د.حسام عطا
وداعًا د.منى صادق.. أستاذ الأجيال والإلقاء
بدأت علاقتى بها بينما كنت معيداً أكافح من أجل أن أثبت لنفسى أن هذا الاختيار فى أول درجة من درجات العمل الأكاديمى هو دور ومهم وليس درجة وظيفية متميزة، وكانت الأحلام كبيرة كنا نتصور أننا سنغير العالم بالفن والكلمات.
كانت تراقبنى من بعيد وقد قررت فجأة أن أصبح صديقها وأن تمنحنى الثقة والدعم، كانت قد سبقتنى بسنوات هى عقد من الزمان فى التخرج.
وكزوجة وأم ومشروع نجمة فى فن التمثيل تراجعت عنه لصالح المعهد العالى للفنون المسرحية ولأولادها كانت أكثر منى فهماً لطبيعة الواقع القاسي، وظلت تقترب منى وكأنها تنتظر تلك اللحظة التى ستحدث لى فيها الصدمة وانتصار الواقع على سلوكى الحالم المختلف كما كانت تراه.
وكانت تتفهم ردود أفعالى واشتباكى وعدد من أبناء جيلنا مع طبيعة تراتبية النظام الأكاديمى المعقدة.
وعندما جاءت تلك اللحظة الصدمة التى يدرك فيها الفرد الحالم قوة الأمر الواقع، انطلقت د. منى صادق فى دعم متكامل، دعم المثقفة والأخت الشقيقة التى لم تلدها أمي، ولا هى تلك الغضوب المتأنية ولكنها فجأة كانت المرأة المصرية التى تقرر أن تكون جيشك وراعيتك وملاذك وأنت فى قمة إدراك عبثية الواقع وانهيار الأحلام.
فى لحظة واحدة تجسدت فى د. منى صادق خيوط الأمل والثقة والمشاعر النبيلة، وما أجمل أن تجد من يفهمك فى لحظات الصدام مع الأمر الواقع الذى لا بديل عنه، من يصدقك ويتذكرك ويصر على أن يلملم عنك أشلاء الأحلام الممزقة.
كانت منى صادق شاعرة تكتب الشعر الفصيح ولا تنشره، وتحفظ لكبار الشعراء درر الشعر العربى وما أجمل أن يكون جيشاً يحمى مشاعرك بقوة الشعراء.
هى صوت الحكمة فى الأزمة، وصوت الصداقة عندما يختلف أصدقاء وزملاء العمر، تجمع الفرقاء وتضمد الجراح وتجد نفسك أمام عقل رائع يجمع خبرة الرجال ورقة المرأة المصرية.
كان إخلاصها النادر وهى تلميذة عبد الوارث عسر وأحمد راضى فى فن الإلقاء يجعلها تنهى يومها المهنى فى المحاضرات وقد فقدت طاقتها تماماً، ولكنها فى الصباح التالى تولد من جديد.
قامت بتدريس فن الإلقاء بمهنية ومحبة وبفهم عميق لقواعد اللغة العربية وآدابها.
وكانت روحها المحبة لعملها وفنها شامخة فى لين، مترفعة فى أدب، صادقة فى الرضا والغضب.
حظيت بمحبة الجميع، كل طلابها وزملاء المهنة الذين تشاجرت معهم جميعهم لكنهم أحبوها أكثر فى كل خلاف ينشب تثور فيه لوجهة نظرها.
أستاذة الإلقاء والأجيال رمز كبير من رموز المعهد العالى للفنون المسرحية، وأكاديمية الفنون، قد تدرب على يديها أيضاً عدد من المحامين ونواب مجلس الشعب على فن الإلقاء السليم، وقد امتد دورها من عالم الفن إلى رجال السياسة.
وقد كانت تفعل ذلك فى صمت وطيبة مسكونة برضا كبير عن عمر أنفقته فى تربية الأبناء ونشر النور والمعرفة.
حقاً وصدقاً د. منى صادق هى نموذج حى لمعنى نفسية الأستاذ، فالأستاذية حالة من حالات إدراك الدور والوعى بجوهره، تمنح من يصدقها تلك العزة وذلك الرضا، الذى كانت د. منى صادق وبحق كحالة متجسدة على نفسية الأستاذ المتحقق.
ولا أجد من الكلمات ما أعبر به عن فقدى لها، فقط أحتسبها بغيرتها للحق وبخدمتها للفن والثقافة المصرية وبخلقها الرفيع وإنسانيتها المفرطة، عند ربها مغفورة وفى جنات الفردوس الأعلى إن شاء الله.






