على السيد
الاستثمار فى الأمن القومى.. سيناء أولاً
أنا مدين لحالة الجدل التى دارت خلال الأيام الماضية كونها أعادتنى للقراءة عن سيناء. الأمر الذى دفعنى لكتابة عدة مقالات عما جرى خلال السنوات الأخيرة فى سيناء. وكيف تغيرت الجغرافيا المعتادة، وتبدلت النظريات العتيقة، والتى كنا نظن أنها راسخة رسوخ جبال سيناء.. وهذا هو المقال الثانى، والذى تتبعه مقالات أخرى أتمنى أن أتمكن من نشرها.
عشرات الكتب أمامى الآن عن سيناء توقفت كثيرا وعميقا أمام ما كتبه الفذ «جمال حمدان»، الذى كان عميقًا فى الرصد، وعبقريا فى التحليل، ومبالغا فى الحلم.. كان حلم حمدان المستحيل أن لا تتحول قناة السويس إلى عبء على سيناء، منتقدا الانسحابات التاريخية منها، وآخرها انسحاب ١٩٦٧: «ولو قاتلت بقايا قواتنا إلى آخر لحظة من قرار وقف إطلاق النار لكى نحتفظ بالضفة الشرقية للقناة مثلًا لتغير موقفنا الاستراتيجى جذريا « معتبرا أن الانسحاب من سيناء لا يعنى فقط شل للقناة وإيقافها، ولكن أيضا تحولها إلى أكبر عقبة فى سبيل الاسترداد، فالانسحاب سهل نسبيًا، لكن العودة صعبة صعوبة عبور أى مانع مائي. وبتعبير الجنرال والمؤرخ العسكرى كارل فون كلاورفيتز، فإن المانع المائى دفاع قوى ضد هجوم ضعيف، وهذا ما ظهر فى الثغرة عام ١٩٧٣، وسبقها مواقف كثيرة جعلت القناة عبء عند أى مواجهة، كما حدث مع الأتراك أيام الاحتلال الإنجليزى.
وإذا كانت النظريات السابقة فى الاستراتيجية تغيرت بفعل ما يجرى فى سيناء الآن، فهذا يعنى أن الفكر الجديد عاكس النظريات القديمة وتجاوزها، أو كما قال كلاوزفيتز : « ويل للنظرية التى تعاكس الفكر» والفكر هنا أن تظل سيناء دائماً محصنة، وبعيدة عن أية أطماع، والتحصين هنا ليس قلاعاً، ولكنه تلاحم الأطراف بالجسد.. لم يأت ذلك إلا بفكر شجاع، وقوة حاسمة، وتصميم لا يلين، وإرادة خلاقة: « ولا ننسى أنه لم يسبق لأى قائد أن أصبح عظيما من دون الجرأة». والجرأة تمثلت فى تغيير واقع جغرافى كامل لسيناء، ونقلها من خانة « صندوق ضخم من الرمال والوديان والجبال»، إلى تعبير حمدان الدقيق» صندوق من الذهب» مجازا كما هى حقيقة، استراتيجيا كما هى اقتصادياً، أو كما وصفها نعوم شقير « حصن طبيعى لمصر»، لأنها كما فى كتاب «تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها» بلغة الشاعر قنطرة النيل إلى الأردن والفرات، وبلغة الناثر الوصلة البرية بين إفريقيا وآسيا..
الجرأة لم تكن فقط فى انفاق حوالى ٦٠٠ مليار جنيه على سيناء، ولكنها تكمن فى نوعية المشروعات التى تمت أو تتم..هذا النوع من الاستثمار هو الأعلى تكلفة، لأنه استثمار فى الأمن القومي.. استثمار يضمن الاستقرار الدائم، واستقرار يضمن الاستثمار الناجح والمتنوع . أول ما يحقق ذلك هو إخراج سيناء من دائرة المطامع السهلة، إلى دائرة الحصن المنيع، وتحويل بوابتها إلى بوابة العبور المستحيل للعدو،والسهل للزائرين، ولم يكن ذلك ليحدث إلا بعد تغير جغرافيتها، ومن ثم ديموغرافيتها . تغيرت سيناء بعد تغير الحركة منها وإليها، فالحركة التى كانت تحتاج إلى وقت عبور المانع المائى جرى اختصارها إلى زمن العبور على الأرض، وهو بالتأكيد عبور أسرع وأسهل وأقل تكلفة، وأكثر أمنا .. وإذا سهلت الحركة، تراجع التباعد الجغرافي، وسهل العمل وزاد الاستثمار..
هذا الأمر خلق استراتيجية مغايرة تمامًا لما كان سائدا عبر التاريخ. حتى المدن التى تحملت الأعباء الكثيرة فى معارك سيناء مثل الإسماعيلية وبورسعيد والسويس، باعتبارها قاعدة دفاع عن الوادي، وهجوم لتحرير سيناء من دنس الاحتلال، باتت شريكة جغرافية ، وفاعلة فى عملية التلاحم، ومنخرطة فى التنمية الكبرى.
جاءت عملية حفر قناة السويس الجديدة متلازمة مع حفر الأنفاق، وتلك فكرة فيها من الجرأة والشجاعة والعلم، ما يمكن وصفه بانتصار كبير على الطبيعة الجغرافية المعاندة، والظروف الاقتصادية القاسية جدا وقتها. هنا لعبت الإرادة الفولاذية دورها فى تسطير نصر كبير وعظيم للمصرين. كانت هذه فكرة استراتيجية تنظر بعمق للتحديات التاريخية والجغرافية.. رؤية تتأمل الواقع وتقرأ ما فى قادم الأيام.. استتبع ذلك حركة استثمارية « عمرانية وصناعية ولوجستية» تعمق حضور القناة دوليًا، وتعلى قيمة سيناء اقتصادياً. كان يمكن أن تزيد القناة الجديدة من التباعد والعزلة، وترفع كلفة الأمن والاستثمار، فجاءت فكرة الأنفاق، وربما كانت سابقة على فكرة القناة الجديدة. فمن المؤكد أن الاستراتيجية الأمنية القومية لا تغيب، أو تتراجع أمام الأفكار الاستثمارية عند الرئيس عبدالفتاح السيسي، وربما هناك وحدة عضوية ومتلازمة بين الإثنين.
لذلك كله كان حمدان حاسماً فى حتمية أن يكون انسحاب ١٩٦٧ هو آخر انسحاب مصرى من سيناء فى التاريخ، وأن يكون خروج إسرائيل منها هو آخر خروج من مصر منذ سيدنا يوسف.
لا استثمار من دون أمن، ولا أمن بغير بسط الدولة نفوذها التام على كامل أراضيها. وإذا كانت سيناء نقطة رخوة طول التاريخ، فهى الآن نقطة تترابط وتتناغم مع خارطة الوطن . وإذا كانت قناة السويس شكلت منذ حفرها العبء الأمنى الأكبر على شرقها وغربها، فإن سيناء باتت حارسة وضامنة للقناة. لم تعد القناة مانع مائي، بقدر ما هو فاصل جغرافى داخل كتلة واحدة..لم يعد «المانع» يزيد من عزلة سيناء، لكنه أصبح جزءاً من تكوينها الجغرافى.






