الأحد 5 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا
«فيدرالية» المصرى اليوم!

نيوتن استمد أفكاره التفكيكية من تنظيم المتسللين إلى أعصاب الدولة:

«فيدرالية» المصرى اليوم!

عود على بدء، أعود مجددًا إلى المقال الأزمة الذى نشرته جريدة «المصرى اليوم»، والذى عبرت خلاله عن سياستها التحريرية تعبيرًا صريحًا. لا أبالغ حين أقول إن هذا المقال وصل إلى حد الكشف عن السبب الحقيقى لإصدار هذه الصحيفة، وهى التى لم تتورع عن الدعوة الصريحة لفصل جزء من الوطن عن سيادته وعن موازنته العامة، وهى مخالفات صريحة لأحكام الدستور ومخالفة جسيمة أيضًا عن التوصيف القانونى للجمهورية المصرية فى مواد هذا الدستور، لتنتقل بنا من مرحلة الحالة الصحفية إلى الحالة الجنائية مباشرة!



 الآن يجمع مالك الصحيفة «لوبى» من أنصاره ــ ممن يحملون نفس الأفكار ــ أو من محابيه أو أولئك الذين يتقاضون منه رواتب شهرية، وفى محاولة منه للقفز إلى ما بعد الأزمة التى انفجرت فى وجه سمعة الصحيفة التى يملكها.

لقد كانت إشارة الرئيس لهذا المنشور وتناول محتواه عرضًا بالتعليق تؤكد أن ما ورد فى هذا المقال قد مس الخط الأحمر الفاصل بين حرية التعبير والرغبة فى تفكيك الدولة، وإصابتها فى عمق أمنها القومى.

لا أحد هنا يتحدث بلسان رئيس الدولة. مقام الرئاسة الرفيع له مواءماته وحساباته المدققة فى كل حرف يصدر عنها، أما محاولة حواريى صلاح دياب فى الانتقال من التحليل إلى التأويل وسحب مساحة الخلاف حول فصل سيناء عن الوطن الأم هى قضية صحفية وليست قضية وطنية، خطيئة أخرى تضاف لرصيد خطايا «دياب» وتياره!

■ ■ ■

ما نشر فى «المصرى اليوم» بتوقيع «نيوتن» لم يكن أبدًا وليد اللحظة، أو خاطرة جالت فى بال «صلاح دياب» وإدارته التحريرية، أو تعبيرًا عن رأى كما ادعوا. لقد كان الأمر استدعاءً لمعركة وجودية جديدة مع الدولة المصرية. حملًا للراية نيابة عن التنظيم الإخوانى الذى هزمته دولة 30 يونيو، لكن هذه المرة بنكهة ليبرالية يسارية. المدقق فى مسار ومحتوى ما ينشر على صفحات الجريدة يلمس بوضوح تلك المعركة التى تخوضها المصرى اليوم بين الرأسمالية الاستعلائية التى تمثلها تعبيرًا عن «شلة أصحاب الجريدة» وبين دولة يوليو 52 وامتدادها فى 30 يونيو 2013. الجريدة التى عمدت على تحصين نفسها بوجوه نيوليبرالية وأخرى ناصرية من أجل حبكة الخداع، بعد أن تورطت تلك الوجوه ورفلت فى نعيم وأموال قادة الحرب الوجودية الجديدة ضد الدولة الوطنية المصرية وفى مقدمتها الجيش المصرى العظيم الذين فشلوا فى الانتصار عليه فى ميادين القتال فيحاولون النيل منه فى ميادين الاقتصاد!

■ ■ ■

من الجمهورية إلى الفيدرالية ذلك كان العنوان العريض الذى حاولت ترويجه «المصرى اليوم». كان الهدف العبث فى كتالوج أقدم دولة فى التاريخ. بل أول دولة عرضها التاريخ، لتقود المصرى اليوم أول انقلاب حقيقى على الملك «مينا» موحد القطرين المصريين ـ الإقليميين الشمالى والجنوبى لتظل مصر دولة موحدة باختلاف الأنظمة والعهود ولم يستطع أن يمسها هذا الفكر التفكيكى إلا فى عهد الإخوان البائد ثم تعيد الكرة المصرى اليوم مجددًا.

مرة أخرى نقول إن ما نشرته لم يكن وليد لحظة بل ترجمة لاستراتيجية متكاملة صاغها رئيس مجلس إدارة جريدة المصرى اليوم الذى أدلى بحوار لجريدة «المصريون» - المتحفظ عليها حاليًا باعتبارها إحدى الأذرع الإعلامية للتنظيم الإخوانى الإرهابى- فى 8 يناير 2012 أعلن فيه أن الإخوان المسلمون هم الأجدر بتحمل المسئولية والذى تحول بعد ذلك إلى شعار انتخابى جرى استخدامه حينها مبكرًا لحسم المعركة الانتخابية حينها لصالح التنظيم الإخوانى.

لا ينفصل ذلك عن تحليل محتوى ومضمون الرسائل الإعلامية التى جاءت فى متون الجريدة منذ صدورها حين رفعت غطاء الحظر عن جماعة الإخوان، وأعادت تقديم أخبارها بشكل دورى واعتيادى وكأنها جزء أصيل من المكون السياسى المصرى، واستطاعت أن تقدم قادتها وأعضاء مكاتب الإرشاد وطرح أفكارهم وأنشطتهم ليعتاد القارئ عليهم ويألفهم فى أكبر عملية نصب سياسى فى التاريخ على الشعب المصرى، ولهذا الأمر مقال آخر!

 مجددًا أعود إلى رئيس مجلس إدارة «المصرى اليوم» وحواره مع تلك الجريدة وتبشيره بتمكين الإخوان، الرجل نموذج صارخ لحالة المتسللين إلى أعصاب الدولة، نظرًا لكونه عضوًا سابقًا فى أمانة سياسات الحزب الوطنى، وبعد حل الحزب نجح فى العودة إلى معسكره الأصلى من أجل إعادة التجنيد والتكليف، ثم يواصل نفس الشخص مهمته الجديدة، فينشر مقاله بجريدة «الشروق» الجزائرية بتاريخ 15 سبتمبر 2012 بعنوان: «سقوط دولة الضباط» يعبر فيه مباشرة عن كون وصول الإخوان للسلطة انتصارًا للدولة المدنية، بل إنه وصف ما حدث بأنه انتصار تكتيكى على المؤسسة العسكرية!

■ ■ ■

يستمر رئيس مجلس الأمناء على نفس النهج الفكرى المستمد من أفكاره الأمريكية المعلبة، فيجاهر خلال ندوة فى جامعة القاهرة بضرورة إعادة تركيب الخريطة الإدارية المصرية ـ التركيب يجب أن يكون تاليًا لعملية تفكيك ــ ولا يكف عن مناوراته اللغوية مستخدمًا مصطلحات العلوم السياسية المقعرة، من أجل أن يصل إلى نتيجة أعلنها نهاية المحاضرة، زاعمًا بأن المحافظات المصرية فى علاقتها الحالية بالسلطة المركزية لن تكون قادرة على مسايرة الأهداف الطموحة للتنمية المصرية!

لقد استمد «نيوتن» أفكاره من هذا الوعاء الذى نضح بها فقرر استخدام أسلوب الصدمة، اعتقادًا منه أن الدولة المصرية منشغلة بمواجهة وباء كورونا، شأنه فى ذلك شأن من استغل الفرصة للبناء المخالف أو الاستيلاء على أراضى الدولة بوضع اليد.

«المصرى اليوم» ظنت أنها ممكن أن تكون وسيلة لوضع اليد على مساحات من السيادة المصرية، بل إن الاستراتيجية التحريرية للجريدة فرضت فرضية تقول: إن مصر ستخرج من الأزمة مرهقة اقتصاديًا ويمكن إسالة لعابها السياسى بأطروحات غير نمطية تحت وطأة الضغط الاقتصادى الذى فرضته الجريدة فرتبت عليه واقعًا صحفيًا.

■ ■ ■

فى مواجهة نيوتن وعقب النشر فوجئ صلاح دياب برد الفعل الذى كان مساويًا للفعل ومضادًا له فى الاتجاه، حتى إنه راح يطلق غلمانه وحوارييه فى حملة اتصالات محمومة لمعرفة مصدر الحملة وسقفها ومداها.

أخطرهم حواريوه المتمركزون فى مواقع جعلتهم محسوبون على الدولة وهم فى الحقيقة ليس لهم دور إلا محاولة التسلل إلى أعصابها لخدمة مشغلهم وممولهم، بعضهم سبق له العمل مرءوسًا لدى رئيس صلاح دياب وكان يتقاضى منه راتبًا شهريًا ويتردد أن الراتب لم ينقطع، والآخر كان ينشر مقالات بأجر فى تلك الجريدة وينتظر أن يعود إليها إذا ما ضاقت به سبل الدولة، وآخرون أسماؤهم فى كشوف المستشارين الإعلاميين لشركات صلاح دياب وجامعته.

■ ■ ■

هؤلاء الحواريون الذين تولوا يوم الزحف العظيم ولم ينشروا كلمة واحدة للرد على دعوات «نيوتن» المزعوم والتى مست صميم قلب الأمن القومى المصرى، ولم يكتفوا بذلك بل راحوا يروجون أن ما نشر ضد الجريدة كان تقديرًا سيئًا خالف سياسة الدولة!

هؤلاء المتأرجحون بين الدولة ومصالح مشغليهم محملون الآن بفواتير استحق دفعها، فلم يتورعوا عن الطعن فى زملاء لهم لإحداث حالة انعدام ثقة بينهم وبين الرأى العام، بل إحداث حالة انعدام ثقة بينهم وبين مرءوسيهم داخل مواقعهم الصحفية القومية، فضلاً عن الإيحاء لقيادة الدولة بأنهم أصبحوا عبئًا عليها.

المدقق فى عموم المشهد يكتشف أننا أمام محاولة لإعادة إحياء حالة ظهرت آخر أيام حكم الرئيس الراحل «حسنى مبارك»، بدأ بالتدفق حول مراكز رسمية فى كيان الدولة ونقل صورة غير واقعية عن العلاقات المتشابكة بين الدولة ورجالها والإيحاء للرأى العام بانفصال رجال الدولة شعوريًا وفكريًا عن الدولة، وأن هناك من هو أجدر منهم بالاقتراب لإنقاذ الدولة، وانتهت تلك الحالة باختطاف الدولة أيام مبارك بعد النجاح فى فرض منطقة عزل بين الدولة ورجالها.

خاب سعيهم هذه المرة، الدولة الآن أعرف رجالها، قادرة على الفرز بين رجالاتها وأشباه الرجال الذين لا يطيقون أن يدفعوا ثمن هذه الرجولة!

■ ■ ■

لقد مَثل «صلاح دياب» أمام جهة التحقيق الإدارية فى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، فبادر بالاعتراف بأنه «نيوتن» محرر المقال الخبيث، ليس من أجل موقف بطولى ولكن من أجل مواجهة مشغله بأنه قد نفذ التكليف وأنه يدفع ثمن ذلك الآن، فكان اعترافه طلبًا للنجدة والإنقاذ.

 مالك الجريدة بعد أن انتهى التحقيق معه، همس فى أذن أحد أعضاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بعبارة «اقفلوا الجورنال وتريحونا»، لقد كان الهمس تعبيرًا عن أمنية خبيثة أراد بها توريط الدولة فى حالة تلبس بالتغول على حرية الصحافة، من أجل تحويل القضية من حالة مخالفة قانونية دستورية تمس السيادة المصرية والأمن القومى، إلى حالة انتهاك رسمى للحريات الصحفية، لكن الدولة التى تجلت روحها فى رجالات المجلس فطنت إلى حيلته، فقررت ألا تخرج القضية عن مسارها القانونى الصحيح.

■ ■ ■

رئيس مجلس إدارة الذى حضر التحقيق صحبة مالك الصحيفة أعلن للحاضرين بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أن دياب دعم الجريدة بما يقارب 65 مليون جنيه، ثم عاد يتحدث عن الصحافة المستقلة!!

القضية تبدأ من داخل مساحة الوعى لرئيس مجلس الأمناء المقصود الذى نشر مقالاً بتاريخ 8 يونيو 2016 بجريدة الشرق الأوسط اللندنية، بعنوان «زيارة جديدة للفكرة الليبرالية»، بدأه بعبارة «الفيدرالية كثيرًا ما طرحت كحل لكثير من المعضلات التى تواجهه بلدان عربية كثيرة»، وأنهى المقال بعبارة «الفكرة الفيدرالية ليست شرًا بالضرورة ويمكنها مع بعض من الخيال أن تكون واحدة من الحلول لكثير من مشكلاتنا المستعصية».

 هكذا كتب رئيس مجلس إدارة المصرى اليوم، وهكذا طغى وحى أفكاره على العقل الجمعى  للسياسة التحريرية للجريدة.