الأربعاء 24 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الدولة التى صمدت

الدولة التى صمدت

من يقرأ التاريخ بوعى نافذ يمتلك مفاتيح فهم الحاضر والاطلاع على المستقبل، ويستبصر قوانين الحركة والتغيير التى تحكم صعود الدول وأفولها، التجارب التى مرت على المنطقة العربية وقت الربيع الأسود، لا تزال أصداء هذه المؤامرة واضحة على شعوب ودول شقيقة للأسف طالتها الانقسامات والنزاعات الداخلية، ولا يوجد بريق أمل لتعود إلى طبيعتها قبل الربيع الأسود.



قراءة التاريخ وتوثيقه لا يصنع الذاكرة الوطنية فحسب، بل يؤسس للرؤية، ويهذب القرار، ويمنح الأمم القدرة على رسم مستقبلها بثقة واقتدار، كل من يقرأ ويشاهد عن قرب تجارب الآخرين يتعلم ويزداد خبرة فى الحياة.

كان لى حظ وافر من دراسة التاريخ القديم والحديث والمعاصر، فضلًا عن تاريخ الدولة الإسلامية، على أيدى نخبة من كبار العلماء والأساتذة الأجلاء بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر، وأدين لهؤلاء الأساتذة الأفاضل بفضلٍ كبير فيما اكتسبته من معرفة ومنهجية فى قراءة التاريخ وتحليل أحداثه واستنباط دلالاته، رحم الله من انتقل منهم إلى جوار ربه، وأمدّ فى أعمار من لا يزالون بيننا أحياء، وجزاهم الله خير الجزاء على ما قدموه من علمٍ نافع وعطاءٍ ممتد. 

فى هذه المناسبة، لا أنسى العالم الجليل الدكتور عبدالمقصود باشا، والدكتور مجاهد الجندى، والدكتور صابر عرب- رحمة الله عليهم- ومن أساتذة جيلى الذين شرفت بهم، الدكتور عبدالواحد النبوى والدكتور صلاح عاشور- أمدّ الله فى أعمارهم-.

حين تقرأ تاريخ مصر الحديث منذ ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952، وحتى وقتنا الحاضر، نرى رحلة دولة عريقة خاضت معارك الوجود والبقاء والبناء فى محيط إقليمى لم يعرف الاستقرار إلا نادرًا، بداية من التحديات فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر- رحمه الله- الذى خاض معركة الاستقلال الوطنى وبناء الدولة الحديثة، مرورًا بعهد الرئيس أنور السادات- رحمه الله- الذى اتخذ قرار الحرب والسلام، وعهد الرئيس حسنى مبارك- رحمه الله- الذى حافظ على استقرار الدولة لعقود طويلة وسط إقليم مضطرب، لكن القاسم المشترك بين تلك المراحل جميعًا كان بقاء الدولة المصرية متماسكة، محتفظة بقدرتها على أداء وظائفها الأساسية وصيانة مؤسساتها الوطنية.

أما السنوات التى أعقبت أحداث يناير 2011، فقد مثّلت، فى تقديرى، أخطر لحظة تاريخية واجهتها الدولة المصرية منذ عقود طويلة، وقد كنت شاهد عيان على تفاصيل هذه الفترة الصعبة، التى شاهدت فيها الموت عدة مرات فى ميدان التحرير وشارع محمد محمود، رغم التحذيرات التى وجّهها لنا المغفور له الراحل العظيم الأستاذ عبدالله كمال بالابتعاد تمامًا عن المناطق التى تمثل خطورة علينا خلال رصد الأحداث والتغطية الصحفية، ولكننى كنت شغوفًا بمشاهدة كل شىء عن قرب، ولن أنسى تلك الطلقة التى اخترقت رأس أحد الزملاء فى شارع محمد محمود، والسيارات البيضاء الـ«شيفروليه» التى طحنت أجساد المصريين فى شارع القصر العينى بالقرب من مجلسى الشعب والشورى وقتها.

الأحداث كثيرة يطول شرحها، وفيها ما لا أستطيع أن أكتبه الآن، وخصوصًا عن الدور العظيم الذى قامت به أجهزتنا السيادية وقتها فى مواجهة جحافل أجهزة المخابرات المعادية لمصر منذ قديم الأزل وحتى اليوم، والتى كانت تملأ شوارع وسط البلد وميدان التحرير.

هذه المرحلة الصعبة التى عاشتها مصر لم يكن التحدى فيها عسكريًا على الحدود، ولا سياسيًا أو داخليا، بل كان التحدى الأعظم تحديًا يمس بنية الدولة ذاتها، ويختبر قدرة المجتمع على الحفاظ على توازنه وسط موجات عاتية من الاستقطاب الفكرى والسياسى والاجتماعى، الذى قامت به جماعة الإخوان المسلمين والتيارات الأخرى التى انطلقت إلى المجال العام وكانت تحمل مشاريع هدم الدولة المصرية إلى الأبد، الى انتشار السرقة وانعدام الأمن والاستقرار، لكن أخطر ما واجهته مصر خلال تلك السنوات أيضا لم يكن الإرهاب وحده، ولا التحديات الاقتصادية، بل حالة التآكل البطىء التى أصابت بعض منظومات القيم والتقاليد والمبادئ الراسخة التى شكلت الشخصية المصرية عبر قرون طويلة. فالمجتمعات لا تنهار حين تضعف مواردها فقط، وإنما حين تتراجع فيها معايير الانضباط والمسئولية والاحترام المتبادل والالتزام بالمصلحة العامة.

من هنا تبرز أهمية الدولة الوطنية باعتبارها الإطار الجامع الذى يحمى المجتمع من الانزلاق إلى الفوضى، فالدولة ليست مجرد أجهزة ومؤسسات وقوانين، بل هى فكرة كبرى تحفظ وحدة الجماعة الوطنية وتمنع تغوّل المصالح الضيقة على المصلحة العليا للوطن.

وفى هذا السياق، أرى أن الرئيس عبدالفتاح السيسى تسلّم المسئولية فى ظرف استثنائى لم تعرفه مصر منذ عقود، حيث كانت المنطقة بأسرها تعيش موجة غير مسبوقة من الانهيارات والصراعات والحروب الأهلية وسقوط مؤسسات الدولة فى أكثر من بلد عربى، وكان المطلوب آنذاك ليس فقط إدارة شئون الحكم، وإنما حماية كيان الدولة ذاته من مخاطر التفكك والانقسام.

ولذلك فإن تقييم المرحلة الراهنة لا ينبغى أن يقتصر على مؤشرات الاقتصاد أو معدلات النمو أو حجم المشروعات فحسب، بل يجب أن يُنظر أيضًا إلى السياق التاريخى الذى جرت فيه الأحداث، وإلى حجم التحديات التى واجهتها الدولة المصرية فى محيط إقليمى بالغ الاضطراب والتعقيد، منذ اندلاع ثورة يناير، ومجىء الإخوان، وانتهاءً بثورة الخلاص فى 30 يونيو.

تحيا مصر