الخميس 1 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
أم الدنيا

أم الدنيا

«فجر الضمير»، و«الطلوع إلى النهار»..، واقيانوس الإلياذة والأوديسة.. هذه الكتابات، والعناوين ضَمّت فيما تضمنته صورة مهمة عن مصر وأهلها، فمصر هى أم الدنيا كما يرى المصريون، وكما يرى الأوروبيون أيضا فهى مهد الحضارة، والقيم الروحية والمعنوية الإنسانية مستمدة من التراث الأخلاقى المصرى القديم.



فقد وصف جيمس هنرى بريستد فى كتابه «فجر الضمير» مصر بأنها المصدر الأصلى لكل الحضارات وأنها منبع الأخلاق والقيم الإنسانية التى انتشرت منها إلى مختلف بقاع العالم، ومن أحدث الكتب التى ألقت الضوء على الدور الحضارى لمصر على مر العصور كتاب: «لماذا مصر أم الدنيا» للدكتور مصطفى محمود سليمان، وقد صدر الكتاب حديثا عن دار أخبار اليوم، عن سلسلة «كتاب اليوم».

حيث يتتبع الكاتب هذا الدور الحضارى من خلال ما رصده من دراسات وكتابات مهمة، ومنها ما كتبه د.حسن كمال فى كتابه الموسوعى «الطب المصرى  القديم»، فيقول: «لم تقتصر أهمية مصر على ابتكار الثقافة، والحضارة، والمدنية، والعلوم والفنون، بل على المحافظة أيضا على هذه الإبداعات وتعليمها للغير، وساعد موقع مصر الجغرافى الممتاز بين إفريقية وآسيا وأوروبا على نشر هذه الإبداعات الحضارية فى العالم القديم كله، وبحكم إحاطتها بالصحارى والبحار لم تتأثر مصر بالبلدان المجاورة بل هيمنت على ثقافة تلك البلدان شرقا وغربا.

وجذور الحضارة المصرية عميقة زمنيا ويعود تاريخها إلى أكثر من أربعين ألف سنة قبل الميلاد حسب الكاهن المصرى السمنودى مانيتون والذى دوَّن التاريخ المصرى القديم باللغة الإغريقية، وقد عاش فى أيام بطليموس الأول الذى حكم مصر من عام 305 إلى 285 قبل الميلاد، وقد كتب مانيتون فى كتابه «الجبتانا» أو «أسفار التكوين المصرية» موثقا تواريخ الأسرات الحاكمة الأولى قبل الميلاد، واختلفت روايته تماما عما ذكره المتحف البريطانى، وحسب مانيتون فالأسرة الحاكمة الأولى قد بدأت نحو 5619 قبل الميلاد بدلا من 3200 قبل الميلاد حسب المتحف البريطانى.

وقد تجلت القوانين العادلة فى الحضارة المصرية القديمة، التى أصبحت نموذجا يُحتذى للحضارات الأخرى، ومن ذلك ما ذكره د.محمود الدماطى فى كتابه «ملكات مصر»: أن القانون المصرى القديم ساوى بين الرجل والمرأة، وجعل المرأة تحكم منذ الأسرة الأولى، وكانت الملكة «ميريت نيت» وتشهد الآثار المصرية بذلك من خلال تمثيل المرأة فى هيئة مساوية للرجل، وفى تماثيل منفردة أو عائلية كما تظهر بكامل زينتها وزيها إلى جوار الرجل فى المناسبات العائلية ورحلات الصيد والولائم.

وكانت مصر منبع الأخلاق وفجر الضمير من خلال التراث الأخلاقى المصرى القديم الذى تعلمه أفلاطون وأرسطو ونقلاه إلى الإغريق، بل إن كل فلاسفة الإغريق كانوا تلاميذ فى الجامعات المصرية القديمة، وأشهرها جامعة «أون»، وسمَّاها الإغريق «هليوبوليس» أى مدينة «عين شمس».

ويمثل كتاب «الطلوع إلى النهار» أو كتاب الموتى المصرى القديم قلب هذا التراث الأخلاقى، من خلال واحدة من أشهر البرديات المصرية القديمة وهى بردية الحكيم المصرى «آنى»، والتى ترجمها عن الهيروغليفية إلى الإنجليزية عالم المصريات الشهير سير والس بدج، وقد أخذ الأوروبيون والأمريكيون جانبا من المبادئ الأخلاقية المصرية القديمة، وأطلقوا عليها اسم: القيم الأخلاقية الأساسية، وهى «لا تكذب، لا تخدع، كن منصفا وعادلا، احترم حقوق الآخرين، قدِّم العون لمن يطلبه، لا تسبب الأذى لأحد، اهتم بالنظافة، اتقان العمل، الإنتاج، طلب العلم، احترام وطاعة القانون»، ومصر هى بحق أعظم حقيقة سياسية فى العالم القديم كما يقول د.جمال حمدان فى كتابه «شخصية مصر»: «كانت مصر أول أمة فى التاريخ القديم نمت فى نفسها عناصر الأمة بمعناها الكامل الصحيح وبعدها كانت أول دولة بالمعنى السياسى المنظم تظهر على مسرح العالم القديم، وبعد فترة من الزمن أصبحت أعظم قوة سياسية فى العالم القديم، وأول إمبراطورية فى التاريخ، حققت لنفسها نطاقا ممتدا من السيطرة والتفرد، وظلت أعظم حقيقة سياسية فى الشرق القديم».

أما تفرد مصر بحساب الزمن فيرجع ذلك إلى النيل إذ استحوذت صفاته على الكثير من المناقشات الفلسفية والجغرافية منذ عصر الإغريق «القرن السادس قبل الميلاد» وحتى العصور الوسطى، وبخاصة انتظام فيضانه السنوى الذى جعل المصريين يعرفون الفلك، واستلهموا منه فكرة تقويم النيل وحساب الزمن، وقد شكل ذلك جانبا مهما من تاريخ البشرية والحياة ذاتها، حيث قسم المصريون القدماء أيام السنة على أساس زراعى إلى ثلاثة فصول، طول كل منها أربعة أشهر وهى فصل الفيضان، ثم فصل بذر البذور ثم فصل الحصاد، وكما يقول جمال حمدان إن النيل نهر غير عادى بأى مقياس جيولوجيا، جغرافيا، تاريخيا أو حضاريا، وقد ذكر «هيردوت» أن نهر النيل ينبع من الأوقيانوس وقد جاء ذكره فى ملحمتى الأوديسة والإلياذة، للشاعر اليونانى «هوميروس» وأسطورة الأوقيانوس أنه ابن السماء «أورانوس»، وابن الأرض «جايا»، ويعد واحدا من القوى الأساسية المسئولة عن خلق وإيجاد العالم بما فيه كما تقول الأسطورة.

فالنيل الذى يجرى من الجنوب إلى الشمال، عكس أنهار العالم التى تجرى من الشمال إلى الجنوب، ولذا شغل فكر الفلاسفة والجغرافيين منذ القدم، لذا اقترنت مقاييس النيل بعقد الطقوس الدينية وخاصة شمال أسوان فكان الأهالى يحيون النهر بالكعك والفاكهة والتمائم، كما اخترع المصريون القدماء مقاييس النيل تنبهوا فى القرن الثالث والأربعين قبل الميلاد إلى أن السنة الشمسية تتكون من ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، وقسموا السنة إلى اثنى عشر شهرا، وجزأوا كل شهر إلى ثلاثين يوما حفظا للنظام وتسهيلا للمداولات ثم أضافوا خمسة أيام ليقيموا فيها الأعياد، كما عرفوا الأبراج.

الجدير بالذكر أن الورق اختراع فرعونى أسبق بالطبع من صناعة الورق الصينية، وقد صنع المصريون الورق من نبات البردى فى الألف الثالثة قبل الميلاد ويرجع عمر نصوص الكتابة المصرية والسومرية إلى الربع الأخير من الألف الرابع قبل الميلاد، بالإضافة إلى أن الحضارة المصرية القديمة حضارة فنية ازدهرت فيها الفنون بكل صورها وخاصة فى مجال صناعة التماثيل العملاقة وقطع الأحجار وصقلها، ويظل بناء الأهرامات شاهدا على عظمة فنون هذه الحضارة.

ويضيف د.مصطفى محمود سليمان فى كتابه أن المصريين القدماء امتلكوا تكنولوجيات متقدمة فى إبداعاتهم الفنية لا تزال محل دراسة واكتشاف.