الجمعة 29 مايو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا

فى اليوم العالمى للمسرح

الشاعر والكاتب المسرحى محمد العونى: «المونودراما» تزدهر لحظة انكماش المسرح

  احتفل العالم فى صمت وهدوء باليوم العالمى للمسرح، الذى يوافق 27 مارس من كل عام؛ والمعهود فى هذه المناسبة أن تلقى شخصية مسرحية شهيرة كلمة، وتوزع على كل بلدان العالم كى تلقى فى افتتاح كل عرض، لكن طرأ بعض التغيير على هذا التقليد بمناسبة ما يعشيه العالم من عزلة إجبارية اليوم، قرر عدد من المسرحيين إلقاء كلمتهم الخاصة فى هذا اليوم الذى شهد حدثا لم يتكرر كثيرا فى التاريخ؛ بتوقف مسارح العالم جميعها فى وقت واحد وبهذه المناسبة الكبيرة توجهنا للشاعر والكاتب المسرحى التونسى الكبير محمد العونى كى يلقى كلمته عن المسرح فى هذه اللحظة التاريخية الإستثنائية فى هذا الحوار حدثنا العونى عن المسرح ومستقبله فى العالم العربى:



 

■ دائما هناك تنبؤ كبير بإنتهاء المسرح فى ظل تطور وسائل التواصل الإجتماعى والسينما والتليفزيون.. ما رأيك؟

- كل هذا الكلام قيل منذ البدايات الأولى ولا أعتقد أن هذا سيحدث لأن المسرح مثل السلحفاة يمشى ويتحرك وفقا لإيقاعه يأكل ويهضم ما يريد ثم يترك ما لا ينفعه، تاريخيا يتقدم المسرح ببطء السلحفاة؛ فهو سلحفاتى الأصل، يأخذ من الفنون ما يراه صالحا ويترك الباقى عبر التاريخ، من قبل كان المسرح مهددا من فنون اخرى لكنه صمد وتطور، يغير جلده لأنه عماد الفنون ومرتكزها الأساسى.

■ إذن كيف ترى موضع البلدان العربية من مسرح ما بعد الحداثة؟

- مسرح ما بعد الحداثة مازال فى سراديب البحث هو شكل وانفتاح آخر على الفنون وهو قدرة غريبة وعجيبة على استنطاق الجسد والإنفتاح فى استخدامه بكل مكوناته وأعتقد أن له مستقبلا كبيرا فى محيطه لأنه هناك غربة بالنسبة لنا، نحن العرب نعانى من الغربة والفصام لأن لدينا الكثير من الموانع والمحرمات فيما يخص الجسد  فمن الضرورى تحرير هذا الجسد لأنه طاقة كبيرة وجزء أساسى من خطابنا الذاتي، وتحريره يحتاج إلى ثورة حضارية وفكرية؛ علينا لكن فى نفس الوقت لا بد أن تتقاطع مع المتلقى لأننا فى مرحلة تاريخية تحتاج الفكرة والكلمة والجسد بما يحمله من رموز وطاقة دون القطع مع المسرح القديم والإرتماء فى تجارب أخرى قد لا تفيد فى مسيرتنا الآن، ليس لدينا دراما حتى نصل إلى ما بعد الدراما فمازلت هناك اماكن فى وطننا العربى  لا تعلم ما هوالمسرح من الأساس.

■ فى رأيك كيف يتم ذلك ؟ 

-  لابد أن نتسأل ماذا نفعل بمسرح ما بعد الدرامى الآن كيف نستفيد منه ونواكبه فى اطار العلاقة مع الجماهير العريضة وفى إطار ما يفيدنا فى هذه المرحلة لأنه فى الحقيقة هناك سنوات ضوئية بيننا وبين الغرب وأعتقد أن خطابنا لابد أن يرتبط بمجتمعه هذا هوالذكاء بمحاولة تقديم للناس شيء تفاعلى دون تعالى قادر على سحبهم لمنطقنا ومقولاتنا دون الإيغال فى هذا التغريب المطلق بعمل توازن لأننا فى مرحلة حضارية متخلفة وعلاقة الناس بالمسرح علاقة تكاد تنتهى لأن علاقتنا بالكلمة علاقة عضوية وطرح القضايا يحتاج إلى ثقافة ونشرها وخلق هذه العلاقة بين المسرح والناس وطرح الأسئلة الكبرى هذه هى التوازنات الضرورية.

■ لماذا تقول دائما بأن لحظة غياب المسرح تزدهر المونودراما؟ 

- لأن المسرح فى الغالب يحاول قدر الإمكان أن يكون حوارا حول الإختلاف منذ بدايته وتثمين فكرة الاشتراك فى المواطنة داخل المدينة واقتسام الأفكار المختلفة والتعايش السلمى والديمقراطى من خلال هذا الحوار وطرح مشاكل الناس منذ قديم الزمان واسئلتهم الكبرى والاختلاف حولها حتى يتم هذا التعايش يعنى مدينة بالمفهوم الفلسفى الأرسطى القديم عند اليونان وبالتالى هوصراع وحوار لخلق شخصيات وإدانتها والتعاطف معها فهومن ارسى كل قواعد الدميقراطية لأنه خلاص جماعى وحوار مجتمعى لكن عندما يهرب الفن إلى الشخصى والذاتى تصبح المشكلة ذاتية والخلاص فردى فتنهار مقولة الخلاص الجماعى. 

 ■ لكن قد يلجأ البعض للمونودراما بإعتبارها حل للمسرح الفقير أو لإبراز مهارات الممثل؟ 

-  المسرح ليس به كلفة كبيرة صحيح يبرز قدرات الممثل من خلال فن الأداء وقدرته على التعاطى مع الشخصيات والأحداث طيلة ساعة من الزمن أوأكثر بتقديم أكثر من شخصية صحيح هوفرصة لكن من حيث أنه فن يقدم للظروف المادية والإجتماعية وكأنه ليس هناك إمكانية للتواصل إلا بهذه الوسيلة للتغلب على الفقر سنعود إلى نفس النقطة مسألة الفردية وليست الجماعية والمسرح يحاول أن يكون جماعى من خلال اجتماع الممثلين بالعمل معا وتركيزهم، قد نشاهد اشياء اجمل كثيرا من مشاهدة شخص بمفرده على خشبة المسرح فأعتقد هذه محاولة لتبرير البحث عن الخلاص الفردى دون الخلاص الجماعي.  

■ إذن هل ترى الاحتفاء بالمونودراما فى المهرجانات العربية يشكل خطورة على المسرح الجماعى؟

  -   هى موجات ولا أعتقد أنها تشكل خطورة؛ لكن قد تساهم فى تغلغل الثقافة المسرحية بالمجتمع،  لأنه من المهم تقديم ثقافة المسرح فى كل الأماكن والمدن ليس هناك افضل من الفنون التى تجعلنا نلتقى مع الآخر؛ ونلتقى مع إنسانيتنا ليس هناك مسرح دون جمهور وليس هناك مسرح بدون هذا اللقاء وهذه الحميمية والتعايش، هذا النوع من الممارسة قد يحصر الفكر فى شخص واحد بدلا من المجموع القادر على النقاش وطرح الأفكار؛ بحجة ضعف الإمكانيات ونحن للأسف لدينا خلط فى الدول العربية.

■ ماذا تعنى بأن لدينا خلطا؟

- حول فكرة بث الثقافة أن يكون المسرح فى متناول كل الناس بالقرى والأرياف هذا دور أى مجموعة مسرحية كيف تستنبط هذه الثقافة المدنية داخل اى فضاء حتى لا تقتصر المسألة على الأفراد ربما لأنها غير مكلفة ولا تحتاج إلى مزيد من التكاليف فى تنقل الديكورات والأشخاص وهذا ما يدفعنا إلى أن نحيى أشكال قديمة ماتت واندثرت، فأنا مع إحياء هذه الأشكال مثل الحكواتى والسيرة ولعبة المقهى لأننا بشكل عام نميل إلى التأصيل ونريد ان نستنبط المسرح بكل الطرق فلا نقبل الا أن يكون فى تاريخنا ما يشير إلى بداية المسرح ومنذ قرن أو نصف قرن ننشغل بالتنظير حتى نؤكد على فكرة التأصيل وكم عمر الحداثة المسرحية العربية نستهلك نصف الوقت فى التنظير لهذه المسألة نبحث عن مسرح عربى فى كل شيء فى السامر والحلقة فى ثقافتنا العربية الإسلامية وهوما يشبه عملية قيصرية لإمرأة نعرف مسبقا أنها ليست حبلى!.. نحن نحتاج إلى العمل دون الدخول فى صراعات هامشية دون محاولة اثبات وجود اصول عربية للمسرح فى رأيى أنه من المهم خطاب «الآن وهنا» لأن المسرح معنى بهذا الخطاب الآن وله كذلك علاقة عضوية بالفلسفة والأسئلة الكبرى عليه أن يهتم بها، لكننا فى المقابل نتصارع ونريد استنباط هذا الفن من ثقافتنا بالعنف، معظم الأعمال العربية سير ومحاولة للحكى أكثر من طرح قضية صراع حقيقي، التيمات المطروحة ينقصها الحبكة الدرامية الضرورية مثلا إذا فتحنا كتاب قاموس المسرح ل»باتريس بافي» لن نجد مصطلح اسمه المونودراما لأن الدراما هى صراع والصراع يقتضى وجود الآخر لكن إذا الآخر غير موجود فليس هناك قضية حقيقية.

■ فى رأيك هل هناك فجوة مسرحية بيننا وبين الغرب؟

- لم نتراجع ونطلع على الغرب جيدا ولدينا تجارب جمعية مسستفيدة ومطلعة على ما يجرى بالغرب قدمنا اشياء جيدة بخصوصية محلية لكننا دائما ما نأخذ الأشياء ببساطة نركب عليها الجسد فهو مرتكز اساسى بالمونودراما ولديه علاقة عضوية بالمسرح الراقص قضية الأداء والتلوين وطرح الإشكالية والاشتغال على ما بعد الدراما على مستوى الصورة، بينما فى العروض العربية نجلس على كرسى ونحكى كتوصيف للأشياء هذه هى المشكلة حتى فى العالم النصوص المهمة بمجال المونودراما التى تطرح قضية وإشكاليات نادرة، فمن النادر أن نجد نصوص تحمل قضايا داخلية وتفجر صراع داخلى هذا التمزق الداخلى قادر على أن يعطى الممثل في القدرة على التحدث بكل لغات جسده بالمنطوق والصامت والحركة الإيماءة التركيز النظر وتعبير الوجه هذا ما نشاهده فى أغلب العروض الغربية ولا نجدها فى عروضنا العربية نحن قاصرين عن إدراك هذه اللحظة بالاستسهال والركوب على هذا الفن، الذى لا بد من الغوص فيه، لأن المونودراما حالة هامشية بالنسبة لمركزية المسرح هى مجرد حالة ثانوية ومهرجان الفجيرة للمونودراما استنبط مفردة جميلة واقام حولها مهرجان منذ عام 2003 استطاعت تقديم عروض عالمية غاية فى الروعة ودروس فى اداء الممثل وحضوره وفهمه لحالة الصراع والتمزق الداخلى التى تعيشها الشخصيات وجدنا عروضا مبهرة ورائعة لكن كل المهرجانات التى توزعت فى كل مكان افرغ هذا الجنس المسرحى من محتواه.

■  كيف ترى شكل المسرح فى المنطقة العربية بعد عام 2011؟

- الحركات الفكرية والفنية قتلت بسبب العشريات بمعنى تقسيم أجيال من الشعراء بأن هؤلاء جيل الثمانينيات أوجيل التسعينينات وكأنه انتهى الموضوع بهذا الجيل، شيء خاطىء لأن الجيل لا بد له من ربع قرن حتى يطلق عليه جيل نأخذ عشرية ثم نحاول من خلالها القفز على عشرية اخرى، والفرق بين الجيل الحالى والأجيال السابقة هى الخلفية على سبيل المثال عندما نتحدث عن حركة المسرح الجديد فى تونس نذكر فاضل الجعيبى واقطاب مثل محمد ادريس جليلة بكار، فاضل الجزيري، كل شخص منهم عالم مستقل بذاته لديه ثقافة وخلفية ثقافية وفلسفية هذه الخلفية الفكرية والثقافة والعين الممتلئة بالمشاهدة تنقص لكن بعض الشباب لديهم رؤية تنضج بالتجربة والتراكم وهناك جيل سيقول كلمته فى المستقبل القريب، بينما يظل البعض فى منطقة المتشابه ويسقط كثيرا فى التشابه ليس هناك سؤال لطرح جدى ومغامرة ومحاولة لإثبات الذات من خلال هذه المغامرة.