثورة يناير حلم المصريون بدولة ديمقراطية حديثة تتسع للجميع، لكن الأشهر التى تلت وصول جماعة الإخوان الإرهابية إلى السلطة حملت معها شعورًا متزايدًا بأن الوطن يسير فى اتجاه آخر. لم يكن الخلاف حول شخص محمد مرسى فقط، بل حول طبيعة الدولة نفسها ومستقبل مؤسساتها.
شاهدنا كيف تعرض القضاء المصرى لضغوط غير مسبوقة حيث جاء الإعلان الدستورى ليضع الرئيس فوق كل السلطات تقريبًا، ويحصن قراراته من الرقابة والطعن وكأنه إله.
ورأينا المحكمة الدستورية العليا تُحاصر لمنعها من الانعقاد، كما شهدنا إقالة النائب العام المستشار عبد المجيد محمود فى مشهد اعتبره كثيرون عدوانًا مباشرًا على استقلال السلطة القضائية وهيبتها.
وفى الوقت نفسه، كانت أركان الدولة الوطنية تتعرض لحملات استهداف متواصلة. الكنيسة المصرية عاشت أيامًا صعبة، وتصاعدت المخاوف لدى الأقباط مع التهديدات التى سبقت 30 يونيو. ثم جاءت أحداث الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، حين تعرضت للحصار والاعتداء فى واقعة لم تعرفها مصر الحديثة من قبل. أما الأزهر الشريف، المؤسسة التى طالما مثلت ضمير الأمة واعتدالها، فلم يسلم هو الآخر من الهجوم، وتعرض فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب لحملات تشويه وتحريض على شاشات ومنصات محسوبة على الجماعة وحلفائها.
الأخطر من ذلك كله كان حالة الاستعلاء السياسى التى دفعت الجماعة إلى الدخول فى صدام مع معظم القوى الوطنية. الليبراليون والناصريون واليساريون والقوميون وحتى شخصيات شاركت فى دعم ثورة يناير، وجدوا أنفسهم خارج دائرة القرار وداخل دائرة التشويه والكراهية الإخوانية بدلاً من بناء توافق وطنى واسع، بدا أن هناك إصرارًا على احتكار السلطة والانفراد بها. ومن هنا ولدت جبهة الإنقاذ الوطنى، كاستجابة طبيعية لمحاولة الدفاع عن فكرة الدولة الوطنية المصرية.
فى تلك الأجواء جاءت فكرة «تمرد». لم تكن مجرد حملة توقيعات، بل كانت صرخة شعبية خرجت من قلب الشارع المصرى. حين بدأنا جمع التوقيعات لم نكن نملك سوى إيماننا بأن المصريين يستحقون أن يُسمع صوتهم. لكن ما حدث فاق كل التوقعات. رأيت بعينى مواطنين يقفون فى طوابير للتوقيع، وشبابًا يطوفون القرى والنجوع، ونساءً ورجالاً يعتبرون استمارة تمرد وسيلة سلمية لإنقاذ وطن يشعرون أنه يُختطف أمامهم.
ومع كل يوم كان عدد التوقيعات يتزايد حتى تجاوز 22 مليون توقيع. لم يكن الرقم هو الأهم، بل الرسالة التى حملها: أن ملايين المصريين فقدوا الثقة فى استمرار هذا المسار، ويريدون العودة إلى الشعب ليقول كلمته.
ثم جاء يوم 30 يونيو.
خرج المصريون كما لم يخرجوا من قبل. امتلأت الشوارع والميادين من الإسكندرية إلى أسوان. لم يكن المشهد حشدًا سياسيًا تقليديًا، بل بدا وكأن شعبًا كاملًا قرر أن يكتب مصيره بنفسه. يومها شعرت أن مصر التى أعرفها، مصر الدولة الوطنية الممتدة عبر آلاف السنين، تقف دفاعًا عن نفسها وعن هويتها ومؤسساتها.
ويبقى السؤال الذى أطرحه على نفسى كثيرًا: ماذا لو لم تنجح 30 يونيو؟
أعتقد أن مصر كانت ستدخل نفقًا أكثر خطورة. كان الاستقطاب يزداد يومًا بعد يوم، وكانت الفجوة بين الجماعة وبين مؤسسات الدولة والمجتمع تتسع بصورة تنذر بصدامات أكبر وانقسامات أعمق. وربما كانت فكرة الدولة الوطنية نفسها ستتعرض لاختبار بالغ القسوة.
لهذا لم تكن 30 يونيو بالنسبة لى مجرد احتجاج سياسى أو خلاف على السلطة. كانت معركة من أجل بقاء الدولة المصرية، ومن أجل الحفاظ على هوية وطن آمن ملايين أبنائه بأن مصر أكبر من أى جماعة، وأبقى من أى سلطة، وأن إرادة شعبها هى الكلمة الأخيرة دائمًا.
هذه ليست قراءة أكاديمية لتلك الأيام، بل شهادة رجل عاشها لحظة بلحظة، وشارك فى أحد أهم فصولها، ولا يزال يؤمن أن ما حدث فى 30 يونيو كان لحظة فارقة أعادت رسم مستقبل مصر الحديثة.










