
كمال عبد النبى
عندما سهرت باريس من أجل مصر وأم كلثوم
فى ذكرى رحيل سيدة الغناء العربى، نحكى قصة أقصر كثيرًا مما فعلته العملاقة أم كلثوم لنضرب مثلاً للتضحية والفداء والعطاء للوطن فى عز الشدائد وهو ضريبة يجب أن يدفعها كل مواطن نهل من هذا الوطن وكذلك الفنان بصفة خاصة ليضرب المثل والقدوة فى ذلك..
وكان ذلك فى مع إطلالة عام النكسة فى يناير 1967 .. عندما قرر مدير مسرح الأوليمبيا، أن يأخذ جولة فى بلاد المشرق العربي، يسأل فيها عن أصوات تستحق أن تقف على خشبة لطالما أحيت عليها إيديث بياف وجونيا ليبيه، أجمل الحفلات، حتى وصل إلى مصر، والتقى وزير ثقافتها آنذاك ثروت عكاشة، الذى لم يتردد فى اقتراح اسم «أم كلثوم» عليه.
«أم من؟! أم كلثوم؟! من أم كلثوم؟!» يتساءل كوكاتريكس -مدير المسرح- فيرد عليه عكاشة بثقة: «سوف تعلم مكانة أم كلثوم عندما تُغنى على مسرح الأوليمبيا»، فيقرر الفرنسى أن يلتقى بها شخصيًا، فى منزلها الكائن بالزمالك، وبناءً على ثقة استشفها فى نبرة وزير ثقافة الدولة قدم عرضه إليها، فوافقت مشترطة أن تحصل على مبلغ يعادل 14 ألف استرليني، وهو رقم لم يحصل عليه فنانًا قبلها.
ولم يدر بخلد أحد فى مصر أو خارجها أن تنفذ أم كلثوم حفلتها الباريسية عقب حدوث نكسة 67 بعد أن حاصر اليأس كثير من مناحى الحياة فى مصر والمشرق العربى.
فشهران عقب الاتفاق وتشهد مصر نكستها، يومها ضرب مدير المسرح كفًا على كف، فكيف لامرأة أن تخرج من وطنها المطعون فى كرامته لتغنى وسط الآلاف! وكيف لجمهورها العربى أن يقبل فكرة حفلٍ ساهر فى ظل هذا الجراح الغائر! كما أنه لم يعد فى إمكانه إلغاء الحفل، بعد تحمل أعباء التحضير، وتكاليف طباعة التذاكر والدعاية..
يجرى اتصاله، يستفسر بحياء عن موقفها بعد ما حدث، فتخبره أنها لم تغير رأيها، ماضية فى اتفاقها، ليطمئن قلبه دون أن يدرى أنها فعلت ذلك لا التزامًا بالاتفاق أو حرصًا على المال، لكنها فكرت أن تضيف لتاريخها بطولة جديدة، وطنية من الطراز الأول، لا غنائية، فيما عُرف بمشوار الست لدعم المجهود الحربى.
كانوا يعتقدون حتى اللحظة الأخيرة أنها ستعتذر، مصر فى أشد أزماتها، والجميع يقدر موقفها لو تخلت عن جمهورها فى فرنسا، فالمكان باريس، مسرح الأوليمبيا، ولك أن تتخيل هذا الوصف كله كان فى بقعة كتلك لا فى مصر أو أى دولة عربية، وأنه كان أيضًا فى أعقاب النكسة مباشرة، تحديدًا يوم 15 نوفمبر 1967. عامٌ لم تطلع عليه شمس، قُبضت فيه الفرحة لا فى بيوت مصر وحدها، إنما فى كل أرجاء الوطن العربي، لكن شمس أم كلثوم لا تغيب أبدًا، ونجمها لا ينطفيء.
وتُفتح الستار، تُطل من ورائه أم كلثوم، كعادتها كوكب درّي، يشع بهائه نورًا فتنتفض الصالة، لتهيم على نفسها بكل من فيها، واقفون على أقدامهم يرفضون الجلوس فى قيام الست، بينما الآهات تعلو والأذان يصعقها صوت التصفيق المتواصل.
بين 6 أو 7 دقائق متصلة لا ينتهى الهتاف والتهليل، حتى أن السيّدة توجهت لمقعدها تمهيدًا لبدء الحفلة.