الثلاثاء 2 يونيو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا

فى ذكرى ميلاد صاحب أزهار الشر

«بودلير».. أمير الشعر الأوروبى

«إن الكتاب الصغير، أزهار الشر الذى لا يزيد على ثلاثمائة صفحة، يفوق فى القيمة، بالمعيار الأدبى، أكثر الأعمال ضخامةً وشُهرة. لقد تُرجم إلى غالبية اللغات الأوروبية. وهى حقيقة سأتوقف عندها برهةً، لأنها - فى ما أعتقد - بلا سابقة فى تاريخ الأدب الفرنسي». ذلك ما كتبه الشاعر بول فاليرى عن «أزهار الشَّر»، ديوان بودلير الشهير الذى صدر فى 25 يونيو 1857، فى 1100 نسخة، بسعر ثلاثة فرنكات للنسخة.. ولا زال هو أكثر الدواوين إثارة للجدل إلى يومنا هذا.



شارل پيير بودلير الذى نحتفى بذكرى ميلاده فى التاسع من إبريل الجارى ولد عام 1821 وهو أحد أبرز شعراء القرن التاسع عشر ومن رموز الحداثة فى العالم. حيث حُسب شعره على أنه سابق لعصره بعقود فلم يلق تقديرا فى حياته ولم يفهم جيدًا إلا بعد وفاته. فعاش ومات أمير الشعراء الفرنسى بودلير فقيرًا مريضًا بائسا.

ولد بودلير فى باريس لأب من كبار الموظفين المدنيين وفنان هاو هو فرانسوا بودلير، وكان يكبر والدته كارولين بـ 34 عاما. توفى فرانسوا عندما كان بودلير فى السادسة من عمره. وفى العام التالى تزوجت كارولين من الكولونيل جاك أوپيك، الذى أصبح لاحقًا سفيرًا لفرنسا لدى عدد من الدول الشهيرة. صرح بودلير فى رسالة أرسلها لوالدته، «كان فى طفولتى فترة من الحب العاطفى تجاهك».كان بودلير دائمًا ما يتوسل إلى والدته من أجل المال طوال حياته المهنية، وكثيرًا ما كان يعدها بأنه بصدد توقيع عقد نشر مربح أو لجنة صحفية لنشر ما يكتب.

درس بودلير فى ليون، حيث استقل بحياته. فى الرابعة عشر، وحضر فى ليسيه لويس-لو-گران فى باريس، حيث درس القانون، لكنه لم يقرر بعد اختيار مهنة محددة. ثم بدأ علاقاته بالعاهرات، وربما أصيب فى تلك الفترة بمرضه العضال وبعد حصوله على الليسانس عام 1839، أخبر أخاه «لا أشعر أن لدى موهبة فى أى شيء». كان زوج والدته يخطط ليجعله محاميًا أو دبلوماسيًا، لكن بدلًا من ذلك قرر بودلير أن يلتحق بالعمل الأدبي. وكان لوالدته تعليق على ذلك «إنه لأمر محزن، إذا كان تشارلز قد سمح لنفسه أن يسترشد بزوج والدته، لكانت مسيرته مختلفة جدًا.. لم يكن ليترك علامة فى الأدب، هذا صحيح، لكن كنا سنصبح أكثر سعادة».

وأملا فى أن يقلع بودلير عن عاداته المستهترة أرسله زوج والدته فى رحلة إلى كلكتا، الهند، عام 1841. أمدته الرحلة بانطباعات قوية عن البحر، والإبحار، والموانئ الغريبة، التى كانت مصدر إلهام له فى شعره. وعند عودته إلى حانات باريس، بدأ فى تأليف بعض القصائد مثل «أزهار الشر» Les Fleurs du Mal. عندما بلغ 21 عاما، حصل على ميراث كبير لكنه أهدر الكثير منه فى بضع سنوات. مما أجبر أسرته على بالحصول على قرار بوضع ممتلكاته تحت الوصاية، فضلا عن علاقته بعشيقته جين دوفال والتي رفضتها عائلته ووصفتها والدته «بڤينوس السوداء» التى «تعذبه بكل وسيلة» وتستغل كل فرصة لاستنزاف أمواله، وفى تلك الفترة حاول بودلير الانتحار.

شارك فى ثورات 1848 وكتب فى إحدى الجرائد الثورية. ومع ذلك، فقد تبدد اهتمامه بالسياسة، كما أشار لاحقًا فى إحدى كتاباته، وفى أوائل عام 1850، عانى بودلير من حالة صحية سيئة، وضغوط الديون، ودخلًا غير منتظم من الأدب. وانتقل من نزل إلى آخر هربًا من الديانة. كما تولى الكثير من المشروعات والتى لم يتمكن من إكمالها، على الرغم من إنهائه لترجمات قصص إدگار آلن پو. لدى وفاة زوج والدته عام 1857، لم يرد ذكره فى الوصية، لكنه شعر بأن الخلاف بينه وبين والدته قد يزول. عندما بلغ عامه الـ36 وكتب لها: «أعتقد أننى أنتمى لك بكل كياني، وأننى أنتمى لك أنت فقط».

أعمال بودلير

كانت أول أعمال بودلير المنشورة هى مقالة نقدية فنية بعنوان «صالون 1845»، والتى لفتت الأنظار على الفور لجرأتها. كان لدى بودلير الكثير من الآراء الفنية الجديدة فى ذلك الوقت، ومنها دفاعه عن ديلاكروا، وتبدو بعض آرائه متناغمة بشكل رائع مع النظريات المستقبلية للرسامين الانطباعيين.

عام 1846، كتب بودلير ثانى مقالاته، مكتسبًا مصداقية إضافية كمدافع وناقض للرومانسية. دعمه لديلاكروا كفنان رومانسى رائد أكسبه شهرة واسعة. وفى العام التالى نُشرت رواية بودلير التى تحمل اسم «لا فانفارلو».

وإليكم مقتطفات من شعره مقتطفات من قصيدة «الحسناء» من ديوان (أزهار الشر)

يا أيها الناس الفانون.. أنا جميلةٌ جمال حلمٍ من حجر

إنى أجلس على عرش السماء.. كأبى هولٍ غامضٍ

وأجمع إلى جانب بياض الإوزة قلبا كالجليد

ولا أعرف مطلقا الضحك ولا البكاء

مقتطفات من قصيدة «الموسيقى»

غالبا ما تحملنى الموسيقى كما يحملنى موج البحر.. نحو نجمى الشاحب

وتحت سقفٍ من الضباب أو فى أثيرٍ واسعٍ.. أبحر

فأتسلق متن الأمواج المتراكمة التى يحجبها عنى الليل

إنى لأشعر فى داخلى بانفعالات كل مركبٍ مشرفٍ على الغرق

وأشعر بالريح المواتية وبالعاصفة واختلاجاتها.. تهدهدنى فوق اللجة المترامية

أزهار الشر وازدراء الأديان

حرك بودلير المياه الراكدة فى بحور الشعر الأوروبى عامة، والفرنسى خاصة، وقال مقولته الشهيرة: «سوف أحاول استخراج الجمال من الشر». وكحال العديد من المبدعين المجددين، فقد واجه بودلير حملة شرسة وهجوما كبيرا من المثقفين الفرنسيين أودت به إلى المحاكم فور صدور ديوانه الشهير «أزهار الشر» فى 25 يونيو 1857، الذى طبع منه 1100 نسخة، بسعر 3 فرنكات للنسخة، وترجم للعديد من اللغات الأوروبية، لكن المحاكم الفرنسية طالبت بحذف 10 قصائد منه، متهمة بودلير بإهانة الدين المسيحى والانحلال الأخلاقي. ومن المثير أن ديوانه المهم «سأم باريس» لم ينشر إلا عقب وفاته محققا له شهرة عارمة ومكانة أدبية مرموقة.

عاش بودلير فى عصر نضح بمتغيرات عدة، وعج بأسماء لامعة فى الفكر والفلسفة والعلوم والأدب مثل «فريدريك نيتشه»، «هيجل»، «كانت»، «كارل ماركس»، »فكتور هوجو»، «فلوبير»، «أوغست كونت»، «داروين»، «شوبنهاور» وغيرهم، مما أصقل شخصية الشاعر الفذ فيه ومارس حريته فى قول وفعل ما يريد. واستطاع أن يقتحم الفضاء الشعرى الفرنسى بقصيدة النثر بجرأة كبيرة وبفضل موهبته الشعرية الفريدة، فى حقبة تاريخية كانت حافلة بأسماء العديد من المبدعين فى فن الشعر ونظمه ومنهم: رامبو، وفيرلين، ومالارميه، وغيرهم.

و كما هو حال عدد من المبدعين وكبار الفنانين التشكيليين رحل شارل بودلير عن عالمنا مجهولا وفقيرا حيث نال الشهرة بعد وفاته واستطاعت كلماته أن تشق طريقها لتتوج اسمه على قمة الشعر والأدب الفرنسى وانتزاع مكانة فيكتور هيجو الأدبية.

وتوفى بودلير 31 أغسطس 1867 عن عمر يناهز 46 عاما، وهو يعانى من عدة أمراض إلى جانب معاقرته الخمور وإدمانه الأفيون؛ ما أدى لإصابته بجلطة دماغية وشلله إلى جانب معاناته مع مرض الاضطراب الثنائى القطب ومات وحيدا منبوذا من المجتمع لكنه أصبح الآن أحد رموز الأدب العالمى وأيقونة الشعر الفرنسى.

آراء منافسيه النقدية

قال عنه فيكتور هيجو: «إنك تخلق رعشة جديدة فى الشعر الفرنسى»، بينما قال عنه الشاعر الفرنسى آرثر رامبو: «إن بودلير لهو أمير الشعراء.. إنه رائد حقيقى للشعر»، بينما قال عنه الشاعر الكبير بول فاليري: «يعود الفضل فى ديمومة شعر بودلير وتأثيره القوى على النفوس إلى امتلاء لهجته، وحدّة فرادتها التى تميزها عن كل ما سواها. لقد عابوا عليه عقمه الشعرى؛ أى قلة إنتاجه. ولكنهم لم يفهموا أن أهمية الشعر لا تقاس بالكمية، وإنما بالنوعية وبالتأثير المديد على الأجيال..».. ويقول عنه الكاتب الفرنسى بول بورجيه: «هذا الإنسان الأعلى كان ينطوى فى شخصيته على شيء مقلق وسرى مخيف حتى بالنسبة لأصدقائه الحميميين. وهذا الشيء كان يرعبهم فيه أو يسحرهم...».