الأربعاء 18 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
صورة الإسلام بين الجوهر والممارسة

صورة الإسلام بين الجوهر والممارسة

عندما ننظر إلى واقعنا المعاصر، ونقارن بين ما جاء به الإسلام من قيمٍ سامية، وما نراه من ممارساتٍ منسوبة إليه زورًا أو جهلًا، ندرك حجم الفجوة الخطيرة بين الدين فى صفائه الأول، والدين فى بعض صوره المشوَّهة اليوم.



فالإسلام الذى قدَّمه القرآن، وبلَّغه النبى ﷺ، دين رحمة، وحكمة، وعدل، وأخلاق، قبل أن يكون شعاراتٍ أو مظاهر. غير أن بعض من ينتسبون إليه – قولًا لا فعلًا – أساؤوا إليه بسلوكياتهم، حتى صاروا أكبر دليلٍ يستشهد به أعداء الإسلام على دعاواهم الباطلة بأن هذا الدين لم ينتشر إلا بالقوة والسيف، لا بالخلق والقيم.

والحق أن هذه الصورة لا تمت للإسلام بصلة، بل هى نقيض صريح لهديه، ومخالفة واضحة لمنهج نبيّه ﷺ، الذى وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

الإسلام لم ينتشر بالسيف.. بل بسلوك الدعاة

لو كان الإسلام قد انتشر بالسيف، لما دخل القلوب، ولما صمد فى وجدان الشعوب قرونًا طويلة، إنما انتشر حين رأى الناس عدله فى الحكم، وأمانته فى المعاملة، ورحمته فى الخلاف، وتسامحه فى القوة.

انتشر حين كان الداعية قبل أن يتكلم قدوةً تمشى على الأرض، وحين كانت الأخلاق ترجمان العقيدة، وكان السلوك هو أعظم وسائل الدعوة.

لكن المؤلم اليوم أن بعض الأصوات المرتفعة باسم “الدين” لا تعرف من الإسلام إلا القسوة، ولا من الدعوة إلا الصدام، ولا من الغيرة إلا الاتهام، فاختزلوا الدين فى دائرة ضيقة، وجعلوا أنفسهم أوصياء على الإيمان، ومن خالفهم – ولو كان من أهل القبلة – فهو عندهم ضال أو مبتدع أو كافر.

التدين المغشوش.. حين يتحول الدين إلى أداة هدم 

أخطر ما فى الفكر المنحرف أنه لا يكتفى بأن يضل صاحبه، بل يسعى إلى تضليل غيره، ويستحل فى سبيل ذلك الأعراض والدماء والأموال.

هؤلاء يزعمون أنهم وحدهم «الفرقة الناجية»، وأن غيرهم من المسلمين على باطل، فيوجّهون سهامهم إلى صدور الموحدين، ويتركون دعوة أهل الشرك والكفر، وكأن مشكلتهم ليست مع من يعادى الإسلام، بل مع من ينتمى إليه.

وهنا تقع المغالطة الكبرى: كيف نترك من لم يعرف الإسلام أصلًا، ونتفرغ لتكفير من شهد أن لا إله إلا الله؟ كيف نرفع راية “الأمر بالمعروف” ونحن نفتقد أبسط معانى المعروف فى أخلاقنا وألسنتنا؟ وكيف نزعم اتباع النبى ﷺ، وسيرتنا تناقض سيرته قولًا وفعلًا؟

(قل هذه سبيلى).. منهج الدعوة لا شعارها

يضع القرآن الكريم أيدينا على المنهج الصحيح للدعوة فى قوله تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾.

هذه الآية ليست مجرد توجيه، بل ميزان دقيق يَفصل بين الدعوة الراشدة والدعوة المنحرفة.

فالدعوة إلى الله لا تكون بالصوت العالى، ولا بالاتهام السريع، ولا بالتصنيف الإقصائى، وإنما تكون على بصيرة: بصيرة بالعلم، لا بالجهل. وبصيرة بالواقع، لا بالوهم. وبصيرة بالنفس، لا بالهوى.

فمن دعا بغير علم أفسد أكثر مما أصلح، ومن دعا بغير حكمة نفَّر أكثر مما قرَّب، ومن دعا بدافع الأيديولوجيا أو السياسة أو العصبية، فقد خان أمانة الدعوة ولو ظن نفسه مخلصًا.

من هو المدعو؟ ومن هو الداعى؟

من أبجديات الدعوة التى غفل عنها كثيرون اليوم، أن نعرف أولًا:

من الذى ندعوه؟ وهل هو مسلم جاهل؟ أم مسلم مخطئ؟ أم غير مسلم؟ فلكل مقام مقال، ولكل حال خطاب.

ثم: من الداعى؟ هل هو عالم راسخ؟ أم طالب علم؟ أم متحمس بلا زاد؟ فالدعوة ليست مجالًا للتجارب، ولا ساحة لإثبات الذات، بل مسئولية كبرى تحتاج إلى تأهيل علمى، ونضج نفسى، وأخلاق عالية.. وأخيرًا: ما طريقة الدعوة؟ وهنا يأتى القرآن حاسمًا لا لبس فيه.

الحكمة والموعظة الحسنة.. أصل لا فرع

يقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾.

الحكمة تعنى وضع الشىء فى موضعه، واختيار الوقت والأسلوب والكلمة.

والموعظة الحسنة تعنى خطاب القلب قبل كسب المعركة، وبناء الإنسان قبل كسر الخصم.

ولم يجعل الله هذا المنهج خاصًا بالضعفاء أو العامة، بل طبَّقه مع أعتى الطغاة، فرعون الذى قال: “أنا ربكم الأعلى”. ومع ذلك قال الله لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.. فإذا كان هذا الخطاب مطلوبًا مع فرعون، فكيف يُبرَّر الغلظة والسباب والتكفير مع مسلم يشهد الشهادتين؟.