الإثنين 30 مارس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا
قناة السويس ١٥٠ عاما على الافتتاح

قناة السويس ١٥٠ عاما على الافتتاح

شهدت أكاديمية الفنون وقائع احتفالية بمناسبة مرور 150 عامًا على افتتاح قناة السويس تحت رعاية وزيرة الثقافة د.إيناس عبدالدايم. وقد شرفت بحكم عملى كأستاذ بالأكاديمية من ناحية، وككاتبة مهتمة بكل ما يدور فى مصرنا المحروسة من ناحية أخرى؛ بمتابعة فعاليات الافتتاح التى بدأت بتقديم معزوفة رائعة أدتها مجموعة من عازفى آلات النفخ بالمعهد العالى للموسيقى الكونسيرفاتوار، فلغة الموسيقى خير لغة تعبر بحق عن مشاعر الفرح الجياشة التى غمرت قلوب الحضور ابتهاجًا بالاحتفاء بمناسبة عزيزة على قلب كل مصرى. وقد تمحور الاحتفال فى إقامة معرض بعنوان: «قناة السويس الماضى .. الحاضر .. المستقبل» افتتحته د.إيناس عبدالدايم، واللواء وسام الدياسطى مستشار رئيس هيئة قناة السويس، واللواء أحمد راشد محافظ الجيزة، بحضور رئيس الأكاديمية د.أشرف زكي، ود.غادة جبارة نائب رئيس الأكاديمية. تضمن المعرض أعمالًا منوعة لعدد كبير من كبار الفنانين التشكيليين بلغ ٣٥ فنانًا، عرضت لوحاتهم بقاعة «مختار عبدالجواد» للفنون التشكيلية بالأكاديمية؛ منهم على سبيل المثال لا الحصر: سلوى رشدي، ود.مصطفى يحيى، ومها عبدالكريم، ود.وهاد سمير، ومحمد تاج الدين، وجورج ماهر. ضم المعرض بين جنباته تلاوين مختارة من الرسم والحفر والخزف والتصوير وغير ذلك. لاقى المعرض استحسانًا كبيرًا من الحضور عبر اللواء وسام الدياسطى عن ذلك فى كلمته التى أكد فيها ما ينطوى عليه الفن من أهمية؛ لما يلعبه من دور متميز فى مواكبة الأحداث والتأريخ لها وثائقيا. فى حين أكد اللواء أحمد راشد دور القوة الناعمة فى مواجهة حملات الفساد والتضليل التى تجتاح المجتمع من خلال ما تقدمه من حراك ثقافى منوع يعمل على زيادة الوعى لدى المواطن المصري؛ درءًا للشائعات والمؤامرات، وقد تخلل الاحتفالية تكريم وزيرة الثقافة، ود.أشرف زكي، ود.غادة جبارة للواء أحمد راشد، وتكريم الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس، وتسلمها عنه اللواء الدياسطي. كما أهدى اللواء «أحمد راشد» الأكاديمية درع المحافظة، وقام اللواء الدياسطى بالإنابة عن الفريق ربيع بتكريم كل من: د.إيناس عبدالدايم، ود.أشرف زكي، ود.غادة جبارة، ود.إيناس حسنى قوميسير المعرض، ومها عبدالكريم شقيقة الفنانة الراحلة عايدة عبدالكريم ضيف شرف المعرض التى تعد من أهم رائدات فن النحت فى مصر والوطن العربي، كما توجهت الهيئة بالشكر والتكريم لكل الفنانين المشاركين. ومما لا شك فيه أن اللحظات الفارقة فى عُمر الشعوب يقف لها التاريخ شاهدًا ومسجلًا فى طيات سطوره ـ وبحروفٍ من نور ـ ما أنجزته هذه الشعوب بالدم والعرق، وهذه المرَّة وفى هذه اللحظة الفارقة التى نعيشها، لن يقف التاريخ وحده ليسجِّل؛ ولكن ستقف معه الجغرافيا أيضًا؛ لتسجل كيف استطاع المصرى أن يلوى عنق الصحراء، ويقوم بتغيير ملامحها التى شابت على مر الأزمان؛ ليحيل اليابسة إلى اخضرارٍ يمنح النماء لكل من يعيش على أرض مصر بإرادته الصلبة التى لا تقهر، وكأنه يثأر لدماء مائة وعشرين ألفًا من أبنائه الذين دُفنوا تحت الركام والرمال فى هجير الصحراء أثناء الحفر ـ بالفأس والمقطف وكسرة القديد ـ فى عهد الخديوية التى قصدت بحفرها خدمة التطلعات الاستعمارية، إلى أن استردتها مصر على يد أبنائها الذين آمنوا بحق ملكيتها كشريانٍ رئيس فى الجسد المصرى العملاق يغذِّى القلب والروح والكرامة؛ ويفتح الطريق إلى آفاق الحرية لكل من على أرضها المقدسة. إن البون شاسع بين الأمس واليوم، وعلينا أن نقص على الأجيال الجديدة كيف بدأ التفكير فى تغيير ملامح الصحراء لتنبثق فى شرايينها العجفاء جداول الماء والقنوات التى توهب الاخضرار لكل ربوعها، فقد بدأ حلم المصرى منذ دبت الحياة على أرضه، وبإلقاء نظرة مختصرة على تاريخ نشأة هذا الحلم فى عقل المصرى القديم نجد العديد من المحاولات التى نجح البعض منها ونال البعض إخفاقات الفشل، ولكن ظل الحلم يراود عقل المصرى القديم، وصولًا إلى حفرها من جديد بعد ردمها بأمر أبى جعفر المنصور مع تغير مجراها وتغير اسمها إلى قناة السويس، ثم كانت الإرهاصة للقناة التى احتفلنا بتشغيل تفريعة جديدة لها، ففى يوليو عام 1956 قام الرئيس جمال عبدالناصر بتأميم القناة، والتى تسببت لاحقًا فى إعلان بريطانيا وفرنسا الحرب على مصر والذى انتهى بانتصار الإرادة المصرية انتصارًا أبهر العالم، بل كان هذا الانتصار بداية لانهيار الإمبراطورية البريطانية التى سيطرت على العالم بالاحتلال منذ فجر التاريخ. وفى يوم الخميس السادس من أغسطس 2015 كان الحدث التاريخى الذى صنعته الإرادة المصرية بسواعد شعبها وجيشها وشعارهم «يدٌ تبنى ويدٌ تحمل السلاح»، لتضيف تفريعة لتحسين الأداء للخدمات البحرية، بالإضافة إلى توسيع وتعميق تفريعات البحيرات المُرَّة، ليكون فى هذا أبلغ الرد على المتباكين الذين يحاولون تشويه جدِيِّة هذا المشروع والوقوف كحجر عثرة فى طريق الإنجازات التى يدفع بها فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى لرفعة وتقدم الشعب المصرى لبلوغ المكانة التى يستحقها؛ بل دفع الثمن غاليًا فى سبيل نيله الحرية من دماء أبنائه الشرفاء. وإذا كان تاريخ قناة السويس مرتبطًا بأطماع استعمارية أوعز بها المهندس الفرنسى ديليسبس إلى الخديو سعيد، فى عصرٍ كانت فيه مصر لا تملك إرادتها فى اتخاذ القرار، ليقف على ضفتيها لحظة الافتتاح فى العام 1869 كل السفراء الأجانب، وعلى رأسهم الإمبراطورة «أوجيني» ملكة فرنسا التى عبَرت على متن «ليجيل» - كأول سفينة تعبر القناة فى الافتتاح - على النقيض نرى اليوم على ضفتيها كل القلوب المتحررة من السيطرة الأجنبية، فلم نلجأ إلى استدانة الأموال للإنفاق على المشروع، كما حدث فى العهود القديمة؛ بل نـُفذ بما استثمره المصريون فى شراء أسهم قناة السويس لتعود الفائدة المرجوَّة لكل مصرى آمن بحق بلاده فى مستقبل زاهر للأجيال المقبلة. فها نحن نقف بكل العزة ونردد مع شاعرنا «صلاح جاهين» يوم استرددنا قناة السويس: محلاك يا مصرى وانت (ع) الدفـَّـة والنصرة عاملة (ع) القنال زفـَّـة ! فقد أثبتت عزيمة المصريين أنهم إذا أرادوا أن يحققوا شيئًا نالوه ويا ليتنا نجد الروح والعزيمة نفسها فى جميع المجالات كلٌ فى موقعه؛ لنسابق الزمن؛ ولنلحق بركب التقدم قبل فوات الأوان، وتحقيق حلم القناة فى هذا الوقت القياسى خير دليل على قدرات المصري، فلنمتلئ ثقة فى أنفسنا وننفض الكسل وترابه عن كاهلنا، فنحن مسئولون عن تردى الأداء فى عملنا، فلنواجه أنفسنا ونعد العدَّة بكل الجدية لنخلص فى إنقاذ البلد مما يشوبها من سلبيات وفساد وتهاون، فنحن المسئولون فهى مصرنا.. وقناتنا.. وعزنا ومجدنا.. وفخرنا!