الثلاثاء 2 يونيو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا

بين أوراق الإبداع العالمى

هل أنصف «الأدب» المسنين والعجائز؟

وجوه بقسمات ثقيلة، وكثير من التجاعيد، عيون تنظر فى خفوت، ظهور قد تقوّست وانحنت، وذاكرة تستدعى الموتى أكثر من الأحياء، شعورهم بيضاء، والمشية صارت أكثر بطئا، يد مرتعشة.. تلك هى المعالم الشكلية لكبار السن، ورغم أن الإبداع لا يعرف تصنيفا عمريا، يقرأه الجميع ويشاركون أطرافهم، لكن ماذا عن موقف الأدب من المسنين هل أنصفهم فى مواجهة عاديات الزمن وصعوبات الحياة؟



تبدأ أحداث قصة «ميرامار» حول محور رئيسى وهو الثورة الاشتراكية فى مصر، وقد صور الكاتب نظرة مجموعة من الشخصيات والتى تمثل أنماطًا مختلفة من النسيج الاجتماعى إلى هذا الحدث الجلل.

تلتقى شخصيات الرواية على غير موعد فى بنسيون ميرامار ورغم اختلاف أفكارهم إلا أنهم جاءوا جميعا يدفعهم دافع واحد هو البحث عن الأمان والدفء والاستقرار، هربا من ماض غير سار وسعيا لطيه بثوب النسيان فى هذا المكان الهادئ.

فنجد «عامر وجدي» والذى أتى إلى ميرامار ليقضى ما تبقى له من العمر فى هدوء وسكينة تساعده فى استعادة ذكريات أيام خلت وولت مدبرة، ثم «زهرة» تلك الفتاة الريفية الثائرة والتى فرت من زواج قهرى أرادوا إرغامها عليه من قبل جد قاسى القلب متحجر الفكر لتبحث لها عن عمل تلوذ به من غائلة الجوع وبراثن الفقر، و»طلبة مرزوق» الذى ترك القاهرة بصخبها ميمما وجهه صوب ميرامار ملتمسا فيه السلوى مع عشيقته القديمة ذات العيون الزرقاء »ماريانا» فارًا من شعور الذل والهوان الذى لحق به من جرّاء مصادرة الثورة لأمواله ووضعها تحت الحراسة، أما «حسنى علام» فهو ينتمى إلى نفس طبقة «مرزوق» وقد لجأ للبنسيون تاركا طبقته الارستقراطية حاملا بين جنبيه ذلا من نوع آخر تمثل فى رفضه كزوج من إحدى أقربائه والتى لم تتورع عن وصفه بأنه شخص غير مثقف وأن المائة فدان التى يملكها باتت فى مهب الريح فصدمه بالطبع هذا الشعور الخالى من العاطفة، ثم «منصور باهي» والذى أتى البنسيون متحاشيا ما يمكن أن يتعرض له فى القاهرة من اعتقال بسبب انتمائه للشيوعية؛ لذلك رضخ لضغوط أخيه بالابتعاد عن مصدر الخطر، أما «سرحان البحيري» فقد لجأ إلى البنسيون بحثا عن فرصة تربح وسعيا للبحث عن تجربة حب حقيقى ينسى به مرارة فشل تجربته العاطفية واهية الأسباب فى الجامعة؛ وقد وجده بالفعل فى شخص «زهرة» وكان يمكن لهذا الحب أن يتوج بالزواج لولا طبيعة سرحان الانتهازية والتى أفقدته زهرة كما أفقدته أشياء أخرى ثمينة.

وإذا كان البحث عن الأمن والاستقرار فرارا من ماض غير سار هو النقطة التى تتوحد عندها رغبات تلك الشخصيات المتنافرة فإن هناك محورا تتجاذب نحوه قلوبهم كما تتجاذب الفراشات لضوء النار إلا وهو «زهرة» ذلك السحر الريفى الذى يثير اهتمام الجميع بشخصيتها الجذابة، وجمالها الريفى الأخاذ، وأنوثتها الناضجة.. غير ان «سرحان البحيري» هو وحده الذى يفوز بحبها ويستولى على قلبها. رواية (أيام زائدة) للكاتب حسن داود، تدور أحداثها حول أرمل عجوز فى قرية لبنانية يصطدم ماضيه بحاضره فتختلط الأحلام، ويتهيّأ للقيام برحلته الأخيرة المفعمة بالذكريات، ويبدأ الرجل، تدريجيا، بخسارة قدرته على التحمّل، لكنّه مع ذلك يرفض أن يقبل المحتوم، مرددّا بكل شجاعة: لا يستطيع ملاك الموت أن يمسني.

الرواية تندرج تحت تأملات آخر العمر أو من الممكن أن تكون فلسفة محطة لقطار العمر الآفل، يخطها حسن داود فى رواية بديعة. تجسد معاناة الإنسان المسن مع المرض والعزلة وهاجس الموت. وإذ يبرع الكاتب فى تصوير تقهقر الجسد وافتضاحه أمام الفتاتين اللتين تتوليان العناية به، فإن الرجل العجوز الذى يتخلى عنه أولاده، يرفض القبول بهزيمته، ويصارع حتى النهاية وحش الموت وأنيابه القاتلة.

 وفى كتاب «جسد لا يشيخ وعقل لا يحده زمن» تأليف: ديباك شوبرا.يقدم المؤلف فى كتابه توصيفًا للشيخوخة كمفهوم وكمرحلة، داحضًا الفكرة السائدة بالشيخوخة الحتمية وفق نظرية الكم الفيزيائية والممارسات اليومية التى يخلّفها الإدراك والوعى بالذات.

ويقول المؤلف إن التمارين الرياضية، الموسيقى، الضغط النفسى، التوازن الغذائى، الوزن، التنفس والهرمونات، كلها تلعب دورًا فى تعجيل الهدم وتثبيط البناء والعكس فى الجسم مما يقدّم أو يؤخر شيخوخة الجسد. أما الزمن بالنسبة له فهو تحرك نسبى له ارتباط وثيق بإدراك الإنسان وليست له قيمة مطلقة. القيمة الحقيقية هى «الآن».

أرنست همنغواى فى ملحمته الانسانية العجوز والبحر التى صدرت فى عام 1952 وبلغ عدد النسخ فى طبعتها الأولى 50.000 نسخة وحصدت فى شهر مايو من عام 1952، جائزة «بوليتزر» العالمية. ثم نال بفضلها، جائزة نوبل للآداب سنة 1954، جميع هذه النجاحات التى حظى بها ارنست همنغواى كانت ثمار لإبحاره فى اعماق الذات الانسانية، مبرزا خفايا العلاقات الاجتماعية. وبالرغم من أن رواية العجوز والبحر كانت قصيرة وذات حبكة بسيطة ومحورها شخصية واحدة وسمكة. كما أن المكان فيها محدود: القرية والبحر. والزمن قصير: ثلاثة أيام بيد أن مؤلف رواية وداعًا أيها السلاح تمكن من تأثير فى القارئ واقحامه داخل عالم الرواية عبر وصف دقيق وحوارات تحمل فى طياتها عبر ودلالات وهذا ما يجسده حديث سانتياغو مع ذاته وهو فى عمق البحر يتطلع الى الطيور الصغيرة قائلا لماذا خلقت الطيور الصغيرة بهذه الرقة والمحيط بهذه القسوة ان المحيط رقيق ورائع لكنه يستطيع ان يكون قاسيا ويتغير على هذا النحو فجأة مثل تلك الطيور المحلقة تغوص وتتصيد… أنها بأصواتها الرقيقة الحزينة أرق من ان تواجه البحر. كان العجوز مغرما بالأسماك الطائرة لقد وجد فيهنَّ صديقاته الاثيرات وسط المحيط كان يشعر بالأسى والشجن من اجل الطيور وخاصة طيور الخرشة المائية الرقيقة السمراء التى كانت دائمة التحليق فوق الماء باحثة عن رزقها بدون أن تظفر بشيء كان يعتبر أن الطيور تعيش حياة أقسى من حياتنا نحن البشر فيما عدا الطيور السارقة والطيور الضخمة ثقيلة الوطأة. إذ هو يلح على انتزاع رزقه من جوف المياه العمياء، ويخوض مع البحر صراعًا لا هوادة فيه. وهو إذ تتقاسم أسماك القرش لحم سمكته العملاقة، يجهد فى جرّ هيكلها العظمى إلى الشاطئ، لكى يقدم للوافدين أمثولة التحدى والإصرار على المجازفة، بصرف النظر عن النتائج.

لم يكن يتعامل العجوز مع البحر كعدو بل كان يعتبره انثى يسميها ’لامار’ جراء عشقها لها وتسامحه مع غضبها وتقلباتها التى يعتبرها صادرة عن عدم تحكمها فى نفسها، وبرغم من عشقه لأنثاه فانه لم يظفر بأية سمكة منذ أربعة وثمانين يوما مضت ما جعله يوصف بالمنحوس فى القرية، ليتركه بعد ذلك الصبى الذى عمل معه بطلب من والداه مبررين ذلك بالنحس الذى اضحى مرتبطا بالعجوز ولا يفارقه.

رواية «مائة سنة من العزلة»، رواية تتسم بالحكاية وكأنها «ألف ليلة وليلة» الشرقية العربية، والتسلسل غير المنسجم وكأنها بدايات بلا نهايات، صراع أسطورى عبر الأجيال، يروى الكاتب أحداث المدينة من خلال سيرة عائلة «بوينديا» على مدى ستة أجيال والذين يعيشون فى قرية خيالية تدعى «ماكوندو»، من خلال الأحداث، عمل غابرييل غارسيا ماركيز -بشاعريته وخياله الثاقب وسحر حبكه الواقعي- على فضح تاريخ الحروب والديكتاتوريات فى القارة المشبعة بالأسطورة والأبطال والطغاة. القارة التى لم تحظ بِبُـرهة طُمأنينة نتيجة العنف والمظالم، فعاشت عزلة قسرية، لذلك ربما عنون روايته بـ «مائة سنة من العزلة». بطل الرواية فلورنتينو يصر على انتظار المرأة التى أحبها فتيًا وحُرم منها بسبب فقره، لستة عقود من الزمن، وليس فقط لأن ذلك الغرام المشبوب تكلل أخيرًا بالزواج، بل لبعدها الرمزى العميق الذى يُظهر بأن الحب ليس جريمة يعاقب عليها القانون، لكى يسقط لاحقًا بمرور الزمن، بل هو الترياق الأنجع الذى نواجه به نكوص الجسد، ونهزم بواسطته تلوث الأرض واستشراء أوبئتها.

ولفك تلك العزلة عن المجتمع الأمريكى اللاتينى أتى الكاتب برواية «الحب فى زمن الكوليرا»، حيث اعتبر الكاتب أن الاهتمام بالحب والجمال والرومانسية هو السبيل الأفضل للإبحار بأمان ضد الظلم والاضطهاد، وهو وقود الأمل فى الحياة ، «لقد كنت مؤمنًا على الدوام بأنّ الحب قادر على إنقاذ الجنس البشرى من الدمار وهذه العلامات التى تبدو ارتدادًا إلى الوراء هى على العكس من ذلك تمامًا فى الحقيقة: إنها أنوار أمل»، ويضيف: «إن هذا الحب فى كل زمان وفى كل مكان، ولكنه يشتد كثافة كلما اقترب من الموت».