حازم منير
مصر وفرنسا
تخضع العلاقات بين الدول إلى قواعد وأسس ومصالح متبادلة ومشتركة، لكن العلاقات المصرية الفرنسية مختلفة ولها مواصفاتها الخاصة، وحتى فى أشد لحظات الخلافات السياسية بين البلدين كانت سرعان ما تعود إلى طبيعتها.
العلاقات المصرية الفرنسية تضرب بعمق فى جذور التاريخ، وأساسها تكون من مشتركات ثقافية وحضارية، لذلك كثيرًا ما تجد لمسة فرنسية مع تاريخنا الفرعونى، ولمسة أخرى فى الفنون المصرية، ورغم أن فرنسا لم تحتل مصر إلا أن اللغة الفرنسية اخترقت أعلى المستويات وكانت اللغة المُفضلة للارستقراطية المصرية.
وللثقافة المصرية تأثير كبير على الحياة المصرية وهى متداخلة ومتقاطعة منذ حملة نابليون قبل قرنين، وحتى مع دولة محمد على فى عصر النهضة، فالحملة الفرنسية أثمرت أول كتاب عن الحضارة الفرعونية وما بعدها فى كتاب وصف مصر، وهى التى نجحت فى حل ألغاز اللغة الهيروغليفية باكتشاف حجر رشيد وفك طلاسمه، والعاصمة الفرنسية باريس استقبلت وفود الحضارة المصرية التى ذهبت لتنهل من العلم والمعرفة والثقافة فى مختلف المجالات.
على أيدى الفرنسيين دخلت أول مطبعة إلى مصر وعرفت القاهرة عصرا مختلفا ساعدها على طباعة أول صحيفة فى تاريخها والمعروفة الآن باسم جريدة الوقائع الرسمية التى تنشر القرارات الرسمية وهو عمل أبدعه الوالى محمد على للتواصل مع تجار مصر وفرض قراراته والتى تمثل القانون حاليا على التجار فى كل ربوع البلاد.
أنت تتحدث إذن على علاقات ذات جذور عميقة مشتركة حققت مصالح متبادلة للطرفين وساعدت الحضارة الإنسانية فى كشف جوانب مهمة من الغموض والإجابة على تساؤلات ساعدت على تعلم دروس مهمة وكشفت أدوارا لجماعات وشعوب كانت مطموسة.
هذه العلاقات المتميزة تاريخيا ساعدت على تجاوز أزمات عديدة فى العصر الحديث مثل أزمة القاهرة – باريس فى حرب تحرير الجزائر، وقبلها بسنوات فى المواجهة العسكرية بين مصر والعدوان الثلاثى الفرنسى البريطانى الإسرائيلى، ولم تستمر هذه الأزمات طويلا حيث انحاز ديجول إلى مصر فى عدوان 67، ثم استمرت العلاقات بين البلدين فى التواصل والتعاون وتعود إلى سيرتها مجددا.
منذ نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات استوعب قادة البلدين معانى ودلالات تلك العلاقات التاريخية ومكوناتها المتميزة، وتمكنوا من ترجمتها فى سياسات تعاون وتفاهم سياسى واقتصادى وعسكرى وثقافى متعدد ومتنوع فى إطار متصاعد ومتطور ونام.
لذلك ليس غريبا أن تستمر العلاقة بين البلدين بنفس القوة والمتانة مع اختلاف المكونات السياسية الحاكمة فى البلدين، ولم تتأثر هذه العلاقة بتغير الحكم فى فرنسا من الحزب الاشتراكى إلى الليبراليين المستقلين، وهى أيضا لم تتأثر بالمتغيرات السياسية العميقة والتقلبات التى شهدتها مصر فى السنوات الثماني الأخيرة.
المؤكد أن العلاقات المصرية الفرنسية تتجاوز القواعد التقليدية للعلاقات بين الدول، فهى لا تقف عند حدود التبادل التجارى وعقد الصفقات وتحقيق المصالح إنما ترتقى فوق كل هذه المعانى إلى صلات ثقافية وحضارية وإنسانية عميقة تضرب فى جذور التاريخ.
كل هذه المعانى تؤشر على أهمية لقاء السيسى – ماكرون اليوم.






