الخميس 2 أبريل 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا
فن التصوير الإسلامى الحديث وأزمة اتصال الثمرة بالجذور 

فن التصوير الإسلامى الحديث وأزمة اتصال الثمرة بالجذور 

منذ أكثر من ثلاثة أعوام وأثناء إعادة افتتاح جناح الفن الإسلامى  فى متحف اللوفر وكنت قد دعيت من قبل إدارة المتحف للمشاركة فى الافتتاح سألنى مذيع قناة أرتى الفرنسية الألمانية بصفتى أحد العرب المشاركين فى الحدث قائلاً:  هل ترى أن هناك فنانين يمثلون الفن الإسلامى  فى العصر الحديث أو هناك امتداد لمدارس الفن التشكيلى الإسلامى  فى أيامنا هذه؟ وكانت أجابتى: بإستثناء الخط العربى والمجهود المقبول نحو تخليده فى عصرنا الحديث فلا يوجد من يمثل الفن الإسلامى  بين العرب فى عصرنا هذا وخصوصًا فى التصوير فالكل اتجه ناحية الاستغراب محاكيًا مدارس الفن التشكيلى الحديثة مثل الانطباعية والتجريدية والتكعيبية وغيرها وابتعد العرب كل البعد عن أن يكونوا خلفًا لهذا السلف الذى تجد أعمالهم فى التصوير التشكيلى مضيئة فى كل متاحف العالم.. غير أنه فى إيران هناك فنان الكل يعرفه ويعرف حجمه وثقله وهو الأستاذ الكبير محمود فارساشيان، والذى أرى من وجهة نظرى أنه الوحيد فى عصرنا الذى يشكل ثمرة جذورها هى الفن الإسلامى الأصيل بمدارسه المتنوعة. الحقيقة أننى ما زلت أعتقد أن هذا الكلام لا يجانب الصواب، فأنا لا أكاد أجد فى عصرنا هذا فنًا يمثل الفن الإسلامى  فى معظم نواحيه أو حتى يستلهمه إلا فيما ندر .. وهذا هو مدخلنا لفنان كبير أتحدث عنه اليوم فى كثير من الحذر، لأننى أخشى مع كلامى عنه فى هذه المساحة الضيقة أن أبخسه حقة أو أعطيه أقل من قدره وهو الأستاذ العظيم وعمدة التصوير الإسلامى الحديث الفنان القدير محمود فرساشيان أطال الله بقاءه ومتع نواظرنا بفنه وخبرته. الحقيقة أن قضية فن التصوير فى الفن الإسلامى شائكة ومعقدة ولعلنا نحب أن نفرد لها نقاشًا فى فرصة أخرى لكننا سوف نأخذ منها الآن ما يناسب كلامنا عن فرساشيان فمنذ أن تعاقبت الموجات الاستعمارية على وطننا العربى انقطع المدد بيننا وبين منابع الفن الإسلامى  الحقيقية وبعد أن سرقت الأستانة – إستانبول – معظم عظماء الحرفيين من مصر اختفى الابتكار فى الفن الإسلامى  وخصوصًا التصوير، وكما سرق العثمانيون الأرض من الإغريق والبيزنطيين وحولوا كونيستانتينوبوليس إلى الأستانة سرقوا أيضًا الفن والحرفة من مصر والشام وغيرها من الحواضر العربية.. وبالتالى انقطع المدد بين الجذور والفروع ومات فن التصوير الإسلامى  لقرون مع موجات الفقه المتزمتة التى حرمت التشخيص بشكل قاطع. أما فى فارس – إيران – كانت المسألة مختلفة فلقد انفصل الصفويون عن الهيمنة العثمانية ومع مرونة فقه المذاهب فى إيران استمر طقس التصوير الإسلامى  حتى وصل إلى مداه على يد كمال الدين بهزاد رائد مدرسة التصوير فى الفترة الصفوية، ثم الفنان مسكينا رائد مدرسة التصوير الهندى الإسلامى  والذى استقى أبجدياته من المدارس الفارسية. هذا الطقس الذى لم يجد غضاضة فى تصوير كل شيء وأى شيء حتى الحكايات المقدسة بعد أن صور حواديت الحكايات الفارسية وقصص العشق فى منمنماته وأشكال أخرى من الفن. وباستمرار التطور فى التصوير الإسلامى  فى إيران بالتحديد دونًا عن غيرها من أقاليم الحضارة الإسلامية بحيث كانت مصبًا لكل روافد الفن الإسلامى  من مغولى وأفغانى ومغولى وهندى وحتى الفن العربى الذى كان منذ البداية مهتمًا بالتصوير حتى صدامه بحوائط الفقه المتشدد. لعل طقس التصوير الإسلامى  الذى استمر فى إيران وكل أقاليم فارس هو الذى أنجب لنا فى القرن العشرين عبقرية فى قامة عبقرية الأستاذ محمود فرساشيان، والذى نال عن جدارة لقب أستاذ ليس فقط من مواطنيه بل بشهادة كل أساطين الفن التشكيلى فى العالم الذى عاصروه وعاينوه بل وهاموا به عشقًا، كما هام هو بحضارته عشقًا ومنهم على سبيل المثال لا الحصر ستيوارت والاش، فيدريكو ماير، ريتشارد أيتنجهاوسن، هارولد ب ستيرن، وغيرهم عشرات من المتخصصين الذين شهدوا لأستاذنا الكبير بالتفوق والعبقرية. وفى رأينا الشخصى لا يمثل فرساشيان عبقرية وحسب بل تعدى ذلك لأن يشكل بأعماله كلمة معجزة.. نعم فمحمود فرساشيان معجزة فن التصوير الإسلامى الحديث بكل ما تحمله الكلمة من معنى لأنه كما أسلفنا أكمل طقس فن التصوير الإسلامى الذى انقطع فى أقاليمنا العربية، وصدره للمشهد العالمى فى الفن التشكيلى بصفته الفنان الوحيد الذى أكمل لفن التصوير الإسلامى  مسيرته ووصل به إلى حدود الحداثة دون أن يمس جوهره الخلاق والعظيم. تتبدى معجزة فرساشيان فى ثلاثة جوانب أولهما أنه أخذ من ما وصل إليه فن التصوير الإسلامى  فى عصره وهو حرفة السجاد التى حافظت على فن التصوير الإسلامى  وطورته مع تراجع تواجد هذا الفن نوعًا ما فى الأفرسك والخامات الأخرى، فهذه الحرفة الوطنية التى ميزت الحضارة الفارسية منذ آلاف السنين هى التى حافظت على فن التصوير الإسلامى  وطورته من خلال مدارس إقليمية كثيرة تمتد لتاريخ فن التصوير الإسلامى، مثل مدرسة تبريز وكاشان وأصفهان والتى لا زلنا نصف بها السجاد الفارسى كتصنيف دون أن نعرف أنها فى الأصل أساليب لمدارس فن التصوير الإسلامى، إذن من هنا بدأ فارساشيان والذى كان والده تاجراً للسجاد ويمتلك موهبة الرسم وهذا الجو الذى ولد فيه وتربى فى مدينة أصفهان أحد حواضر فن الأبسطة الفارسية فى العالم جعل  موهبته تتفجر فى سن الخامسة مما جعل والده يرسله لمدرسة الفنون العليا حتى تتلمذ على يد اثنين من عظماء فن التصوير الفارسى وهما حاج ميرزا أغا وعيسى بهادورى والأخير يعرف بشيخ مشايخ رسامى ومصممى الأبسطه الفارسية وأحد أهم فنانى التصوير فى إيران فى القرن العشرين وهذا هو أول جانب. أما الجانب الثانى فهو أن فرساشيان بعد أن أتم دراسته على خير وجه فى مدرسة أصفهان العليا للفنون الجميلة ذهب إلى أوروبا حتى يدرس الفن الأوربى وعظماء أساتذته، وهنا اتصل حبل طقس التصوير الإسلامى  الحديث لديه بمدارس التصوير الأوروبى التى أضفت على فنه مزيدًا من المرونة واليسر، وأتوقف هنا لأنقل بعد هذه السمات التى تأثر فيها بالفن الأوروبى وهى على سبيل المثال لا الحصر، تحول الخطوط المحوطة فى أعماله للشخوص والكائنات للمرونة وتقبلها للحركة مع بعض الإزاحة فى تقبل المنظور والعمق، تحولت النسبة لديه لمنطقية وواقعية أكثر من ذى قبل، وأصبح التشخيص هو البطل الرئيسى فى العمل الفنى، النزوع لوجود فضائات لونية كبيرة فى اللوحة كما نرى عند فنانين كثيرين فى الفن الأوروبى سواء فى المدرسة الرومانسية أو فى مدرسة الباروك ولعلنا نؤكد أيضًا أن تأثر فارساشيان بالرومانسية الفرنسية كان أكثر حضورًا، ونخص بالتحديد وليم بوجيرو الذى قاربت نسبة نسب فرسشيان وألوانه الخفيفة والأقل ثقلًا وحرارة من غيره .أما فى مسألة الروحانية فى المشهد التشكيلى كان جوستاف دور هو الأكثر تأثيرًا على فرساشيان فنحن نجد روابط كثيرة بين فرساشيان وجوستاف إذا نظرنا مثلًا لبعض لوحات جوستاف مثل لوحة باولو وفرانشيسكا ولوحة أندروميدا واللذان يشتركان فيهما فى مركزية التشخيص والطرح الصوفى كذلك لوحة يسوع فى موكب الصلب لجوستاف. الجانب الثالث والذى لا يقل أهمية من معجزة فرساشيان هو ذلك التدجين الرائع والسحرى بين عوالم الشعر الفارسى والأدب الفارسى وبين عوالم فارساشيان التشكيلية والتى تتكئ بكل ثقلها على هذا النبع.