السبت 19 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا
لغة الجينات 16

لغة الجينات 16

«الخوف» على لقمة العيش.. على فرصة العمل.. بتخلى بعض الناس تقبل الإهانة.. تعلن عكس ماتبطن.. فى الظاهر بترفع راية أكل العيش مر.. وفى الباطن جيناتهم ..مشوهة ناقصة.. مبتورة.. غير أصلية، لذلك هانت عليهم أنفسهم فكانت على غيرهم أهون.



«لقمة العيش» المغموسة فى الذل والمهانة.. ملعونة.. فى الظاهر بتوفر لك سبب استمرار الحياة بتغنيك عن الجوع.. وفى الباطن بتسحب منك الحياة نفسها.

«الحر» صاحب الجينات الأصلية لا يرضى الذل والمهانة، ولا يقبل الظلم والاستعباد... يستمد قوته من نقائه.. يعلم أن كرامته هى شرفه.. والشرف عظيم لا يستهان به، فإذا اُنتُزِعت منه كرامته فلا قيمة لحياته .

 

«صاحب الجينات الأصلية يرفض الركوع والعيش فى الذل والمهانة.. تجرى فى عروقه، العزة.. يحيا عزيزا ويموت عزيزا.

«صاحب الجينات المبتورة الخبيثة يقبل الإهانة سرا وعلانية.. فى الظاهر يوهم من حوله بكرامة زائفة.. وفى الباطن مستعد لتقديم المزيد والمزيد من التنازلات.. يبلع الذل والمهانة يوميا على أمل أن يستمر فى الترقى.. أن يظل وهم استقرار حياته مستمرا .

صاحب الجينات الأصلية مناضل بطبعه.. لايتوقف عن الحلم بغد أفضل.. الفنان الكبير محمد نوح من هذا النوع من البشر.. مناضل طول الوقت.. جيناته الأصلية رفضت هزيمة يونيو، فى الظاهر.. يعيش مثل ملايين المصريين أيام غائمة حزينة، وفى الباطن يناضل.. يحاول استيعاب ما جرى، يبحث عن المدد.

فى الظاهر غارق فى الحزن والكآبة.. يعيش مرارة النكسة.. وفى الباطن جيناته الأصلية بتدفعه لزيارة سيدنا الحسين.. وهناك على أحد المقاهى يتعرف على الشاعر «إبراهيم رضوان» ممسكًا بيديه «ورقة قديمة مكتوب فيها أغنية شدى حيلك يابلد «.. يسمع الكلمات من الشاعر الغارق فى الحزن.. فيأخذها ويلحنها فى قلبه.. يصنع بها كرامة من نوع خاص.. ينشد «مدد مدد مدد.. شدى حيلك يا بلد» فينتفض جسد كل من  لديه كرامة وعزة نفس ليرد خلفه.

فى الظاهر تبدو «مدد مدد مدد.. شدى حيلك يابلد «أغنية عادية.. وفى الباطن صارت أيقونة للنضال.. من الجبهة الرافضة للهزيمة والمستعدة لنصر قادم لامحالة.. إلى مباريات ومدرجات كرة القدم.. حتى فى الملاهى الليلية والأفراح.. الجميع يطلبها من محمد نوح ويردد خلفه.. شدى حيلك يابلد».

فى الظاهر ظل الشعب يردد الأغنية الأكثر حماسا.. وفى الباطن لم تكن الدولة الرسمية راضية عن الأغنية.. «الناس كانت بتحبها لكن الحكومة لا» ولدرجة أن الشاعر» إبراهيم رضوان» الذى كتبها دخل السجن بسببها.

روح المناضل عند محمد نوح لم تستسلم أبدا ... فى الظاهر تعلق بـ «مدد» كطفل لا يحب الابتعاد عن أمه، وفى الباطن كان ينتظر «المدد» حتى اندلعت حرب أكتوبر المجيدة، فخرج «نوح» للشارع يحتفل ويغنى مع الناس «شدى حيلك يابلد»... تفرغ مع فرقته للغناء فقط من أجل مصر والنصر ..»لحن بيانات الحرب، وغنى، للعزة والكرامة.. يستأجر الآلات والموسيقيين ويدفع لهم من جيبه حتى أفلس واتحجز على بيته .

«نوح» بجيناته الأصلية ..ورفضه للمهانة والانكسار لم يتوقف.. فى الظاهر ذهب ليغنى فى الأفراح والملاهى الليلة.. وفى الباطن لم يبحث عن لقمة العيش المغموسة بالذل استمر فى الغناء المحرض على الكرامة ،ومع الانفتاح، تغيرت الأوضاع فى البلاد، لكن «نوح» ظل قابضًا بيده بقوة على الجمر، كان صوته حاضرًا فى قلوب الناس، أصر على تقديم غناء راق ومعبر فى ظل انحدار الغناء.. انتقد فى أغانيه أيوب  الانفتاح وسيطرة الكوسة والمحسوبية.

جينات محمد نوح الأصلية ظلت تدفعه للنضال.. لم يستطع أحد أن يكسره.. أن يجبره على قبول المهانة.. حتى عندما استولت الدولة على مسرحه عام 1992 والذى أنفق عليه كل ما يملك.. ودمرت حلم عمره.. لم يهادن ولم يغمس لقمته فى الذل، وظل القرار جرحا ينزف بداخله حتى مات.

ألم أقل لكم إن صاحب الجينات الأصلية.. يرفض «لقمة العيش» المغموسة فى مرق الذل وكسرة النفس ورخص الكرامة، لا أحد يجبره على شىء ينال من كرامته لايحنى ولايتملق إرضاء لمن أغراه المنصب الزائف، فراح يدوس على الخلق وكأنهم عبيد.

صاحب الجينات الأصلية فى الظاهر قد يصمت.. ينزوى.. يفضل الابتعاد.. و فى الباطن ينتصر لنفسه وكرامته برفض الذل والمهانة.. يرفض كل الخيبات والانكسارات التى تحاصره من كل الاتجاهات.. يرفض العفن الذى يعشش فى جينات البعض.