الإثنين 17 فبراير 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا

«رسائل العشاق» صوفية حائرة بين الدراما والتعبير الحركى!

«للحب» قدسية كبيرة عند المتصوفين وصلت بهم إلى حد التوحد مع معانيه وأحواله سواء المرتبط بالعشق الإلهى أو المتصل بعشق المحبوب فردوا له أشعارا وأقوالا فى وصف الحبيب المتمثل فى «الله» أو المحبوب وكأنه فى وجهة نظرهم يتساوى مع الاستسلام والخشوع وخضوع المؤمن لعبادة الله فمن أحب الله أحب عباده، وبالتالى أصبحت أقوالهم واشعارهم ايقونات وعبارات يقتدى بها كل عاشق. المسرح والصوفية لما حظى به المتصوفة من اتباع فى طريق الحب ولتفرد عباراتهم فى إحداث قدر كبير من المتعة والطمأنينة فلكلامهم وقع كبير على النفس الإنسانية اتجه الكثير من مخرجى المسرح إلى تقديم أعمال تقترب من هؤلاء المتصوفين سواء عنهم أو بالاستعانة ببعض أعمالهم كان من بين هذه الأعمال التى استعانت بأحد كبار العلماء فى كتاباتهم عن الحب «عن العشاق» للمخرج هانى عفيفى والذى قدمه بقصر الأمير طاز واستعان فيه بكتاب «طوق الحمامة» لابن حزم الأندلسى؛ يعد هذا الكتاب أكثر الأعمال تفصيلا فى وصف شكل الحب وأحواله واوضاعه وأثره السلبى أو الإيجابى على النفس البشرية ،تناول الكتاب فى ثلاثين فصلا تفاصيل الحب وعلاماته، انواعه، أحواله مثل الكتمان الإعلان، الوصل، والهجر، والكثير من التفاصيل الدقيقة التى تخص هذه العلاقة ثم تعليق ابن حزم على أحوال الأحبة؛ ثم «قواعد العشق 40» عن الرواية الأشهر بنفس الاسم للكاتبة إليف شافاق تناولت هذه الرواية العلاقة الخاصة والشائكة التى جمعت بين جلال الدين الرومى وشيخه شمس التبريزى قدم المخرج عادل حسان عرضه فى إعداد عن تفاصيل هذه العلاقة وكيف تبلورت بينهما ثم أخيرا عرض «رسائل العشاق» للمخرج محمد إبراهيم الذى قدم جلال الدين الرومى فى ثوب مختلف عن الشكل الذى قدم عليه فى «قواعد العشق 40». «رسائل العشاق» لعب الرومى فى «رسائل العشاق» نفس الدور الذى سبق أن لعبه ابن حزم فى «عن العشاق» بتناول العلاقات العاطفية بين الأحبة والتعليق عليها بالنقد والتشريح والتحليل والنصح والإرشاد فكلا العملين استحضرا روح كبار المتصوفين باعبتارهما أبلغ من تكلم عن الحب والأقوى أثرا فى نفوس المستمعين؛ ففى كلامهما راحة وإصابة هدف وتلخيص لمعانى الحب الحقيقى؛ ولعباراتهم مذاق خاص يلقى قبولا كبيرا فى آذان وقلوب المحبين لذلك أصبح الاقتباس عنهم من بين عناصر الجذب الكبرى لكل عامل فى حقل الفن والكتابة، فالاستعانة بأقوالهم واشعارهم من شأنه أن يحقق أعلى نسب فى الإقبال الجماهيرى سواء بالمشاهدة أو القراءة. نصف حالة! لكن هل وفق مخرج ومؤلف «رسائل العشاق» فى تقديم هذه الحالة الصوفية؟!.. وفق المخرج فى تقديم نصف حالة صوفية بأداء مفيد عاشور لشخصية جلال الدين الرومى والتعبير الحركى لمصممه مناضل عنتر وعند هذين العنصرين توقف العرض عن استكمال حالته الصوفية، ودخل فى تقديم مجموعة من القصص والحكايات الساذجة عن العلاقات العاطفية ثم تعليق الرومى عليها وتقديم تعبير حركى مواز لكل قصة أو علاقة اراد المخرج والمؤلف التعبير عنها؛ فالتوفيق بين العلاقات العاطفية وسرد أقوال وحكم عن الحب المجرد كان يحتاج إلى مزيد من بذل الجهد فى الكتابة الدرامية التى حملت قصصا عاطفية متنوعة ومتفرقة بالعرض المسرحي، قصصا تناول معظمها فى استظراف وسذاجة أزمة الخلافات بين الأزواج أو المرتبطين عاطفيا وأزمة غياب المعايير الأخلاقية وغياب الإيمان بقيم الحب الحقيقى فى شكل سطحى ربما أراد المخرج فى استحضار شخصية الرومى أن يعيد تعريف الحب الصافى والقيم والسلوك التى تتبع هذا الحب بينما كان للرومى أو مفيد عاشور النصيب الأكبر فى النجاة من أزمة الدراما الساذجة التى كتبت بها قصص عشاق العرض فكما استعان بشخصية فى حجم وثقل الرومى للكلام عن الحب والعشق لمنح دروس فى ضرورة تهذيب سلوك البشر فى حضرة هذا الحب؛ كان من الأولى أن تغزل القصص العاطفية أو العلاقات التى تناولها العمل فى نفس مستوى عمق ومتعة ما جاء على لسان الرومى فإذا استغنى صناع العمل عن تقديم هذه العلاقات الباهتة دراميا واكتفى بأداء مفيد عاشور والتعبير الحركى كان سيحقق نصيبا أكبر من المتعة وجودة التناول؛ لأن المفردات الحركية كانت ابلغ وادق فى التعبير من البوح بحوار مرسل لم تتسق قيمته مع كلام الرومى فبدت الحالة الصوفية أو الروحية التى أراد المخرج استحضارها حائرة ناقصة زائغة بين التعبير الحركى والدراما المكتوبة. أزمة التكرار لم تتوقف الأزمة عند سذاجة الطرح وخلو العمل من مضمون متماسك للعلاقات العاطفية بينما يقع عادة صناع العروض الصوفية فى تقديم شكل اعتيادى متكرر لهذه الأعمال يتمثل هذا الشكل فى مطرب يخرج فى مشاهد متفرقة للغناء وأقوال صوفية مقتبسة وبعض المشاهد التمثيلية للعلاقات التى تقرر تناولها؛ قد يناسب هذا الشكل عملا وقد لا يتناسب مع الآخر وليس معنى نجاحه الاستمرار فى تكراره بنفس التكنيك والآلية فى تقديم العروض التى تتحدث عن نفس القضية، ففى «رسائل العشاق» قدم المنشد على الهلباوى بأكثر من مشهد أغنية مختلفة كان يخرج فى فواصل غنائية وكأنه فى حفل غنائى؛ فلم يوظف دخوله وخروجه دراميا وجاءت هذه الفواصل قاطعة للعمل وكأنها تنقلنا لحفل غنائى بمكان آخر لم تلتحم بدراما العرض ولم تحقق أى متعة؛ بجانب عدم الاستغلال الجيد لمهارات الممثلين ففى هذا العمل أكثر من ممثل موهوب لم يفصح العرض عنها بشكل كامل أو لم يبلور هذه الموهبة فى موقعها الصحيح وبالتالى استغل مجموعة من الموهوبين استغلالا عشوائيا مثل عبد الله صابر، لمى كتكت، شهر رضا، يارا المليجى، آسر على، جورج أشرف، زينب العبد؛ بجانب إختيار ديكور وألوان ولحظات إضاءة غير متسقة أو مناسبة للحالة الروحية التى أراد إصابغها على العلاقات العاطفية المفككة بزماننا الحالى.