الأحد 24 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

فى الذكرى الـ31 لرحيل نصير المرأة

إحسان عبد القدوس والحرية باب نصف مفتوح ونصف مغلق

ليس هناك شيء يسمى الحرية وأكثرنا حرية هو عبد للمبادئ التى يؤمن بها وللغرض الذى يسعى إليه إننا نطالب بالحرية لنضعها فى خدمة أغراضنا وقبل أن تطالب بحريتك سل نفسك لأى غرض سوف تهبها.. ما أصدقها كلمات عبرت عن صراع حقيقى بداخل كل منا ما بين شعارات نرفعها فى وجه مجتمع معروف بصرامة تقاليده وما نطبقه منها بالفعل فى حياتنا اليومية بما يتفق مع ما نؤمن به حقاً من مبادئ لا الشعارات..فكان لكاتب هذه السطور وجه آخر من رحم  مجتمعه الصارم  يحصن به حياته الخاصة  بعيداً عن صخب الحياة الأدبية وأضوائها الكاشفة.. إنها باختصار سطور من حياة نصير المرأة إحسان عبد القدوس الذى تحل ذكرى وفاته فى الثانى عشر من يناير الجارى.



لم يكن إحسان عبدالقدوس الأديب الوحيد الذى تناول حياة المرأة فى عصره، لكنه كان أكثرهم فهماً لطبيعتها وتعبيراً عنها، فكان لسانها الذى تتحدث به، وعينيها اللتين ترى بهما العالم، وقلمها الذى تثور به على التقاليد التى حرمتها من الاستمتاع بحياتها زوجةً وأماً وابنة وحبيبة. أكثر من 600 قصة ورواية قدمها الكاتب الراحل طوال حياته، تحولت 73 منها إلى أفلام ومسرحيات ومسلسلات إذاعية وتليفزيونية، معظمها كان يتناول العالم الخفى للنساء ومشاعرهن المتداخلة، فكانت المرأة بالنسبة له بمثابة الوطن والحياة الجديدة، فوضعنا فى إشكالية أن مقياس تقدم الأوطان يبدأ من إطلاق الحرية للمرأة، والعكس صحيح.

 

قوانين إحسان

 

ولكن فى منزل عبد القدوس كان الوضع مختلفا تماماً «فالبيت له تقاليده وقوانينه» المختلفة تماما عن حياة الروايات والأفلام، حيث قال محمد عبد القدوس فى حواره لمجلة «صباح الخير» عام 1991، عن الوجه الآخر الذى لا يعرفه الناس عنه عن والده إحسان عبد القدوس «والدى كان متمسكًا بالمبادئ الدينية لدرجة أنه كان يعترض على ظهور والدتى فى أجهزة الإعلام، وكان حريصا على أن تظل زوجة كاتب مشهور فقط». وتدخلت زوجته السيدة «لولا» عن زوجها الأديب إحسان عبد القدوس قائلة: «إن ما حكاه «محمد» كان قاعدة نسير عليها فى حياته، ولا يمكن أن تخرج عنها حتى بعد وفاته».

 

وأضافت: «إحسان كان إيمانه بالله قويا، لديه فلسفة فى الإسلام، كان يصلى بإيمان وخشوع، فعندما يصلى يغمض عينيه، وكأنه لا يريد أن يرى شيئًا من العالم الموجود حوله، طوال حياته، كان حريصًا على أداء صلاة الصبح قبل أن يبدأ أى عمل، وفى الـ15 سنة الأخيرة، كان حريصًا على أداء الفروض الخمسة فى أوقاتها».

 

مغالاة الجد المتدين

 

وتابعت: «تربى إحسان عبد القدوس فى بيت جده لأبيه، الذى كان حريصا على أن تنشأ أفراد العائلة كلها على الإيمان الكامل بالإسلام، وأداء كل الفروض والاستجابة لكل التعاليم، فقبل أن يصل «إحسان» إلى السابعة من عمره، كان يستكمل قدرته على أداء كل الفروض، كالصلاة والصوم وحفظ القرآن الكريم، ورأى أن جده كان مغاليًا ومتزمتًا فى أن يفرض عليه أداء كل الفروض، ووصل الأمر إلى أنه كان يحرم عليهم أن يؤدوا الصلاة وهم يرتدون ثيابا تكشف عن سيقانهم فوق الركبة.

 

واختتمت: «كان «عبد القدوس» يذهب لمدرسته وهو يرتدى بنطلونا قصيرا يكشف عن ركبته، فلا يستطيع أن يؤدى الصلاة، لذا كانوا يضعون فى حقيبته جوربا طويلا يرتفع إلى ساقه حتى يغطى ركبتيه حتى يلجأ لصلاة الظهر ليؤديها فى المسجد».

 

حرى بنا أن نعرض بعضاً من روايات الكاتب الكبير التى زلزلت المجتمع وقت صدورها لما تحويه من أفكار جريئة 

 

أنا حرة

 

واحدة من أشهر روايات إحسان عبد القدوس صدرت لأول مرة عام 1954 وقد نشرت أربع مرات فى أقل من خمس سنوات فى روز اليوسف، والكتاب الذهبى ومكتبة المعارف، حتى أن النقاد اعتبروها التطبيق العملى لأفكار قاسم أمين عن الحرية، وحرية المرأة بشكل خاص.فى الحقيقة أن  رواية «أنا حرة» قصة منتزعة من حياته من حى العباسية الذى عاش فيه، ومن شخصيات عرفها بالفعل، وأفكار وآراء آمن بها، كما يعتبرها علامة من علامات طريقه الأدبى ومسيرته. 

«أنا حرة» يتناول فيها إحسان عبد القدوس قضية التمرد على المجتمع بأعرافه وتقاليده التى عفى عليها الزمن وبطلة الرواية فتاة بسيطة تحاول ممارسة بعض الأمور العادية جدًا ولكن يقابل ذلك القمع من جهة أهلها بصورة مبالغ فيها إلى أن تقرر البطلة التمرد على هذه الأوضاع والتمرد على سطوة أهلها عليها والانطلاق فى مسيرة حياتها، كل هذه الأحداث يصوغها إحسان عبد القدوس بأسلوبه اللغوى الساحر الذى سيجبرك على قراءة الرواية أكثر من مرة.

 رواية تدور حول حرية الإنسان بشكل عام وحرية الأنثى بشكل خاص رواية عن قصة أمينة تلك الفتاة الثائرة على مجتمعها، تلك الفتاة التى تصر على الوصول إلى حريتها، أهدافها، طموحاتها من العباسية انطلقت لتشق طريقها نحو الحرية... بحثت عنها كثيراً... حتى ظنت أنها وجدتها.

 

سيدة فى خدمتك

 

تعد «سيدة فى خدمتك»، صورة من روح إحسان عبدالقدوس ومشاعره أثناء زياراته الخارجية، فالقصص العشر الطويلة التى تحتويها المجموعة، بدأت بقصة من لبنان وانتهت بانجلترا.وهى قصص تصور نواحى متعددة من الحياة فى صدق وجرأة، إذ تصور كل قصة بلدًا من البلاد التى زارها إحسان عبد القدوس سواء عربية أم أجنبية أم إفريقية، وفيها يرسم عبر شخصية محددة طبيعة البلد وأجواءه ومناخاته وعلاقاته الاجتماعية، بلغة أقرب إلى ريشة الرسام، وبعضها يعتبر بورتريها صادقًا للبلد المحدد.

 

البنات والصيف

 

تناول عبدالقدوس فى «البنات والصيف» قصص فتيات توهمن الحب فى أشخاص غير جديرين بالثقة أو الاحترام، فأضعن من أيديهن فرص الحب الحقيقى.تحولت الرواية إلى فيلم، تم تجزئة القصص فيه إلى ثلاث قصص، وقام ببطولة القصة الأولى مريم فخر الدين وكمال الشناوى وعادل خيرى، وأخرجها عز الدين ذو الفقار، والثانية قامت سميرة أحمد وحسين رياض وفردوس محمد بالبطولة، وأخرجها صلاح أبو سيف، أما الثالثة فكانت من بطولة سعاد حسنى وعبدالحليم حافظ وزيز البدراوى، وإخراج فطين عبدالوهاب.

 

زوجة أحمد

 

يحكى إحسان عبدالقدوس، على لسان بطلة الرواية سيرة زوجها أحمد بغير تكلف، ولا مجاملة، فقط تخبرنا بما جرى معها، وما حاربت من أجله، ليكون عاقبة صبرها، وحكمتها، وتخطيطها خيرًا.. وهو كتاب واقعى، يشرح نفسية الرجل والمرأة بشكل رائع يبعث على التأمل.

وصف إحسان عبد القدوس حال المرأة المصرية فى رواية  «زوجة أحمد»:»لقد كانت البنات قبل أن تولدى أنت، وأولد أنا، يعشن وراء المشربيات، لكن هذه المشربيات لم تحمهن من الخطيئة، ولم تهذب عواطفهن، كن ينظرن من خلال ثقوب المشربية ويلوحن لأى عابر سبيل، ولما عجز المجتمع عن حمايتهن، وجد أن الحل الوحيد هو القضاء على المشربيات، ومنح البنات حق النظر من خلال الشبابيك، ثم حق الوقوف فى الشرفات، ثم حق الخروج إلى الشارع، وفى كل خطوة من هذه الخطوات، كانت الأخطاء تقل، والعاطفة تترقى وتتهذب، والسعادة تدخل البيوت». 

 

ونسيت أنى امرأة

 

جسد إحسان عبدالقدوس فى روايته «ونسيت أنى امرأة» شخصية المرأة التى تهتم بنفسها، وتعظم حالها، ولا تعترف بأى أخطاء لها، ولكنها تجد أنها تخسر من حولها فى الوقت نفسه.وحاول عبدالقدوس أن يروج لفكرة أنه من غير المنطقى، أن تكون المرأة دومًا الطرف الأضعف، وتظهر وكأنها لا ترتكب أخطاءً.جسدت ماجدة هذه الشخصية فى فيلم تم إنتاجه عام 1994، وشاركها بطولته فؤاد المهندس، وسمير صبرى، وأخرجه عاطف سالم.

 

لا أنام

 

حاول إحسان عبد القدوس أن يرصد فى روايته «لا أنام» أن الأمور ليست دائمًا كما تبدو عليه، فمحبتنا قد تصل بنا إلى درجة الهوس، وتجعلنا نرتكب الخطأ، ظنا منّا أننا نعرف الأصلح والأفضل لمن نحب.

وتناولت الرواية قصة فتاة تحب أبيها بكل الأفعال التى أدت إلى فساد حياته، فرحل عنها النوم وهى تفكر وبالها مشغول.. وتحولت إلى فيلم، يعتبر من علامات السينما المصرية، وتم تصنيفه فى المرتبة الـ 29 ضمن قائمة لجنة المجلس الأعلى للثقافة لأفضل الأفلام المصرية، تم إنتاجه عام 1957، وهو من بطولة فاتن حمامة وعماد حمدى ورشدى أباظة ومريم فخر الدين، وإخراج صلاح أبو سيف.