الإثنين 21 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا
قراءة فى خطاب بث الطمأنينة وتقوية مناعة الشعب: «السيسى» وشرعية الإدارة الرشيدة

قراءة فى خطاب بث الطمأنينة وتقوية مناعة الشعب: «السيسى» وشرعية الإدارة الرشيدة

فى أواخر أيام حكم التنظيم العصابى البائد تعالى النداء: «انزل ياسيسي». وقتها كان المصريون ينادون على جيشهم وقائده استدعاء للقاعدة الوطنية الصلبة لحماية ثورتهم التى كانت تتدفق حول قواعد التنظيم الإخوانى فى المدن والقرى والطرق والأزقة، وصولا لثورة الدولة المصرية التى ولدت ناضجة حتى تمت عملية العزل الشعبى للرجل المتخابر محمد مرسى العياط.



المد الثورى استمر والذى امتزج بمؤسسية الدولة الوطنية لمواجهة إرهاب التنظيم الإخوانى بتكاتف الجيش والشرطة والشعب حتى تم إقرار الدستور من أجل وضع الإطار القانونى لدولة ٣٠ يونيو التى أفرزت فوز وزير الدفاع عبدالفتاح السيسى بمنصب رئيس الجمهورية ليأتى محمولا على شرعية القاعدة الثورية العريضة.

منذ اللحظة الأولى لمجىء السيسى والرجل أعلن أن ولايته الأولى تستهدف تثبيت الدولة التى كانت لا تزال تواجة خطرا وجوديا، وبرغم زخم الشرعية الثورية؛ إلا أن الرجل ألزم نفسه منذ البداية على العودة لقواعد القانون والمؤسسية لدولة ٣٠ يونيو، فاتخذ مسارات متوازية للتثبيت والبناء والتواصل مع العالم الخارجى من داخل مؤسسات الدولة وظل حريصا على ترشيد هذه الثورة وإخضاعها لمفهوم الدولة.

■ ■ ■

الرئيس الذى جاء مستندا لشرعية ثورية استمدتها أساسا من قاعدتها الشعبية العريضة، قرر أن ينتقل على الفور إلى شرعية التثبيت والإنجاز، ليواجه بذلك مسئوليات المنصب الجديد وليضيف لشرعية التنصيب رصيدًا جديدًا قائمًا على مؤسسية الدولة وهو بذلك كان يهدف للخروج من الحالة الثورية الحالمة إلى واقع الدولة المنهكة منذ أوائل يناير ٢٠١١.

كان يهدف لإثبات أن ثورة ٣٠ يونيو لم تكن انفعالا طائشا، بل فعلا رشيدا انطلق لإنقاذ الدولة لا من أجل الاستعلاء عليها، وبالتالى فإن لحظة الحقيقة تفرض سرعة الانتقال من حالة مرحلة الإنقاذ الوجودى إلى مرحلة الإنجاز العملى.

لقد كان الهدف كبح جماح الطاقة الثورية التى حققت هدفها وإطلاق طاقات العمل، وهو بذلك فرض على نفسه أن يكون محلا لتقييم شعبه بآثار عمله الذى سيقدمه وليس من خلال رصيد ثورى تجاوزته اللحظة، أى أنه صمم أن يعيد تموضعه الرئاسى على قاعدة شرعية يساهم فى صنعها بيديه وليس على قاعده ثورية قد منحت له.

هنا كان الرجل يؤسس لشرعية القادم بعده والذى حتما لن تتوافر له شرعية استثنائية فحرص أن يضع قواعد محددة للشرعية المؤسسية . 

■ ■ ■

الرئيس حرص خلال ولايته الأولى على تثبيت شرعية الإنجاز من خلال دعوة قومية للعمل والتكاتف، كانت إحدى أهم مظاهرها قناة السويس الجديدة، التى جمعت المصريين على مشروع موحد وأثبتت قدرة حقيقية على الإنجاز وعلى تحدى الزمن.

ومنذ هذه اللحظة انطلقت المشروعات القومية فى كل أرجاء البلاد وكان الرئيس حريصا على الافتتاحات المعلنة لها مستعرضا تفاصيلها الدقيقة أمام الرأى العام وآثارها الإيجابية على الأجيال القادمة.

 الإصرار على الإنجاز المعلن استمر من أجل الانتقال من مرحلة تثبيت الدولة إلى مرحلة تثبيت فكرة العمل الشاق فى الذهنية العامة.

ومنذ اللحظة الأولى فى الفترة الرئاسية الأولى صمم السيسى على أن يتخلى عن زخم البطولة والشعبية الجارفة متجها بحسم نحو معايير ملزمة له تستمد قوتها من قوة الإنجاز، وصمم على الإصلاح الاقتصادى بكل قسوته معليا قيمة أساسية فى وجدانه وهى «أن الشعب فوق الشعبية»، أى أن رصيد الشعبية الذى مُنح له ثوريا قرر أن يحوله إلى رصيد حقيقى لا يمنح إلا دستوريا.

لم تكن أبدا مغامرة بقدر ما كانت لحظة تحد وصدق مع النفس ومع الشعب.

لم يزايد الرجل لحظة واحدة على رصيد مدفوع مقدما بل ظل مؤمنا أنه شخصيا لا زال لم يقدم مايقدر دماء الشهداء التى بُذلت.

■ ■ ■

انتهت الولاية الأولى للرئيس عبدالفتاح السيسى والتى شهدت إلى جانب الاستحداث الطوعى لشرعية الإنجاز، شرعية القدرة على الحماية. أى حماية الشعب المصرى من حالة الانتقام الغاشمة التى نفذتها قواعد الإرهاب الإخوانى، وبرغم المحاولات الإخوانية المحمومة للتشكيك فى الشرعية الثورية من خلال التصميم على الاستخدام المكثف لمصطلح «الانقلاب»، فإن السيسى بنفسه وبإرادته كان قد غادر مساحة هذه الشرعية منتقلًا إلى ما وصفناه بشرعية الإنجاز والتى نجحت بالفعل وحققت كل أهدافها عندما عاود الرئيس النجاح مرة أخرى فى انتخابات رئاسية جديدة حصل فيها على نفس أصواته التى كانت فى الولاية الأولى ليثبت أن تقدير الرجل لوعى الشعب كان فى محله بعد أن أفرزت نتيجة الانتخابات الثانية حالة التعادل ما بين الرصيد الثورى والرصيد الإنجازي.

■ ■ ■

بدأ السيسى ولايته الثانية مرتكزًا على قاعدة شرعية الإنجاز، واتجه بخطابه إلى مفهوم بناء الإنسان ليرتقى فى درجات الشرعية الناشئة التى تعلن عن مستهدفها الجديد وهو الإنسان المصرى المطلوب إعادة بنائه صحيًا وتعليميًا وثقافيًا، لنجد أنفسنا أمام مسارات محددة للتنمية فى هذه المجالات تظهر بوضوح شديد.

أى أن الرجل الذى بات يقف على أرضية شرعيته الجديدة قرر أن يجدد التزاماته التى ستضعه محلًا للتقييم الشعبى، أى أن الرجل الذى رفض الاستكانة للشرعية الثورية هو نفسه من يرفض الاستكانة لشرعية الإنجاز بعد أن قرر الاتجاه سريعًا لجودة هذا الإنجاز .

لقد اتخذ السيسى منهجًا ثابتًا بأن الشرعية بحاجة دائمة لعملية إحياء وتطوير وتجديد ففرض على نفسه تحمل التزامات هذه الحقيقة.

■ ■ ■

شاءت الظروف أن تستمر الولاية الثانية لحكم السيسى والتى بدأت ولاية عاصفة شهدت زخمًا دراميًا مهولًا وضع صلابة الرجل وحكومته محلًا لاختبار حقيقى، ليجد الرجل نفسه أمام تحد جديد فرض نفسه على المشهد العام تحت عنوان «شرعية الإدارة الرشيدة» والتى تستوجب إثبات قدرة حقيقية على حماية هذا الشعب وعلى حسن إدارة شئونه.

لقد واجهت حكومة السيسى تحديا حقيقيا خلال فترة وجيزة بعدما تعرضت الدولة لكميات غير مسبوقة من الأمطار الغزيرة التى واجهتها الحكومة استباقا بالحيلولة دون وصول الضرر إلى جموع المتضررين المحتملين، ثم أدارت منظومة إعلامية رشيقة لتنقل واقع الحدث إلى المواطن فى بيته فأحدثت حالة مصداقية عميقة بعد أن تأكد المواطن من صدق توقع حكومته التى حرصت على حياته ولم تغامر بها.

لم تكتف الحكومة المكلفة رئاسيًا بذلك بل راحت تعزف سيمفونية إدارية فى إنقاذ المواطنين العالقين تحت الأمطار وسارعت بتعويض المتضررين وإصلاح ما أتلفته السيول فى كل المحافظات.

■ ■ ■

لم تكد  السيول تتوقف حتى واجهت مصر موجة جديدة من الهجوم الوبائى لفيروس كورونا اللعين الذى داهم العالم، والذى بدأت بؤرته فى ووهان الصينية فسارعت مصر بتكليف طائرتها الخاصة بالإقلاع نحو تلك البؤرة لإنقاذ المصريين العالقين وإعادتهم لوطنهم وشمولهم بالرعاية الصحية.

ومع تطور حركة الفيروس كانت الحكومة المصرية بقيادة السيسى قد حسمت أمرها فاتخذت قرارًا فوريًا بتعطيل الدراسة لتقليل مساحات واحتمالات التعرض حرصًا على حياة المواطن.

واستمرت الدولة المصرية فى متابعة تطورات انتشار المرض فانتقلت إلى مرحلة تعطيل حركة الطيران وتخفيض أعداد الموظفين، ثم تحديد ساعات عمل المحال العامة بالتوازى مع تخصيص ١٠٠ مليار جنيه لمواجهة الكارثة لم تكن لتتوفر لولا أن السيسى كان قد أصر على شرعية الإنجاز والإصلاح والآن يصر على شرعية إدارة هذا الإنجاز من خلال دولة امتلكت أدواتها وسيطرت عليها واستطاعت استخدامها.

■ ■ ■

وسط الأزمة التى فرضت على العالم تحديًا إنسانيًا قرر السيسى أن يطل على شعبه محاطًا برموز من أمهات مصر ، ليس بمناسبة عيد الأم بقدر ما تمثله هذه الأم من مصدر للأمان يستوعبه الوجدان المصرى.

خلال اللقاء استعرض الرئيس حقيقة حجم هذا الوباء وخطورته، ثم سرد مجموعة من الإجراءات الاقتصادية التى ألزم بها نفسه وحكومته ليعلن الانتقال إلى مرحلة جديدة من المسئولية وهى والتى سترتكز على قاعدة جديدة لتطور وتجدد الشرعية من خلال القدرة على الإدارة الرشيدة لشئون البلاد.

■ ■ ■

إطلالة السيسى وفى وجود رئيس الحكومة عبرت بوضوح عن حجم  انشغال الرجل بالتقييم المتجدد لأدائه ولأداء حكومته من جانب أصحاب الحق الأصيل فى منح الشرعية أو منعها.

هنا يظهر السيسى بقوة شرعية جديدة متجددة، فالرجل الذى جاء محمولًا على القاعدة الثورية هو نفسه من يصر الآن على أن يكون على قدر المسئولية التاريخية لإدارة دولة بحجم مصر.

فى مواجهة الأزمات تظهر الاستجابات لكنها لا تكون وليدة اللحظة بقدر ماتكون نتاجًا للقدرة على مواجهة الحقيقة منذ البداية.

فى الوقت الذى ظهرت فيه مصر ثابتة فى مواجهة الإعصار اختفى المزايدون والمنظرون وتصدر المشهد من قبل أن يحمل الأمانة أمام شعبه ووطنه.