الأحد 24 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا
«ابـن أمـى»!

«ابـن أمـى»!

«ابن أمه» يعتبرونها نقيصة تناقض صفات الرجولة، وسيلة للمعايرة والمزايدة التى لا تليق! سامحيهم يا أمى، سامحى يا كل أم، هذا الجهل المقيت وثقافة القسوة، التى لم تعلم أبدًا أن الرجل إذا كان سر أبيه، فهو «ابن أمه».



لا فخر يدانيه فخر أن أكون ابن أمى، هذه السيدة الفاضلة الأم الحنون، الرؤوم، المثقفة، العابدة، المحتسبة، الصابرة، الكريمة، العفيفة.

أفخر وأخى أننا «تربية إيدك»، فلم أكن لها فقط ابنًا، ولم تكن لى مجرد أم، كنت مشروعها الذى أفنت فيه عمرها وصحتها وكل ما تملك.

القدر لم يمهلنى يا أمى وقتًا أكثر فى معيتك، وخدمتك، وتحت قدميك، لم أكن أعلم أن «كورونا الملعونة» ستُعجل بخلع فؤادى للأبد، لم أكن أدرى أن ترتيبات القدر ستنتهى بها إلى مجرد رقم فى عداد المصابين، ومن بعدها قائمة الموتى.

ما أقساها لحظة على الابن أن يطلبوه للتعرف على جثمان أمه وهو مسجى على طاولة استعدادًا للغُسل، عطب أصاب قلبى، لم يعد قلبى كما كان، لم يتحمل تلك اللحظة، دقاته اضطربت، وأزماته حلت ليصبح مشروخًا ومعطوبًا للأبد، وقد لا تنفع فيه تدخلات الأطباء بعد الآن.

أجرُ قدمى، هى الأخرى لم تعد تستطيع أن تحمل جسدى، دخلت وكان الموت يلف المكان، المكان يلف المكان، جرت الدموع ليس اعتراضًا على قضاء الله - حاشا لله - فأنا الذى تعلمت منك أيتها الصابرة على المرض أن أتأدب بالحمد فى حضرة قضاء الله وقدره.

أودعك وأسأل نفسى ماذا سأفعل فى هذه الدنيا، وقد أغُلق فى وجهى باب الجنة، وأبواب الرحمة والرزق والبركة، مهما بلغ بى المنصب أو العمر، أظل طفلًا فى حضرة أمومتها، لم يكن فضل الله علىّ لموهبة أو جهد أو توفيق، بل كان كل ذلك وأكثر معقودًا بدعوة من قلبها تشق حُجب السموات السبع إلى رب العزة، أن «يوقف لى ولاد الحلال، ويكفينى مكر الماكرين والمتربصين».

أبَى هذا العام أن يرحل دون أن يترك جرحًا فى القلب لا يندمل، كأن القدر أرادنى أن أتجرع مرارة الفراق ووحشة البعاد، رحماك يا الله. ينتهى الكلام، وتنتهى الحروف، ويبقى اسمك فى دمى، وفى عروقى، وفى لسانى، كيف أوفيك حقك بالكلمات؟ كيف لى أن أرثيك وأنا المحتاج لمن يرثينى فيك؟!

أمى، لو كان بكائى يجدى لبكيتك دهرًا، وأجريت دمعى نهرًا، لو كان الرثاء يطفئ فى قلبى جمرًا أو يمنحنى بدونك صبرًا لملأت الكون أناشيد من أجلك، وسطرت الكلمات شعرًا وجعلت دموعى يا أمى للكلمات حبرًا.

أسأل الله العزيز الرحيم أن يسكنك فسيح جناته وأن يبلغك الدرجات العلى من الجنة وأن يكون صبرك واحتسابك خير شفيع لدى عزيز مقتدر.

لن أقول وداعًا يا فؤاد القلب..

بل أقول إلى موعد قريب.

ابنك!